-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مثقفون.. وتشتيت الأمة

صالح عوض
  • 3203
  • 0
مثقفون.. وتشتيت الأمة
ح. م

بين الثقافة والمسؤولية مسافة.. فمن يضيقها؟ لأسباب عديدة تحوّل المثقفون العرب بشتى مشاربهم إلى وضعية محالة على الآخر، إما ماض سحيق أو واقع آخر لناس آخرين.. فهم على الحالين يواجهون مشكلات ليست مشكلات أوطانهم بشكل مباشر.. والمثقفون وفيهم المفكرون والعلماء والمجتهدون، انقسموا إلى أصناف، فمنهم من انشغل بموروث الماضي تقديسا وتبجيلا ورفعه إلى مستوى المرجعية ومنهم من انشغل بنقد التراث وتفصيله وعرضه على نظريات النقد على اعتبار أن تخلفنا اليوم تمتد جذوره إلى ذلك التراث، ومنهم من انزاح من هذه المسألة إلى عالم آخر حيث نهضة الغرب وسنن تقدمها، فأدخل المعركة الثقافية أبوابا تعسفية اضطرته إلى الاحتكام إلى مرجعيات لا علاقة لواقعنا بها.. وفي كل تيار من تلك التيارات الثقافية فروع وأصناف وفي كل فرع معتدل ومتطرف ومتهاون، فنرى بالجملة أننا إزاء حالة ثقافية مستقيلة من الواقع تاركة المجال واسعا للمثرثرين والانتهازيين من السياسيين وسماسرة الثقافة.

نرى أن بعض المثقفين المهمومين يقضي وقتا طويلا في مناقشة أمور تاريخية لتبيان وجه الحق كما يعتقد.. أن لهذا قيمة علمية بلا شك لكنها من باب المعرفة والعلم الخاص الذي عليه أن يكون في دائرة التمحيص العلمي وأن لا يكون في دائرة الفوضى والإثارة بإلقائه في أوساط العامة..هؤلاء لا يعرفون أن مشكلتنا اليوم هي في مواجهة الفقر والبطالة والتخلف والتبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، مشكلتنا اليوم كيف نواجه العلاقات الدولية اليوم وكيف نحافظ على وجودنا في التهيئة للقيام بدورنا العالمي، مشكلتنا اليوم ليست في الفروع مهما كبرت، مشكلتنا اليوم في أصل الحياة والوجود الإنساني..فكما كان العلماء في الماضي وهم جزء من مثقفي الأمة منهمكين في الإحاطة بمشكلات زمانهم وقدموا فيها آراءهم واجتهاداتهم لحل إشكاليات واقعهم، فعلى مثقفينا اليوم بأنواعهم الانهماك في الإجابة على تحديات زماننا.

والمتحاملين على التراث المنشغلين في تتبع سوءاته وأسباب التخلف الكامنة فيه وأولئك المقدسين للتراث على علاته في دائرة واحدة خارج سياق الزمان والمكان.. فإن كان هذا يجرنا جرا للتيبس في التراث فإن الصنف الآخر يجرنا جرا للانهماك في المعركة والرد على التراث فنسقط في كمين الاستغفال والانشغال فتضيع مهمتنا الحقيقية.. وهناك صنف ثالث يتحرك بروح انتقائية يلتقط صورة من هنا ومشهد من هناك، يقدّم لنا ما يزوّد فكرته بدعاية لنموذج مثالي حول التراث..

لو رجعنا لعصر أئمة الفقه وفلاسفة الإسلام وعلماء الكلام وعلماء الأدب والاجتماع والرياضيات والموسيقى، نرى أن علوم هؤلاء الأئمة الأفذاذ هي التي شكلت ثقافة ذلك العصر وكان انكباب الأمة على مجالسهم وكتبهم إنما ليفتوهم في كل شؤون حياتهم، فكانت ثقافة المجتمع تخدم تطوّره وترفع من شأن عناصر حياته..

ومن هنا تصبح إثارة قضايا المجتمع والأمة لتفسيرها وشرحها بمنهجية علمية تستند إلى أدوات العلم متحررين من ضغوط التراث وشكلياته ومتحللين من شرط إجابات العلماء والمفكرين السابقين، ذلك لأننا جديرون بأن نقوم بتوضيح مشكلاتنا القائمة وتقديم الإجابات العلمية عليها.. وهذا سينتج لنا إرثا عظيما من الكتابات والتسجيلات والمبثوث على الفضائيات حجم ضخم من الكتابات والثقافة التي تصبح مادة حديث الناس ودائرة أخذهم وعطائهم.

السبيل للخروج من الدوامة هو أن نكسر شروطها وأن نرتفع إلى مستوى القرآن الكريم الذي يسره الله للذكر وناشدنا أن نذكر..مع ما يصدق من حديث رسول الله رواية ومتنا مفسرا للقرآن الكريم ومبيّنا بعض المسائل.. هنا يصبح كل ما ننتجه إرثا إنسانيا حقيقا يمتلك القدرة والوجاهة في تغيير الحياة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!