مبيِّضو الأموال يُغرقون الدلالة بأطنان من الذهب المغشوش
تمتلك الجزائر ثالث احتياطي من الذهب في العالم العربي بعد السعودية ولبنان؛ إذ بلغ احتياطُها في العام الماضي 173,2 طن من الذهب. وإن كانت مناجم “تيمسميسة” و”تيراك” معروفة عالميا والذهب الجزائري مشهوداً له بجودته ونوعيته الرفيعة، إلا أن المواطن الجزائري ما يزال محروما من امتلاك هذا المعدن النفيس، لتكون السوق الموازية ملاذه الوحيد لاكتسابه حتى وإن كان يدرك في قرارة نفسه قلة جودته بل واحتواءه على مواد مغشوشة في كثير من الأحيان.
تشهد “الدلالة”، أو كما يصطلحون عليها باسم بورصة الذهب في الجزائر، حركية كبيرة وإقبالا من طرف المواطنين الراغبين في بيع مجوهراتهم “الكاسي” رغم تراجع أسعار الذهب في الأسواق العالمية والمحلية، حيث يبلغ سعر الغرام الواحد 4500 دج وهو سعر قد يرتفع أو ينخفض حسب نوعية الذهب إن كان مستوردا أو محليا، وكذلك بحسب نوعيته فهناك ذهب 24 قيراطا و18 قيراطا إلى النوع الرديء والذي يباع بأبخس الأثمان.
غير أن ما وقفنا عليه خلال جولة قادتنا إلى دلالة الذهب بـ”السكوار” أن أغلبية المواطنين يفضلون بيع ما يمتلكونه من ذهب ومجوهرات “كاسي” بعد أن تم قبول طلبات سكنات “عدل”، حيث صرح لنا “م”: في هذه الفترة ازدهرت تجارة الذهب القديم والمكسر “الكاسي”. الجميع يريد بيع مجوهراته سواء لتسديد أقساط سكنات “عدل” والمرتقب الشروع في دفعها خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية أم لشراء سيارات جديدة، وهو ما جعل سعر “الكاسي” الآن منخفضا نوعا ما؛ حوالي 2500 دج لكنهم يصرون على بيعه، مضيفا أنهم يجمعون الذهب “الكاسي” ليعيدوا بيعه لأصحاب ورشات صناعة الذهب.
من منجم “تيمسميسة” إلى “السكوار” و”رويسو”
العاقلة، الحاجة، الروجي… وغيرهم من “الدلالين” و”الدلالات” الذين اكتسبوا شهرة واسعة بفضل النوعية الرفيعة والموديلات العصرية للمجوهرات التي يعرضونها للبيع حتى إن المواطنين يدلُّونك عليهم بالبنان، فبمجرد الاقتراب من دلالة الذهب بـ”رويسو”، “السكوار”، ومقابل تمثال الأمير عبد القادر تشدُّ انتباهَك سيدات يجلسن وفي أيديهن أعداد كبيرة من الخواتم والأساور.. دنونا من إحداهن دون أن نكشف لها عن هويتنا رغبة منا في الحصول على كم كبير من المعلومات، حيث راحت تفتح أمامنا حقيبتها وعلبا زرقاء لحلويات “الترك” تحفظ فيها المجوهرات، وذكرت لنا أنها تعمل “دلالة” للذهب منذ أزيد من 15 سنة وفي كل مرة تغير المكان، مع أن الذهب الذي تبيعه أصلي ولم يحدث يوما أن اشتكت زبوناتها منه. وعن مصدره أوضحت لنا محدثتنا أنها تشتريه من ورشات صناعة الذهب في العاصمة والمدن الأخرى وهو أقل سعرا لكونه لا يحمل دمغة وكذلك يباع في الطريق دون ضرائب أو سجل تجاري، فمنجما “تيمسميسة” و”تيراك” هما المصدران الرئيسان للذهب المتداول في الأسواق الموازية على حد قول محدثتنا، والتي راحت تحكي لنا عن الصراع الذي شهدته مؤسسة استغلال مناجم الذهب الجزائرية مع شريكها الأسترالي فعلى كبر سنها تسعى إلى جمع كل المعلومات حول الذهب في الجزائر وحتى في الخارج.
في حين أوضح لنا أحد الباعة أن “البزناسية”؛ أي تجار الحقائب، هم من يغرقون الأسواق الموازية أي “الدلالات” بكميات من الذهب المستورد والذي يشكّل النحاس ومواد أخرى حصة الأسد فيه ويصعب حتى على المجوهراتي التفريق بينه وبين الذهب الأصلي، مردفا أنه يفضل بيع الذهب الجزائري فقط على ذهب دول الخليج العربي ومع أن سعره منخفض لكن الجزائريات لا يحبذنه نظرا لكثرة لمعانه حتى إنه يبدو غير حقيقي، ليواصل البائع كلامه: لديّ العديد من الموديلات المحلية والمستوردة وبالأخص السورية والتي أصبحت مطلوبة بشكل كبير من قبل العرائس لأنها كبيرة الحجم وجميلة التصميم وبأسعار مقبولة.
