مالك بن نبي: عبقري جزائري في مواجهة بربرية العالم المعاصر (الجزء الثاني)
التشريح الجيوسياسي: سبعة مسارح مختلفة، تشخيص واحد
في الجزء الأول، قدَّمنا مالك بن نبي ـ الرجلَ والعطاءَ الفكري، والأسلحةَ المفاهيمية الخمس التي تُشكِّل قاموسه التحليلي: القابلية للاستعمار، والثلاثية الحضارية، والعالمية، والصراع الإيديولوجي، وأنبوب الخيانة. ونوظِّف هذه الأسلحة الآن في مواجهة ملفات عصرنا المتأججة : سبعة مسارح. تشخيص واحد. الأثر ذاته، كُتِب منذ أكثر من ستين عامًا.
أولا: محور القابلية للاستعمار المسلَّح: أفغانستان، العراق، لبنان، اليمن
أفغانستان: ترليونا دولار من أجل لا شيء
أكَّد بن نبي عام 1960 أنه يمكن للقوة العسكرية أن تربح كل المعارك وتخسر الحرب الحضارية إذا تجاهلت البُعد الداخلي للمقاومة. أنفقت الولايات المتحدة 2.3 تريليون دولار في أفغانستان بين عامَي 2001 و2021. النتيجة: استعاد طالبان السلطة كاملةً إثر أكثر انسحاب مذلٍّ في تاريخ الجيش الأمريكي. لا يتعلق الأمر في جوهره بإخفاق عسكري، بل بـانهيار حضاري ـ الدليل التجريبي الدامغ على أن القوة الغاشمة لا تُعوِّض عن الأفكار.
كانت العالمية الأمريكية في أفغانستان محاولةً لزرع نموذج سياسي خارجي في مجتمع لم تفهَم قط منطقه الداخلي. وهذا ما كتبه روبرت نيكولسون في تشريحه لعام 2021: فشل الغرب لأنه كان «مدفوعًا برغبة نبيلة في رؤية البشر كائنات متساوية وقابلة للتبادل، يُعدُّ فيها الدين والثقافة ‘صدفة المولد’ ـ غير أن هذه الصدف هي حقائق غير قابلة للتفاوض لمئات الملايين من الناس الذين يُفضِّلون الموت على التخلي عنها.» لقد قال بن نبي هذا بصياغة مختلفة قبل ستين عامًا.
تبقى صياغته عام 1956 في الأفرو-آسيوية أدقَّ وصف للمأزق البنيوي لكل تدخل عسكري خارجي: «تنبثق الأزمة التي يتخبط فيها العالم من كون الطريق الوحيد المتاح، غير الطريق المسدود، هو طريق يفضي بدوره إلى مسدود آخر.» من كابول إلى بغداد، ومن طرابلس إلى صنعاء، لم يتحرك ذلك المأزق قيد أنملة.
يُميِّز بن نبي تمييزًا جوهريًا بين العولمة بوصفها مسارًا اقتصاديًا ـ تداوُل السلع والرساميل والأشخاص الذي يعدُّه إيجابيًا بالقوة ـ وبين العالمية بوصفها مشروعًا سياسيًا للهيمنة المعيارية، أي مصادرة اللغة الكونية (الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون) لخدمة مصالح إمبراطورية خاصة. يمكن تصدير المؤسسات؛ لكن لا يمكن تصدير الفكرة القوّة. ولهذا لم تُنتج أيٌّ من الدول «المحرَّرة» بالقوة بين عامَي 2001 و2023 ديمقراطية راسخة.
استشعر بن نبي أيضًا، منذ أواخر الخمسينيات، الهشاشة الداخلية للكتلة السوفيتية. وتنبَّأ عام 1972 ـ حين بدا الاتحاد السوفيتي في ذروة قوته العسكرية ـ بأفوله الحتمي، مُقارِنًا إياه بانهيار القرامطة الذين هدَّدوا الدولة العباسية قبل أن يتفككوا. أعطاه سقوط جدار برلين (1989) وتفكك الاتحاد السوفيتي (1991) تأكيدًا لامعًا بعد ثمانيّة عشر عامًا من رحيله. المنطق البنيوي ذاته: نظام يستنزف أفكاره-القوّة دون تجديدها لا ينهار تحت ضغط خارجي، بل يتداعى من الفراغ الداخلي.
