متلازمة الهجرة والفتح
لا شك في أن الأسئلة المشتركة التي تتداولها جماعاتٌ بشرية معينة والتي لا تجد لها جوابا شافيا تنبِّئ المتلقي لها عن ثقافات تدلُّ على ذهنيات مختلفة. ولا ضير في أن يتخذها عالم الاجتماع مؤشرا يضاف إلى مؤشرات أخر على طبيعة هذا المجتمع أو ذاك، شريطة أن نسبر أغوار هذه الأدلة جيدا والتي تبدو في أحيان كثيرة مستغلَقة، من قبيل النظرة إلى المجاور، والتعلق بالرحيل، والتوجُّس من الغريب.
أسئلة الخوف والقلق والبحث عن الخلاص، ولو هلك أصحابها في مغامرات غير محسوبة العواقب، تتنوع في مجتمعاتنا المسلمة، وأسئلة البناء والإبداع والتطلع إلى غد أفضل وكذلك الفضول الساذج، أسئلةٌ نلاحظها في المجتمعات غير المسلمة والتي تبدو كأنها نمط تفكير واع، أو نموذجا لـ”التحضر”، النموذج الأوحد الذي سيطر في حقبة ما بعد الاستعمار طبعا.
إنني لما أتأمَّل ظاهرة “الحرقة” نحو الغرب، وأستحضر كل ما يصاحبها من هوان، وأرى فيضها المتدفِّق بلا انقطاع أتوقف بجدّ عن جَلد قومي، ويحهم لمَ يفعلون هذا بأنفسهم وبنا؟! وتحضرني في الوقت نفسه سطوة القدر الذي يدفع بالأمور في هذا الاتجاه، وكأنه يقول “وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا، وكنا نحن الوارثين”. إن شعبنا يطمح للرفاهية لا حبا في الدنيا كدار بقاء على الطريقة الغربية، بل نوعا من التوسعة في أرض شاسعة الأرجاء. ولقد لـمَح العلّامة الإبراهيمي ذلك في شعبنا ولم يُنكره، في آخر ما كتب رحمه الله.
بيد أنني أقرأ هذه المعطيات الثقافية بطريقة مختلفة نوعا ما عما يقرأه هؤلاء، الذين تنوّعت تجاربهم الحياتية كغيرهم ممن هاجر وتنقَّل وخالط وقرأ؛ فأرى أن أسئلة المسلمين أصح وعيًا من أسئلة الغربيين، الذين يجمعهم الضلال وتنوِّعهم الإيديولوجية. أسئلةُ المسلم تدل على وعيه بحياة فضلى يقرأ عنها كل يوم في كتاب الله تعالى المنزَّل، أسئلة توحي إلى حق افتقده صاحبه أو حق سُلب منه. الأمة الممتدة طولا وعرضا تمنح الماليزي الطمأنينة والأمان، والوطن بالنسبة له ولأخيه العربي سجنٌ ضاق عن الأماني، والهجرة كيفما كانت تعني لمن يريدها حريةً لا يشك أبدا فاعلُها بأنها لن تضيِّع عليه دينه.
وبما أن أبواب الخروج إلى عالم أرحب من هذه الأوطان أبوابٌ مؤصدة بإحكام، فلا معنى للوقوف على مشروعية أسئلة من يسأل عن سُبل الهرب إلى ديار النصارى المهينة. الآخرون لديهم طول أمل في الحياة الدنيا، لذلك تراهم يسابقون الزمن كيما يعيشوا يوما آخر أفضل من يومهم الذي هم فيه. ولقد قضى هؤلاء “المتحضِّرون” ردحا من الزمن في التعرُّف على المختلفين ولم يستطيعوا أن ينفُذوا إلى جوهر الحياة التي نعتقد بها ونحياها، وانقضت أعمارهم بين ملهاتين مُضيِّعتين، وفي النهاية، خرج أكثرهم من الدنيا وهم بالله ورسوله كافرون!
علمُ الاجتماع مجالٌ معرفي قائم بذاته، ولكن المدرسة الغربية فيه مسيطرة عليه، والإسلامية متأخرة عنه ولكنها أصدق إنباءً منه. والسير في ركاب الغربية غير آمن، وقد يؤدي إلى نتائج خاطئة. ومثل ذلك ظاهرة الهجرة غير النظامية؛ فالغربي لا يقرأ فيها ما يقرأه الإسلامي؛ فهي من جانب تدل على اليأس ومن جانب آخر هي بلاء حل بأوربا جراء ما اقترفته من ظلم وآثام.
لذلك فإن محاولة فهم ظاهرة “الحرقة” أو أي ظاهرة شاذة في مجتمعاتنا المسلمة بالمفاهيم الاجتماعية الغربية ومن ثم البحث لها عن علاج، لا يعدو كونها قراءة في الشكل لا تغوص إلى عمق الحقائق الكونية التي اختصَّنا بها الخالق سبحانه. أعني بذلك أن لله تعالى قوانينَ فوقية تفعل فعلها في المجتمع ما لا تفعله القوانين الأرضية، يجريها مدبِّر الأمور بين الحين والآخر بين الناس لحكمةٍ بالغة.
