-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا لو بعث اليوم كلّ من شوقي وابن باديس؟!

حمزة يدوغي
  • 3473
  • 4
ماذا لو بعث اليوم كلّ من شوقي وابن باديس؟!

قال أمير الشعراء أحمد شوقي عن الجزائر التي مر بها عام 1904 عائدا من فرنسا “لاعيب فيها سوى أنها مسخت مسخا، فقد عهدت مساح الأحذية فيها يستنكف عن الحديث بالعربية وإذا خاطبته بالعربية فلا يجيبك إلا بالفرنسية!”.

وبعد وفاته أقامت له جمعية المسلمين الجزائريين سنة 1934 في نادي الترقي حفل تأبين ألقى خلاله الإمام عبد الحميد بن باديس كلمة جاء فيها “فاعجب لمن يستدل على حال أمة بكاملها بمساح الأحذية فيها، فلو رأى شوقي حفلنا هذا من عالم الغيب لكان له في الجزائر رأي آخر!”.

وصدق ابن باديس! فالإمام محمد عبده، مثلا، الذي زار الجزائر بعد شوقي بسنة واحدة عام 1905 كان له فيها “رأي آخر” لأنه زارها بنفسية العالم الداعية المصلح المهتم بشؤون المسلمين أينما كانوا: لا بنفسية المتجول السائح المتفرج؛ فقد اتصل بنخبة من علمائها الذين أطلعوه على حقيقة الوضع فيها، فاطمأن عليها ورجع إلى مصر وهو موقن بأن الجزائريين سيتحررون من الاستعمار الفرنسي عاجلا أو آجلا؛ لأنه يعلم أن شر ما يصيب الشعوب والأمم في تقلب حياتها مع الأيام ليس هزيمة عسكرية حربية تضيع معها الأرض بما في باطنها من ثروات وبما فوقها من عمران؛ فتلك هزائم مؤقتة في عرف التاريخ، زائلة مهما يمتد بها الزمان؛ لكن شر ما يصيب الشعوب والأمم هزيمة نفسية تجعلها تستهين بمقومات شخصيتها، فيضعف تواصلها عبر الأجيال وتذوب في شخصية الغالب، وذلك هو القبر الذي لا نشور بعده! وهذا ما لم تعرفه الجزائر وهذا ما طمأن الإمام محمد عبده، بالرغم من كل ما لمسه خلال إقامته فيها من ضيق شديد؛ فقد حورب فيها الإسلام وحوربت فيها العربية وحورب فيها التاريخ وأحصيت على علمائها أنفاسهم قبل خطواتهم وحيل بينهم وبين المشرق ليسهل تنفيذ مخططات “المسخ” التي تعاون عليها رجال السياسة والكنيسة والجيش لتحقيق ذلك الوهم “المحموم” الزاعم بأن الجزائر ستصبح قطعة من أرض “الغال” مسيحية الدين فرنسية اللغة!

فابن باديس عندما قال “لو رأى شوقي حفلنا هذا من عالم الغيب لكان له في الجزائر رأي آخر” كان يقصد هذه الحقيقة الناصعة التي لم يدركها شوقي في عجالته وهي أن الجزائريين تشبثوا بمقومات شخصيتهم من دين ولغة وتاريخ وبكل ما يتغذى به وجدانهم من قيم ومثل وتراث روحي، وباختصار فإنهم تشبثوا بكل ما يدخل تحت عنوان “المقاومة الثقافية”، بدءا بالمعجم اللفظي المتداول إلى العادات وأنماط العيش، هذه المقاومة الثقافية التي قامت بها الزوايا بعد أن خمدت جذوة المقاومة المسلحة وخفت صوتها وإن لم تتوقف نهائيا، فحفظت للجزائر دينها ولغتها وتاريخها ومكّنتها من الصمود، بل ومن التحدي!

أما سر قوة تلك المقاومة فإنه يكمن في العقيدة الإسلامية التي سكنت أعماق وجدان المجتمع الجزائري، وتجلت في سلوكه العفوي، الذي صنع تراثا شعبيا زاخرا بأروع الأمثلة والنماذج!

من ذلك مثلا أن عجوزا في إحدى القرى كانت تستمع إلى أقاربها الذي رجع من المدينة بعد أن مكث فيها أياما، وكان يعدد على الحضور الأعمال الخيرية الكثيرة التي يقوم بها أحد القساوسة، من المبشرين؛ فقال إن هذا القس قد أنقذ عددا كبيرا من المرضى بإسعافهم بالدواء وآوى عددا معتبرا من المحتاجين ولا يقصده أحد من الجزائريين في حاجة إلى رجع من عنده مسرورا وقد قضاها له!  وهو – إلى جانب ذلك كله- لا يفتأ يدعو الجميع إلى “المحبة” لأن الله – كما يقول هذا القس هو محبة! فلما سمعت العجوز هذا الكلام قالت: يا خسارة! هذا الرجل الخير يذهب إلى النار.. إنه لا يشهد أن لا إله إلا الله وآن محمد رسول الله.

 إن هذه المقاومة الثقافية للاحتلال هي التي ستشكل الأرضية الصلبة التي ستنطلق منها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتحقق برنامجها الإصلاحي عن طريق الصحف والمدارس والنوادي، تبث الوعي الديني وتدعو إلى التسلح بالعلم ومواكبة روح العصر وتهيئة الجيل لخوض معركة المصير والتحرر من الاستعمار!