في عام 1972، قبيل وفاته بعام، صاغ بن نبي ما يلي:
«نشهد في عصرنا أحداثًا جسيمة. هذه الأسباب تدفعنا إلى تشبيه الثلث الأخير من القرن العشرين بنهر يقترب من مصبِّه في البحر، منتفخٌ بتقاطع روافده المنحدرة من جبال الهضاب الشاهقة ـ مرحلة من التاريخ تتلاقى فيها كل الروافد بما يستتبعه ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية وسياسية وعلمية».
ذلك النهر هو المكان الذي نقف فيه الآن. وأفغانستان إحدى روافده الأكثر اضطرابًا. ومياهه، كما تنبَّأ بن نبي، لا تعود إلى منابعها.
العراق: الثلاثية المقلوبة
يُعدُّ اغزو العراق عام 2003، في نظر قارئ بن نبي، النموذجَ الحيَّ للعالمية وهي تعمل بأقصى طاقتها التدميرية، تحت غطاءي «حقوق الإنسان» و«الدمقرطة» ـ وهما الكونيَّتان اللتان يُعرِّفهما بن نبي بالعالمية ـ لقد دمَّر التحالف الغربي دولةً، ونهب متاحفها، واستأصل نخبتها الفكرية، وحلَّ جيشها، وبذر حربا أهلية طائفية لا تزال جمراتها تتقد حتى اليوم.
يستحضر تدمير بغداد عام 2003، عبر ثمانية قرون من الأمد الطويل، تدميرها على يد المغول عام 1258 الذي يستشهد به بن نبي بوصفه الصدمة التأسيسية لما يُسمِّيه انحطاط ما بعد الموحدين: اللحظة التي خسرت فيها الحضارة الإسلامية الفكرة-القوى التي كانت تُسيِّرها ودخلت حالة القابلية الهيكلية للاستعمار. التاريخ لا يُعيد نفسه، بل يتلعثم. وبغداد تلعثمت ثانيةً.
ما كان بن نبي سيُحدِّده بدقة جراحية هو أن التدمير الحقيقي للعراق لم يكن في مبانيه، بل في الإبادة المتعمدة لـرأسماله الإيديولوجي: الاستهداف المنهجي للجامعات والمستشفيات والمؤسسات الثقافية، وتهجير أربعين بالمئة من طبقته المهنية قسرًا، وتفكيك كل البنية التحتية للدولة. هذه هي الثلاثية المقلوبة: لا رجل قادر على الفعل، ولا تراب ينتمي إلى أهله، ولا زمن ـ إذ مجتمع عارٍ من المؤسسات لا يستطيع أن يُثبِّت نفسه في الديمومة، وهو الاستئصال المتعمد لأي شروط لنهضة مستقبلية.
لبنان: الشلل المُنظَّم نمطًا للحكم
يُعدُّ لبنان، في نظر قارئ بن نبي، المختبرَ الأكثر كمالًا لما يُسمِّيه «القابلية الهيكلية للاستعمار» ـ ليس لافتقاره إلى الموهبة أو الذكاء، بل لأن بنيته السياسية، أي الطائفية المؤسسية الموروثة عن الانتداب الفرنسي، قد نظَّمت الشلل نمطًا للحكم: الدولة عاجزة عن القرار، والمجتمع عاجز عن التماسك، وكل أزمة تمتصُّها المنظومة ذاتها التي أنتجتها.
جسَّدت هجمات أجهزة النداء وأجهزة اللاسلكي في سبتمبر 2024، التي راح ضحيتها 32 شخصًا وأُصيب فيها ما يزيد على 3250، بدقة إكلينيكية ما أسماه بن نبي الحرب غير المرئية: الحرب التي لا يُعلن عنها رسميًا لكنها تُفكِّك منهجيًا قدرة الشعب على الدفاع عن نفسه والتجدد. استُهدفت البنية التحتية المادية لحركة بأسرها لا بالقنابل، بل باختراق الأشياء اليومية ـ لقد صارت حرب الأفكار حرب أشياء.
