مثقف مشاكس، أحبّ التكنولوجيا، بقار حدة والبسطاء
يبدأ عمي الطاهر يومه بشارع رضا حوحو، بمطالعة الجرائد اليومية واستقبال ضيوفه ودعوتهم إلى ارتشاف أكواب الشاي والقهوة والنقاش في مختلف القضايا الثقافية، بدون مواعيد ولا بروتوكولات المثقفين الكبار، يستقبلك عمي الطاهر بديناميكية شيخ في السبعين بابتسامة عريضة قد تنتهي إلى قهقهة عالية وهو يمسك بعكازه الخشبي يعدل من جلسته أو يسوي وضع البيري الذي يرتديه علامة مميزة عن اتجاه عاش دائما ينبض في عمق عمي الطاهر.
وهو المتحفظ أحيانا، شرس في أحيان أخرى لكنه دائما يعرف متى وكيف يتحدث ليترك خلفه أينما مرّ عاصفة من الإعجاب وأخرى من الانتقادات الحادة، قد تتفق معه بعض الشيء وقد تختلف معه كثيرا لكنك مجبر دوما على احترامه ليس فقط لأنه أب الرواية الجزائرية لكنه رجل ظل عصيا على التصنيف يحترمه من هم في السلطة ويخافه من هم خارجها هو باختصار رجل من زمن “النيف والرجلة” الجزائرية مولع بالتكنولوجيا العصرية حتى النخاع كارها لأمريكا معتز بالبربري الذي يسكنه. هو هكذا فقط لا تتعب نفسك في تصنيفه لأنه لا يشبه إلا نفسه… هذه الكلمات كتبتها منذ خمس سنوات غداة رحيل عمي الطاهر رحمه الله وبقيت صالحة حتى بعد مرور خمس سنوات عن رحيل صاحب “الزلزال“، “الشمعة” و“الدهاليز” الذي منذ أن غاب ترك خلفه الساحة خالية.
عاش ومات وفيا لخياراته افتخر دوما بأنه الشيوعي ونصير قضايا البسطاء منذ انخراطه في الثورة التحريرية التي أجبرته عام 1956 على التخلي عن دراسته والالتحاق بالواجب الوطني من أجل استقلال الجزائر، معتز بانتمائه إلى الأوراس وارتباطه بقرية مداوروش أين رأى النور لأول مرة مناضل عنيد، مثقف مشاكس لا يجامل ولا يخاف الجهر بآرائه في أشد الأوقات إحراجا حتى عندما أعلن تعاطفه مع الإسلاميين الذين رأى أنه من حقهم التواجد في الساحة.
رفض أن يسلم بفشل الاشتراكية كاتجاه أو كفكرة وآمن دائما لحد لا رجعة فيه بأن الاشتراكيين قدموا ما في وسعهم وحاولوا كما حاول الإسلاميون من بعدهم وإن كان عمي الطاهر اعترف ببعض مآخذ الاشتراكيين لكن في المقابل رفض دائما أن يحملهم لوحدهم مسؤولية كل الفشل الذي حدث في الجزائر.
ارتبط اسم الطاهر وطار بالرواية في الجزائر كما ارتبط بالرواية الواقعية في الوطن العربي وقد وصل صيته إلى العديد من الدول التي ترجمته، بقي حتى آخر حياته وفيا للمناضل الشعبي والبسيط الذي اختار أن يكون، ظلّ دائما يفتخر أنه ذلك الطفل الذي كان بالاوراس لا يعرف شكل القلم ويعجز عن ركوب الدابة ليصير من أبرز كتاب الرواية في الجزائر والعالم العربي ويجالس المشاهير والزعماء ويطوف بنصف دول العالم. رحل وفي جعبته ما يزيد عن خمسة عشر كتابا بين رواية وقصة ومسرحية أهمها “الموت والعشق في الزمن الحراشي“، “عرس بغل“، “الحوات والقصر“، “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” وغيرها من الروايات التي أرخت لجزائر السبعينات و“الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي” و“الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء” التي وأكبت الجزائر بعد زلزال أكتوبر لذلك لا يجد حرجا في اعتبار نفسه كاتبا سياسيا فيه نضج وحنكة المناضل الذي خبر الميدان وفيه رهافة المبدع والفنان المستوعب لأدوات محيطه فكان كما يقول عن نفسه “طرفا ثالثا في المعادلة معارضا من داخل السلطة فكان هو المعارضة تارة وهو السلطة تارة أخرى، فلا السلطة قبلت به ولا المعارضة استوعبته“. في شخص الطاهر وطار تتجسد طباع الجزائري البربري العنيد المعتد برأيه أو كما يقول هو عن نفسه “طريق الشاوي بين عينيه“. هذا المزاج الشاوي ظل يرافق عمه الطاهر طوال حياته حتى في أذواقه الموسيقية، حيث ظل وفيا لصوت بقار حدة والنغمة الشاوية، كما بقي مولعا بالنكتة التي يتعاطاها وسط أصدقائه وزوار الجاحظية يوم كانت مكانا ثقافيا.