ولهذا تجد المسلمَ في الغرب وإن كان ضعيفا في التزامه لكنه ليس مستعدا ليتنازل عن دينه أبدا. والحد الأدنى من الإيمان كاف وحده لتُفتح القلاع من الداخل. والعجيب أن يثني المصطفى صلى الله عليه وسلم في بشارته بفتح القسطنطينية ورومية على الجيش الفاتح لمدينة هرقل ويسكت عمن سيفتح رومية، وفي سكوته دلالاتٌ وإشارات.
ثم إنني لا أرى بأن العلم والقوة وامتلاك الأدوات الحضارية شرطٌ للفتح، لقد فُتحت بلاد الشام والعراق وربعي بن عامر لا يزال بدويًّا يستحقر أبَّهة الملوك، فمن أعطاه تلك السلطة ليغيِّر العالم؟
نعم، ولا عجب من أمر الله؛ ولهذا قال الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند لما رأى تحوُّلاتٍ لحقت مجتمعه في العمق لم يعهدها من قبل: “إن وجه فرنسا يتغيَّر”. وفي القرآن الكريم قصَصٌ كثير من هذا القبيل: “كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظَرين”.
إن ضمير الأمة كحبّات القمح المخزَّنة في المطامير لسنوات وسنوات، وأطيب ذلك الحب ما التصق به الثرى وادّخره الطاعمون لموائدهم العامرة. الغرب يبيعنا “الهامبرغر” ودجاج “كنتاكي” اللذيذ، والذي يفتك بصحة الطاعمين في العالم بأسره. نضرب هذا مثلا عن دراسة الفلسفة اليونانية من قبل علماء المسلمين، والذي كان في سياق البحث عن الحقيقة ونقد الآخر، ولقد تخيَّروا لأمتهم من أولئك أرسطو ومنطقه، وعدَّ بعضُهم الرجل نبيا أو أنه أخذ مقالاته عن نبي، ولم يأخذوا بالمدينة الفاضلة لأفلاطون، فحينما يكون الاختلاف في النظر لما نزل من أمور في عصر معقد كهذا قائما في إطار مدرسي، يتجاوز الفرد ولو أوتي حظا من علم، فتلكم نعمة كبرى؛ لأن الاجتماع يعصم الأمة من الضلال.
توصيفُ الهجرة غير النظامية بأنها “إلقاءٌ بالنفس في البحر” هو توصيفٌ موهم، وكأن من سافر على قارب مكتظ قد ألقى بنفسه في اليمّ، والواقع أنه هاجر في ظروف خطرة قد تودي به إلى الهلاك، وهنا الحرجُ الشرعي من هذا الفعل، وحرجٌ آخر مردُّه إلى مبررات الهجرة بهذه الطريقة إلى ديار الكفر. ولكن الخلاف حول هذه الحيثية يُطوى حينما نلاحظ هذه الهجرات تترى، والقبول بها من قِبل الآخر يزداد، بغضِّ النظر عن الدوافع. والأهم من ذلك كله كيف لهذه الظاهرة “المرَضية” أن تبدِّل وجه الغرب ليصبح مسلما إسلاما فطريا لا ينكره من يراه؟
إن ألمانيا على وشك أن تلج نادي الدول الإسلامية، والغربيون في تناقص مستمرّ، حتى في أقصى الشرق اليابان مهدَّدة بالانقراض، ألا يستدعي ذلك كله قراءة قدرية تتجاوز الحسابات السيسيولوجية؟ وبالمناسبة، فإن من نظر طويلا إلى نهضة الأمة ممن عمل بتوجيه النظريات السيسيولوجية وبالغ، انتهى به المطاف إلى البوار، والجماعات الإسلامية التي عوَّلت على الوعي الحركي استهلكت مخزونها الحضاري ولم يعُد لديها ما تقدِّمه، ولعل سببَ ذلك أن هذه الحركات فقدت الصلة بنبض الأمة والتحمت بأيديولوجيات الغرب حتى أفلست.
علمُ الاجتماع مجالٌ معرفي قائم بذاته، ولكن المدرسة الغربية فيه مسيطرة عليه، والإسلامية متأخرة عنه ولكنها أصدق إنباءً منه. والسير في ركاب الغربية غير آمن، وقد يؤدي إلى نتائج خاطئة. ومثل ذلك ظاهرة الهجرة غير النظامية؛ فالغربي لا يقرأ فيها ما يقرأه الإسلامي؛ فهي من جانب تدل على اليأس ومن جانب آخر هي بلاء حل بأوربا جراء ما اقترفته من ظلم وآثام.