من 1982 إلى 2024، قصفت إسرائيل لبنان في ثماني عشرة مناسبة متمايزة على الأقل. وكان ردُّ العالم العربي في كل مرة: إدانات لفظية تسير عبر أنبوب الخيانة قبل أن تذوب في صمت دبلوماسي. بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2024 وحده: سقط 3445 لبنانيًا وهُجِّر 400,000. لم يكن بن نبي ليتفاجأ. كان سيطرح السؤال ذاته الذي طرحه عام 1962: أين الأفكار التي كان ينبغي أن تجعل العالم العربي فاعلًا لا متفرجًا على كارثته؟
اليمن: مفارقة المهانين المقاوِمين
اليمن هو الحالة الأشد بنابيةً في مطلع القرن الحادي والعشرين. بلد من 33 مليون نسمة، أحد أفقر بلدان المنطقة، يرزح منذ 2015 تحت حرب بالوكالة تختبر فيها قوى إقليمية وعالمية أسلحتها على الأجساد المدنية: ما بين 150,000 و377,000 قتيل وفق ACLED، و4.5 مليون نازح، وبنية تحتية حولت إلى أنقاض.
ومع ذلك، فمن هذا الشعب المدمَّر بالذات أطلق الحوثيون بين أكتوبر 2023 وأبريل 2024 ما يزيد على 160 طائرة مسيَّرة وصاروخًا تجاه إسرائيل وسفن أقوى بحرية في العالم. هذه ليست مفارقة عسكرية، بل هي مفارقة بنابية: أينما وُجدت فكرة-قوة ـ مهما تكن مثار جدل ومُوظَّفةً لأغراض أيديولوجية ـ يستطيع شعب بلا جيش أن يُقاوم أسطولًا بحريًا.
أدرك بن نبي هذا من خلال مفهوم تشيئ الإنسان: يحوِّل النظام الاستعماري الشعوب إلى موضوعات للسياسة الخارجية، إلى أجساد في إحصاءات، وإلى أضرار جانبية. وتُقلِّل دومًا القوى التي تصنع الإحصاءات من قدرة المُشيَّئين على المقاومة. برهن اليمن على أن شعبًا قابلًا للاستعمار بالمعنى المادي ـ بلا اقتصاد ولا دولة حديثة ولا أسلحة متطورة ـ يمكنه توليد مقاومة غير قابلة للاستعمار إذا امتلك يقينا.
السؤال الذي كان سيُوجِّهه بن نبي إلى اليمن هو السؤال ذاته الذي وجَّهه إلى الجزائر عام 1962: هل ستظل هذه المقاومة ردَّ فعل محضًا، تستنزف نفسها في الصمود، أم ستُنتج في بوتقة المحنة أفكار النهضة؟ التمييز بين البقاء والتحضُّر هو برنامج بن نبي بأسره.
ثانيا: إيران ـ الحضارة العتيقة في مواجهة نظام الهيمنة
إيران، في طوبوغرافيا بن نبي الحضارية، حالة بالغة التعقيد. إنها حضارة تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، وحاملة عصبية ـ بالمفهوم الخلدوني الذي يجعله بن نبي ملكه ـ بالغة الصلابة: قدرة على التماسك الجماعي تحت الضغط استمرت بعد الفتح العربي والغزو المغولي والضغط العثماني وعقود من العقوبات الغربية دون أن تذوب.
كانت ثورة 1979، مهما قيل عن مضمونها السياسي، إحدى ثورات القرن العشرين النادرة المحمولة بـفكرة-قوى وطنية: لم تُستورَد من موسكو، ولم تُستعَر من واشنطن، وليست نسخة عن نموذج أجنبي ـ بل شُيِّدت من المرتكزات الفكرية والروحية الخاصة بهذه الحضارة. هذا، في قاموس بن نبي، هو تعريف المقاومة الحضارية في مقابل مجرد ردِّ الفعل الدفاعي. ردود الأفعال الدفاعية تستنزف نفسها بينما تُحوِّل المقاومات الحضارية المحنة إلى رأسمال.