“دلاَّلون” يبيعون الذهب بالتقسيط لـ”الزوالية”
وجهتُنا التالية كانت “دلالة” الذهب في باش جراح والتي تُعدُّ قبلة العرائس والعرسان الأولى على حد سواء، فهم يقصدونها نظرا إلى جودة المجوهرات المعروضة فيها والعروض التي يخص بها الباعة زبائنهم الدائمين من تخفيضات في الأسعار وحتى بيع بالتقسيط، حيث صرح لنا أحد الباعة أن الطلب على المجوهرات قلّ كثيرا في الفترة الحالية رغم انخفاض سعره فثمنه يتراوح ما بين 3 آلاف و4 آلاف دينار على حسب نوعيته، لكن العاصميين بشكل خاص لا يستهويهم سوق الذهب ولا يبالون إن ارتفع أو انخفض مقارنة بالمدن الداخلية الأخرى، فهم يفضلون شراء السيارات والمنازل على اقتناء كمية من الذهب وإن اضطروا فذلك يكون فقط في موسم الأفراح والأعراس. وعن طبيعة زبائنه، أكد لنا محدثنا أنهم من الجنسين نساء ورجال منهم من يشغلون مناصب مهمة ولديهم مدخول جيد إلا أنهم يبحثون عن الأسعار المنخفضة دوما، فيفضلون شراءَها بالتقسيط، يمنحهم طلبهم مقابل شيكات ويسلمونه مبالغ شهرية.
أما صديقه، فصرَّح لنا بأن كل “دلاَّل” ولديه مصدر التمويل الخاص به، فهو مثلاً يتعامل مع مجوهراتي من معارفه يزوِّده بالذهب غير المدموغ ليبيعه، فقد كان في السابق يعرضه في واجهة محله كل مساء بأسعار منخفضة، إلا أن الرقابة تفطنت له فوجد في منحه له مقابل اقتسام الفوائد مصدرا للربح أيضا.
نصف ذهب “الدلالة” مغشوش
وحول الموضوع، أوضح لنا صاحب محل لبيع المجوهرات غرب العاصمة أن الذهب المعروض في الدلالة معظمه مغشوش وليس ذهبا خالصا، فالمجوهراتي بإمكانه اكتشاف الأمر باستعمال بعض المواد، إلا أن بعض الصاغة الموجودة محلاتهم بالقرب من أسواق “الدلالة” متواطئون مع “الدلالين” ويخشون غضبهم فيدّعون أنه ذهب خالص، وبعد مرور فترة من الزمن يكتشف أنه كان ضحية نصب واحتيال وليس بإمكانه إيجاد البائع لأنه يغير مكانه باستمرار، مستطردا أن تجارة الذهب تعرف ركودا غير مسبوق هذه الأيام رغم استقرار سعر الذهب الجزائري على عتبة 4500 دج للغرام الواحد وأكثر أما المستورد فـ 5600 دج وما فوق على حسب نوعيته، إلا أنه مؤخرا تم منعُ الذهب المستورَد مع حلول سنة 2014 وما يتم تداوله في السوق حاليا هو بضاعة قديمة.
بولنوار يحذر
من جهته، أكد الناطق الرسمي باسم اتحاد التجار والحرفيين الجزائريين “الحاج الطاهر بولنوار” أن دلالة الذهب تشكل خطرا على الاقتصاد الوطني وهي مظهر من مظاهر الأعمال المشبوهة وتبييض الأموال، فما يُعرض في هذه الأسواق يشكل نسبة 60 بالمائة من السوق الوطنية، مرجعا انخفاض أسعار هذه البضاعة إلى كون أصحابها غير مطالَبين بدفع الضرائب ويتنقلون باستمرار، ليردف بأن نسبة 50 بالمائة من الذهب المعروض للبيع في الأسواق الموازية مغشوش ويتم إضافة مواد إليه كالنحاس وبعض المعادن التي تمنحه لون الذهب وبريقه وتساعده في الاحتفاظ به لمدة طويلة بل ويصعب التفريق بينهما.
وللقضاء على هذه الأسواق دعا “بولنوار” إلى تشجيعهم على العمل بطريقة قانونية وتشجيع الحِرفيين على الإنتاج الحِرفي والوطني خاصة وأن عدد الحرفيين والورشات الخاصة بذلك في تناقص كبير منذ 10 سنوات بسبب ارتفاع تكاليف هذه التجارة ومزاحمة تجار الأسواق الموازية لهم.