-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متعة العطاء وفعل الخير

سلطان بركاني
  • 1194
  • 0
متعة العطاء وفعل الخير

في أواخر سورة الحجّ من كتاب الله الخالد، دعوة من أجمع الدّعوات، جمعت بين حقّ الله الواحد الأحد في أن تُحنى له الظّهور والجباه خشوعا وخضوعا، وبين حقّ الضّعفاء من عباده في أن تتحرّك لهم الألسن وتمتدّ لهم الأيدي بأعطيات الخير، طلبا للفلاح والنّجاح، يقول سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)).. والفلاح هنا ليس فلاحا أخرويا فحسب يظفر به العبد المحسن وتقرّ به عينه عند لقاء مولاه، إنّما هو قبل ذلك فلاح دنيويّ يهنأ به المحسن في العاجلة.

الفلاح العاجل الذي يظفر به العبد المؤمن المحسن، لا يتوقّف عند العوض الماديّ المضاعف الذي يجده عمّا تصدّق به، ولا عند البركة التي تحلّ في ماله، مصداقا لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ”، إنّما يتعدّى هذا وذاك إلى البركة التي يجدها العبد المحسن في وقته وعمره وأهله وأولاده، والأهمّ من ذلك الرّاحة النفسية التي يظفر بها ولا يصل المتردّدون على العيادات النفسية إلى عشر معشارها.. هي راحة نفسية وسعادة غامرة تملأ قلب العبد المؤمن وهو يقدّم العون للآخرين، بماله وجهده وإخلاص نصحه ودلالته على الخير، تتبدّد معها سحب الهموم والغموم والأحزان، ويتلاشى معها الضّيق والخوف، وصدق الله القائل: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم))؛ فالطّهارة النفسية هنا ليست طهارة من الذّنوب والسيّئات فحسب، إنّما هي طهارة من كلّ المكدّرات التي تحول بين الرّوح وبين السّعادة والرّاحة.. هذا فضلا عن أنّ لفعل الخير وتقديم العون الماديّ والمعنويّ للآخرين تأثيرا عجيبا في شفاء كثير من الأمراض العضوية، مصداقا لقول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: “داووا مرضاكم بالصّدقة”، ولا عجب في أن يكون الشفاء العضويّ محصّلة للشّفاء النّفسيّ، فتأثّر البدن بالحالة النفسية ممّا يقرّه الطبّ وتشهد له التّجربة.

وكلّما كان العبد المؤمن مخلصا في الخير الذي يقدّمه ويبذله أكثر كان تأثير العطاء في نفسه وبدنه وحاله أكثر، وكلّما كان الخير المبذول أكثر أثرا فيما يملكه العبد كان تأثيره أكثر؛ ولهذا فالعبد المؤمن الذي يبذل ممّا فضل عن حاجاته من الضروريات والكماليات، يجد من السّعادة والرّاحة والطمأنينة قدرا أقلّ ممّا يجده من يتصدّق ممّا فضل عن حاجاته الأساسية، وهذا يجد قدرا أقلّ ممّا يجده من يتصدّق ممّا هو محتاج إليه ومن أحبّ أمواله إليه عملا بقول الحقّ سبحانه: ((لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم))، وهذا بدوره لا تصل سعادته وفلاحه إلى القدر الذي يحصّله من يؤْثر على نفسه؛ فهذا يجد السّعادة التامّة والرّاحة الكاملة، ويصبح العطاء جنّته وأنسه، حتى تكون سعادته بما أعطى أكبر من سعادته بما أمسك، لأنّه يدرك أنّ ماله الحقيقيّ هو ما قدّم، ويعلم أنّ عطيته ستسبقه إلى الآخرة لتكون أجرا زهيدا لقصور وبساتين ونعيم لا يدركه الخيال ولا يخطر على بال، في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: “أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟” قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: “فإنّ مالَه ما قَدم، ومالَ وارثه ما أخَّر” (رواه البخاري)، ولهذا كان الصّالحون من عباد الله الذين بلغوا هذه المرتبة يجمّلون صدقاتهم ويعطّرون ما يصلح تعطيره منها ويرحّبون بالمحتاج ويبشّون له لكأنّهم هم المحتاجون إلى إحسانه، وكان قائلهم يقول: “مرحبا بمن يحمل عنّا زادنا إلى الآخرة”.

لأجل هذا؛ احرص أخي المؤمن على الخير والعطاء بمالك ولسانك وابتسامتك، وعينُك على ما عند الله من فضل؛ فأنت لا تدري ربّما يُكتب لك فلاحُ الدّنيا ونجاح الآخرة بكلمات حانية تقولها لشيخ كبير تعاظم لديه الإحساس بأنّه أصبح منبوذا ولم تعد له فائدة في هذه الدنيا، أو كلمات مواساة تقولها لمريض بدأ اليأس يتسلّل إلى قلبه ويشعر بأنّ المرض عقوبة من خالقه الذي ما سلّط عليه البلاء إلا ليعذّبه! أو صدقة تضعها في يد فقير خرج من بيته هائما على وجهه حتى لا يسمع حسرات زوجته وأبنائه.. أو مبلغ من المال تضعه في يد أرملة أنهكتها الهموم لأنّها لا تجد ما تسدّ به حاجيات فراخ أيتام في حجرها.. أو مبلغ تعين به مريضا أرهقته مراجعات الأطبّاء ومخابر التحاليل.. افعل الخير وتصدّق وأحسن، واجتهد لتصل إلى مقام يصبح العطاء جزءًا من حياتك لا ينفكّ عنك، واستحضر دائما وأبدا قول الله تعالى: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون))، وقول النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولَأَن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا، ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى تتهيّأ له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإنّ سوء الخلق ليُفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل”.

ثمّ تأمّل حال حبيبك وقدوتك المصطفى عليه الصّلاة والسّلام مع العطاء، واسع لأن تقتدي بشيء من أحواله ما استطعت إلى ذلك سبيلا: يقول ابن القيم رحمه الله: “كان -صلى اللَّه عليه وسلم- أعظمَ الناس صدقةً بما ملكت يدُه، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه للهِ تعالى ولا يستقِلُّه، وكان لا يسأله أحدٌ شيئاً عنده إلا أعطاه قليلاً كان أو كثيراً، وكان عطاؤه عطاء مَنْ لا يخاف الفقر، وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شيءٍ إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذِ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه. وكان ينوّع في أصناف عطائه وصدقته، فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمنَ والسلعة جميعاً كما فعل ببعير جابر، وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطُّفاً وتنوُّعاً في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيُخْرِجُ ما عنده، ويأمُرُ بالصدقة ويحضُّ عليها ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان مَنْ خالطَه وصحِبَه ورأى هديَه لا يملك نفسه من السماحة والندى، وكان هديه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعو إلى الإحسان والصدقةِ والمعروفِ، ولذلك كان -صلى اللَّه عليه وسلم- أشرحَ الناس صدراً، وأطيبَهم نفساً، وأنعَمهم قلباً، فإنّ للصدقة وفعلِ المعروفِ تأثيراً عجيباً في شرح الصدر” (زاد المعاد).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!