ما لا تطيقه العالمية الأمريكية في إيران ليس البرنامج النووي بحد ذاته ـ فإسرائيل تمتلك أسلحة نووية منذ ستة عقود دون ضغط مماثل ـ بل الاستقلالية الإيديولوجية التي يرمز إليها البرنامج. تُمثِّل دولة ترفض الأنماط المفروضة وتبني عقيدتها الدفاعية الخاصة وتأبى الاندماج في المنظومة المعيارية الغربية تحديًا وجوديًا للنظام الهيمني بصرف النظر عن سياساتها الداخلية. إنها تُثبت أن النظام ليس كونيًا، بل خاص.
تؤكد حرب فبراير 2026 على إيران ـ مهما يكن مآلها العسكري ـ التحليل البنابي: العالمية لا تُفاوض الحضارات التي تمتلك فكرة عن ذاتها، بل تهاجمها. والحضارات التي تنجو من الهجوم تفعل ذلك بقوة مواردها الداخلية ـ الروحية والثقافية والفكرية والعلمية ـ قبل أن تفعله بصواريخها.
السؤال الذي كان بن نبي سيُوجِّهه إلى إيران هو الذي وجَّهه إلى الجزائر عقب الاستقلال: هل هذه المقاومة قابلة للاستعمار أم حضارية؟ المقاومة القابلة للاستعمار تُعبِّئ قوى دفاعية محضة وتستنزف نفسها في الصمود دون إنتاج أفكار النهضة. أما المقاومة الحضارية فتصوغ في المحنة شروط تجددها الذاتي بتفعيل قواها المنتجة ـ الفكرية والأخلاقية والعلمية والتربوية ـ الثانية وحدها تتجاوز الجيل الذي حملها.
ثالثا: الخليج ـ القابلية للاستعمار الفاخرة
صاغ بن نبي مرَضَ المجتمع الريعي بوضوح متميز، قبل عقود من أن تتشكَّل ممالك النفط في صورتها الراهنة. في ثلاثيته الحضارية، تُجسِّد دول الخليج أقصى حالات الاختلال: وفرة الأشياء (موارد نفطية ورساميل سيادية وبنية تحتية فرعونية)؛ ووفرة الأشخاص (ديموغرافيا واستيراد ممنهج للكفاءات الأجنبية)؛ وفقر الأفكار ـ الغياب الهيكلي للفكر النقدي والصحافة المستقلة والجامعة المتحررة والإنتاج الثقافي الذاتي.
ليس هذا حكمًا أخلاقيًا، بل تشخيص إكلينيكي. الخليج دليل حي على أن الثروة بلا أفكار لا تُنتج حضارة: تُنتج دُبَيَّات ـ إنجازات معمارية يشيدها عمال مهاجرون في ظروف توثِّقها كل منظمات حقوق الإنسان على الأرض، وكاتدرائيات تجارية عملاقة في صحاري فكرية، ومماليك مُكيَّفة الهواء تشتري فنون العالم وعلومه ورياضاته وعقوله تحديدًا لأنها عاجزة عن توليدها من الداخل بأعداد كافية. كان بن نبي لسيمي هذا القابلية للاستعمار الفاخرة، وهي التبعية الثقافية والفكرية في رداء السيادة المادية.
وحين تدخل مصالح السلالة الحاكمة في المعادلة، يعمل أنبوب الخيانة بأقصى طاقته : اتفاقيات أبراهام، والتطبيع المتواصل مع دولة تقصف غزة، و400 مليار دولار من التسليح الأمريكي في عقد من الزمن. التراب العربي موجود، والإنسان العربي موجود، والزمن موجود. لكن الفكرة-القوة التي تُحوِّل هذا التراكم الخام إلى حضارة غائبة. وفي غياب تلك الفكرة، سيُمدُّها الآخرون ـ كما فعلوا دومًا في كل دورة من دورات التاريخ الحضاري عند بن نبي.