لقد كان كره فرنسا ومعاداة كل ما يمت إليها بصلة يسكن صدر كل جزائري وجزائرية، لسان حالهم جميعا قول الشاعر:

الله يعلم لو أردت زيادة   في كره فرنسا ما وجدت مزيدا

ولقد عبر ابن باديس في إيجاز رائع عن هذا الكره بقولته المشهورة “والله لو قال لي الاستعمار قل: لا إله إلا الله ما قلتها!..

وهذا عبد الحليم بن السماية الذي رافق الإمام محمد عبده في زيارته للجزائر، يأتيه شاب يقول له: لقد ارتكبت كثيرا من المعاصي والذنوب، وإني تبت الآن، ولكني لا أعرف دعاء أو ذكرا أو وردا ألزمه ليغفر الله لي، فقال له: سبّ فرنسا يغفر الله لك!

هذه الرواية أخذتها عن الأخ الكريم الأستاذ محمد الهادي الحسني الذي يُعنى – مشكورا ومأجورا إن شاء الله – بمثل هذه الشخصيات الجزائرية العظيمة والمغمورة.. للأسف الشديد!

واليوم؟!  ماذا لو بعث اليوم كل من شوقي وابن باديس؟! فلو بعث شوقي ومكث أياما في الجزائر وشهد ما تعانيه العربية فيها من غربة، وهو من هو في إدراك قيمة اللغة في حياة الأمة وعلاقتها بالعقيدة والتاريخ والتراث والأدب والفن والذوق والوجدان؛ ماذا كان يقول لو سمع بأذنيه ورأى بعينيه مسؤولين جزائريين يخاطبون شعبهم بلغة المستعمر بعد نصف قرن من الاستقلال ومن اختفاء ظاهرة “مساحي الأحذية” فيها؛ بل ماذا يقول عندما يستمع إلى بعض هؤلاء المسؤولين وهم يتحدثون إلى الشباب، في مناسبات وطنية، تاريخية وثقافية، يحثونهم على التمسك بمقومات شخصيتهم وعناصر هويتهم، من دين ولغة وتاريخ، وهم يعبرون عن ذلك كله.. بالفرنسية! إنها “العبثية” بعينها!

لعل شوقي حينئذ ينظم قصيدة يرثي بها الفصحى في الجزائر تكون أكثر حزنا وأسى من قصيدته الشهيرة في نكبة دمشق!

وأما ابن باديس الذي كتب يوما عن “الإسلام الوراثي والإسلام الذاتي” فإنه لو بعث ورأى ما بلغته فرنسا من الخبث والمكر والنفاق وما تضمره للجزائر من حقد دفين، ثم يرى بالرغم من ذلك كله تملق بعض أبناء جلدته إليها وتشدقهم بلغتها، فإنه حينئذ يكتب بدمع العين لا بحبر الدواة عن “المسخ الذاتي!”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • امقت فرنسا

    نعم يجب ان يصير كره فرنسا وسبها ولعنها عقيدة لنا لكي نصير بخير كما صار حب أذ نابها لها عقيدة اولى من عقيدة الاسلام . الم تسمع و لم تقرأ ما فعلته بنا وما زالت أيها الاحمق ؟! من مثلك أوتينا ونؤتى.
    اللعنة على فرنسا وعلى من يحبها واحشره معها.

  • جزائري حر

    إن اقوى رد على صاحب المقال -و إن وافقناه في لغة مسؤولينا- هو هذه الجريدة الناطقة بلغة الضاد (و أخواتها) و التي يبلغ حجم سحبها منفردة أكثر من حجم سحب الصحف المفرنسة مجتمعة و والله ثم و الله إن الأمل في هذا الشعب لكبير و لن يكون عز للعرب إلا بوجود الجزائر و كفانا عزا أن ثورة المليون و نصف المليون من الشهداء ليس لها مثيل في تاريخ العرب القديم و الحديث...و الأيام بيننا.

  • أمانة

    ماذا أقول لكاتب يعتقد أن سب فرنسا دين ودعاء يتقرب به الى الله
    لا تكاد تخلوا كتابات مثقفينا من عقدة الاستعمار سواء بالسلب أو الايجاب
    نحن في حالة من تخلف حضاري ومع ذلك يتصارع مثقفونا صراع الديكة كل يريد الفوز بمعركة لا هدف منها سوى الاستعلاء على الاخر في وقت نحن أحوج لتكاثف جهود لارساء دعائم دولة الحق والعدل وبناء ثقافي يتحرر من قيود الموروث القديم ويصمد في مواجهة ثقافة غربية لا مكان فيها لمقدس

  • بنت عمران

    يجب ان يعتز الأستاذ بتدريس لغة القرآن وأن يجعل تلميذه يشعر بالفخر وهو يتقنها ولكن ماذا عسانا نفعل وقد غابت تلك النصوص القيمة عن الكتب المدرسية قصائد شوقي و المتنبي ونصوص الابرايمي وطه حسين وعوظت بقصائد الصاروخ والطائرة ونصوص من الانترنت انها الاستمار الفكري الضي يحمل رايته مسؤولون بعقدة الارنب