هنا يلتقي تحليل بن نبي بتحليل ابن خلدون: لقد ذابت عصبية دول الخليج في بحبوحة الرفاهية. فالتضامن البدوي الذي بنى الممالك العربية حلَّ محله راحة تابعة تُسنِد كل وظيفة جوهرية ـ دفاعًا وبناءً وماليةً وطبًا وتعليمًا ـ إلى مشغِّلين أجانب. تلك هي الدورة الخلدونية في صورتها الحديثة: النعيم الذي يُذيب التماسك الذي أتاح الفتح من قبل.
رابعًا: الغرب والمهيمن المتراجع ـ تشريح بن نبي السابق لأوانه
بن نبي ليس معاديًا للغرب. والتمييز ليس دلاليًا محضًا: هو أساس مشروعه الفكري برمته. إنه معادٍ للعالمية، معادٍ للخاص المتنكِّر في زي الكوني. يُعجب بديكارت؛ ويُقرُّ بدَين الحضارة الإسلامية الوسيطة للعلم الغربي وعقلانيته؛ وهو يدعو، منذ الثلاثينيات، إلى حوار إسلامي-مسيحي على غرار رجل الدولة الكبير الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاد المقاومة ضد الغزو الفرنسي للجزائر (1832-1847). تكوينه الفكري أوروبي بقدر ما هو عربي-إسلامي. وهو في هذا نقيض الانكفاء الهويّاتي.
لكنه يرى في الغرب، عقب الحربين الكونيتين، حضارةً استنزفت دوافعها الروحية دون أن تولِّد دوافع جديدة. الوجودية السارترية التي يُعلِّق عليها بدقة ليست فلسفة النهضة: إنها فلسفة ما بعد الكارثة ـ ما بعد أوشفيتز، ما بعد هيروشيما، وانهيار لفكرة التقدم. الحضارة التي لم تعد تستطيع تصور نفسها في المستقبل مع الإحساس بالهدف، في قاموس بن نبي الإكلينيكي، قد دخلت أزمة الدوافع.
هذا ما شخَّصه فوكوياما بطريقته ـ دون أن يكون قرأ بن نبي ـ حين أقرَّ عام 2022 بأن الديمقراطية الليبرالية ليست منتصرة بداهةً. وهذا ما تكشفه كذلك «الترامبية «بنيويًا: ليس إمبراطورية جديدة في صعود، بل هيمنة تدافع عن نفسها بتدمير قواعد التعددية التي أرستها هي بنفسها. وتلك إشارة يائسة إلى أن نظامًا لم يعد يثق بقدرته على إدامة ذاته بالإقناع.
تضاعف الحروب بالوكالة غير القابلة للحل في آنٍ معًا؛ والعجز عن تسوية أي من النزاعات المشتعلة على مدى خمسة وعشرين عامًا ـ أفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، وأوكرانيا، وغزة، وإيران؛ ومسار إزاحة الدولار، وتوسع مجموعة البريكس، وتصدُّع «النظام القائم على القواعد»: كل هذا يؤكد ما كتبه بن نبي عام 1956 في الأفرو-آسيوية حول حتمية التراجع الهيمني الغربي وبزوغ عالم متعدد الأقطاب.
تحتفظ رؤيته التي صاغها عام 1956 فيما يتعلق بالعلاقة الإسلامية-الغربية بكامل قوتها وأهميتها:
«سيستعير الإسلام التقنية من الغرب حين يُنجز ثورته الثقافية. لكن الإسلام ـ بحكم التكامل الضروري ـ سيُعرِّف الغرب بالبُعد الروحي لمشكلات الإنسان. سيجعله يدرك أن المسألة الروحية لا تُحلُّها حلول اجتماعية-اقتصادية حصرًا».
ليست هذه نبوءة نصر، بل برنامج علاقة متبادلة. غرب بن نبي ليس عدوًا يجب هزيمته، بل شريكًا يجب أقناعه باستعادة رشده ـ كما يجب على الإسلام، في المرآة المعاكسة، أن يستعيد رشده ذاته. حضارتان في أزمة دوافع؛ تشخيص واحد؛ وصفة علاجية واحدة: استعادة الأفكار-القوة المتجاوِزة لإدارة الأشياء.
في هذا السياق، كتب بن نبي: «يجب أن تكون الحضارة الجديدة لا حضارة قارة فخورة ولا حضارة شعب أناني، بل حضارة إنسانية تجمع كل طاقاتها.» وبينما اعترف بالقوة التحويلية للحدث الأوروبي في العالم، دعا أوروبا ـ الغرب بلغة اليوم ـ إلى الاندماج في الضمير العالمي الذي أبدعته حضارتها. وعلى هذا الأساس رأى في مهمة «الأفرو-آسيوية» [الجنوب العالمي] «مساعدة الإنسان الغربي على بلوغ هذا البُعد الذي لم يصل إليه ضميره بعد.» ثم أعرب عن يقينه بأن أوروبا ستستمر في لعب دورها في كتابة التاريخ قائلا:
«خيرًا كان ذلك أم شرًا، لا يزال اختيارها يكتسي أهمية كونية (…) يجب ألا ندع أوروبا تنكفئ على محورها منسحبةً من العالم لتتذمر من إنسانية لم تعد تقدر على هيمنتها. لا بد من إظهار [للغرب] أن أمنه لا يتوقف على القوة بل على ارتقاء ضميره في بُعد الآخرين وتطور عبقريته في تناسق مع التيارات الراهنة ومصلحة إنسانية أرقى.»
يتبع في الجزء الثالث
بالنسبة لبن نبي، كانت المسارح السب عة التي فحصناها في هذا الجزء ـ أفغانستان والعراق ولبنان واليمن وإيران والخليج والغرب ـ ملفات قضائية في لائحة اتهام أشمل. لكنه عالج ملفًا واحدًا بطريقة مختلفة؛ عاد إليه بإلحاح عبر خمسة عقود. سمَّاه المسألة الأكثر أهمية في التاريخ الحديث للإسلام ـ وبالتالي في التاريخ الحديث للعالم. وهذا ما سيُعالَج في الجزء الثالث: «فلسطين: الجرح الأصيل والنبوءة المنجزة».
عن المؤلِّفَين
أمير نور: باحث جزائري في العلاقات الدولية ومؤلف عدة كتب، من بينها «وحشية قرننا: الحرب على فلسطين والإنسان الغربي الأخير» (كلاريتي بريس، أتلانتا، الولايات المتحدة الأمريكية، 2026).
لعلى بشطولة: صحفي جزائري مستقل ومحلل جيوسياسي، يكتب بانتظام عن الحروب المعاصرة وجيوسياسة العالم الإسلامي لصالح: Countercurrents وGlobal Research وMondialisation.ca وRéseau International والقدس وSri Lanka Guardian.
المراجع:
ـ مالك بن نبي، آفاق جزائرية (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1964؛ إعادة طبع 2004)، ص 140-150. يُحلِّل بن نبي كيف أن الانتصار العسكري دون إعداد إيديولوجي مسبق يُفضي إلى فراغ اجتماعي يُعيد المُستعمِر احتلاله في أشكال جديدة عقب الاستقلال الرسمي.
ـ مشروع تكاليف الحرب، جامعة براون، «التكاليف الميزانية الأمريكية والالتزامات المتعلقة بحروب ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى العام المالي 2022»، سبتمبر 2021. يُغطي رقم 2.313 تريليون دولار النفقات الحربية المباشرة في أفغانستان وحدها، في حين تبلغ التقديرات الأشمل، بما فيها رعاية المحاربين القدامى، ستة تريليونات دولار.
ـ روبرت نيكولسون، «العالم الإسلامي الذي لا يُقهر»، وول ستريت جورنال، 19 أغسطس 2021.
مالك بن نبي، الأفرو-آسيوية (القاهرة: مائل، 1956؛ إعادة طبع، الجزائر: دار البيعة، 2006)، ص 11. تعود مقدمة الكتاب إلى 6 نوفمبر 1956، بعد أربعة أيام من اندلاع أزمة السويس التي يربطها بن نبي صراحةً بالمأزق البنيوي الذي يصفه.
ـ بن نبي، «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» (الجزائر: البيعة، 1970)، ص 55-62. حول التمييز بين العولمة بوصفها مسارًا اقتصاديًا والعالمية بوصفها مشروعًا سياسيًا في مقابل المثال الفلسفي، انظر أيضًا: «العالمية» (الجزائر: دار الحضارة، 2004)، ص 17-30.
ـ حول الهشاشة الداخلية للاتحاد السوفيتي كما استشعرها بن نبي منذ أواخر الخمسينيات: مالك بن نبي، «ميلاد مجتمع» (القاهرة، 1962؛ إعادة طبع، الجزائر: دار البيعة، 2006)، ص 210-220. أما مقارنة بن نبي بانهيار القرامطة، فترد في: «وجهة العالم الإسلامي» (1954؛ إعادة طبع 2006)، ص 121.
ـ مالك بن نبي، مستشهدًا به في: راشد الغنوشي، «بن نبي ومسألة النهضة» (محاضرة، المعهد الأعلى للاهوت، تونس، 1985؛ أعيد نشرها في: دراسات بنابية، عدد 3، الجزائر، 2001، ص 44-45). مقطع «روافد التاريخ المتقاربة» مأخوذ من مؤتمر عقده بن نبي بالجزائر عام 1972.
ـ سيمور هيرش، «سلسلة القيادة: الطريق من الحادي عشر من سبتمبر إلى أبو غريب» (نيويورك: هاربر كولينز، 2004)؛ روبرت فيسك، «الحرب الكبرى من أجل الحضارة: فتح الشرق الأوسط» (لندن: فورث إيستيت، 2005). الضحايا المدنيون العراقيون 2003-2011: قاعدة بيانات عدد الجثث في العراق، التقرير السنوي 2011 (نطاق 100,000-200,000 ضحية).
ـ بن نبي، «شروط النهضة»، المرجع السابق، ص 120-130. يُشير مفهوم «إنسان ما بعد الموحدين» إلى الفرد الذي تشكّل في ظل الانحطاط الحضاري عقب سقوط الدولة الموحدية عام 1269: عاجز عن المبادرة، مرتهن بنيويًا للأطر الخارجية. ويتتبع بن نبي هذا المرض عبر ثمانية قرون.
ـ حول التدمير المتعمد للبنية المؤسسية والفكرية للعراق عقب عام 2003: نعومي كلاين، «عقيدة الصدمة» (نيويورك: متروبوليتان بوكس، 2007)، الفصلان 16-17؛ علي علاوي، «احتلال العراق: كسب الحرب، خسارة السلام» (نيو هيفن: مطبعة جامعة ييل، 2007)، ص 189-215.
ـ حول هجمات أجهزة النداء وأجهزة اللاسلكي في سبتمبر 2024: مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، «التقييم الأولي»، أكتوبر 2024. ضحايا لبنان خلال الفترة أكتوبر 2023 – نوفمبر 2024: هيومن رايتس ووتش، «التقرير العالمي 2025»؛ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية: «تقرير الوضع في لبنان»، ديسمبر 2024.
ـ روبرت فيسك، «الشفقة على الأمة: لبنان في الحرب» (لندن: أندريه دويتش، 1990).
مجلس حقوق الإنسان الأممي، «تقرير اليمن، A/HRC/42/CRP.1»، سبتمبر 2019. تقديرات ACLED: 150,000-377,000 وفاة يُعزى إلى النزاع 2015-2022. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «4.5 مليون نازح داخليًا». حول العمليات الحوثية بالطائرات المسيّرة والصواريخ تجاه إسرائيل والأصول البحرية الأمريكية: ACLED، «رصد النزاع في اليمن»، أبريل 2024.
ـ مالك بن نبي، «الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة» (القاهرة، 1962؛ إعادة طبع، الجزائر: البيعة، 2006)، ص 72-85. حول مفهوم «تشييء الإنسان» أداةً للهيمنة الاستعمارية والنيو-استعمارية، انظر أيضًا: «القابلية للاستعمار» (الجزائر: المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، مرجع ما بعد الوفاة، 2000)، ص 33-40.
ـ بن نبي، «شروط النهضة»، المرجع السابق، ص 88. صيغة «الإنسان ما بعد الموحدي الحامل لفكرة-قوة» ـ أي الفرد الاستثنائي الذي يكسر الشلل الجماعي بقوة الاقتناع ـ ترد في مناقشة بن نبي للشخصيات الإصلاحية كالشيخ الجزائري ابن باديس.
ـ حول العمق الحضاري الإيراني وتداعياته الجيوسياسية: علي م. أنصاري، «مواجهة إيران: فشل السياسة الخارجية الأمريكية والصراع الكبير المقبل في الشرق الأوسط» (نيويورك: بيزيك بوكس، 2006)؛ فالي نصر، «الانتعاش الشيعي: كيف ستُشكّل الصراعات داخل الإسلام مستقبل العالم» (نيويورك: نورتون، 2006).
ـ حول الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية التي اندلعت في 28 فبراير 2026 (عملية الأسد الزئير / الغضب الملحمي): البيانات الرسمية للقيادة الوسطى الأمريكية؛ جين’ز ديفنس ويكلي، مارس-أبريل 2026؛ التغطية المباشرة لـ Middle East Eye، فبراير-مايو 2026.
ـ حول الأبعاد العسكرية والاستراتيجية للحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية (عملية الأسد الزئير / الغضب الملحمي): البيانات الرسمية للقيادة الوسطى الأمريكية، فبراير-أبريل 2026؛ جين’ز ديفنس ويكلي، مارس-أبريل 2026؛ التغطية المباشرة لـ Middle East Eye، فبراير-مايو 2026.
ـ مالك بن نبي، «مشكلة الثقافة» (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1959؛ إعادة طبع 2006)، ص 103-115. حول إنفاق دول الخليج على الواردات الثقافية الأجنبية مقارنةً بالإنتاج الداخلي: معهد اليونسكو للإحصاء، «أوقات الثقافة: أول خريطة عالمية للصناعات الثقافية والإبداعية»، 2015.
ـ حول اتفاقيات أبراهام (15 سبتمبر 2020) وتداعياتها الحضارية: داليا دسة كاي وشيرا إيفرون، «الرهان الإسرائيلي الخطير»، فورين أفيرز، نوفمبر/ديسمبر 2021. حول مشتريات الخليج من الأسلحة: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، قاعدة بيانات نقل الأسلحة، 2024.
ـ بن نبي، «وجهة العالم الإسلامي» (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1954؛ إعادة طبع 2006)، ص 97. يُحدد بن نبي أن «أزمة الدوافع» في الغرب ليست أزمة موارد أو تقنية، بل هي «أزمة فكرة الإنسان» ـ أي فقدان المشروع الحضاري المتجاوز للتراكم المادي.
ـ فرانسيس فوكوياما، «مزيد من الأدلة على أن هذا فعلًا نهاية التاريخ»، ذا أتلانتيك، 17 أكتوبر 2022؛ «إعلان قمة البريكس في جوهانسبرغ»، 23 أغسطس 2023 (التوسع بضم ستة أعضاء جدد).
حول إزاحة الدولار وتآكل هيمنته التدريجي في التسويات التجارية الثنائية: زولتان بوزسار، «الحرب وأسعار الفائدة»، كريدي سويس، 7 سبتمبر 2022؛ «آفاق الاقتصاد العالمي»، صندوق النقد الدولي، أبريل 2024.
ـ إعلان قمة البريكس في جوهانسبرغ، 23 أغسطس 2023 (التوسع بضم المملكة العربية السعودية وإيران وإثيوبيا ومصر والإمارات العربية المتحدة والأرجنتين).
ـ في هذا الصدد، انظر: أمير نور، «الحرب على غزة: نظام عالمي جديد قيد التشكّل؟» في جزأين، منشور على موقع Global Research، مركز أبحاث العولمة، مونتريال.
ـ بن نبي، الأفرو-آسيوية، المرجع السابق، ص 34-40. صاغ بن نبي هذا الكتاب قبل عام من مؤتمر باندونغ (أبريل 1955)، الذي اعتبره تأكيدًا جزئيًا لأطروحته حول بزوغ «جبهة الحياد» ـ كتلة العالم الثالث القادرة على مقاومة العالمية الأمريكية والامبريالية السوفيتية معًا.
ـ مالك بن نبي، «الأفرو-آسيوية»، القاهرة، 1956.
ـ مالك بن نبي، «شروط النهضة»، الجزائر، 1949.