مجرد جهاز هضمي؟
المسؤولون في الجزائر، وعلى مر الأجيال والعصور لا يتحدثون عن الشعب الجزائري إلا كمجموعة من المستهلكين والأكولين مثل الجراد، وليس فيه من الأعضاء والأجهزة إلا الجهاز الهضمي من الإدخال إلى الإخراج، يشتد هذا الحديث ويحتد كلما حلت مناسبة من المناسبات أو موسم من المواسم وما أكثرها، إذ بين كل مناسبة ومناسبة أو بين كل موسم وموسم ..موسم آخر.
- فإذا حل موسم البطاطا قيل أن الشعب الجزائري هو أول مستهلك لهذه الحبة في العالم، وإذا حل موسم جني التمور قيل أنه أول مستهلك لهذه الثمرة، وإذا حل موسم الحصاد قيل أنه أول مستهلك للقمح في العالم، وقس على هذا الشعير والخرطال والبرسيم والطماطم والثوم الذي وصل سعر الكيلو منه هذه الأيام إلى 600 دج، ومع اقتراب شهر رمضان المعظم بدأ حديث المسؤولين عن أن هذا الشعب هو أكبر مستهلك للحوم في العالم، ولذلك فاهتمامهم بتوفير هذه المادة العزيزة على الشعب لم يعد يتوقف عند الاستيراد من البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وأوروبا، ولكن امتد إلى بلاد الهند والسند، ووصل حب هؤلاء المسؤولين لشعبهم إلى درجة أنهم قرروا توفير اللحم له خلال رمضان بـ400 دج للكيلوغرام حتى يأكلَ هنيئا مريئا.
- ولكن فوق هذا الحب والتبجيل والإكرام، هناك أسئلة لابد أن تطرح.. فإذا كان الشعب الجزائري فعلا عبارة عن مجرد جهاز هضمي دون روح أو مخ للتفكير كما أراد له مسؤولوه أن يكون، فكيف يعقل أن يأكل اللحم القادم من الهند بـ400 دج للكيلو، وهو حاليا لا يأكل اللحم الوارد من البرازيل والأرجنتين بأقل من 550 دج، وهل من المنطق أن تخفض المافيا باستيراد لحوم الهند من أرباحها الفاحشة التي تعودت على جنيها من تجارة بقايا هياكل الأبقار الهرمة، هل وصلت الرحمة بهذه المافيا إلى هذا الحد؟ ولو كان هذا الاستيراد قد تم من السودان الذي يقع مرمى صيحة عجل منا، لكان تكرم المسؤولين وكلامهم مقبولا ولو افتراضا، ولكن هذا المشروع وقع للشعب فيه ما وقع له مع مافيا النقل الحضري التي رفعت سعر التذكرة وضربت تهديدات الوزير التو عرض الحائط، مما جعله يتراجع ويطالب في المقابل بتحسين ظروف هذا النقل لإنقاذ ماء وجهه، ويحدث هذا بعد أن أصبحت المافيا الصغيرة في هذا المجال مافيا كبيرة واستولى ناقل أو اثنان على النقل الحضري والجامعي ومكن نفسه من وسائل الضغط، لأن له جذورا وخيوطا مع المسؤولين الذين يحبون الشعب، وذلك ما سيحدث مع اللحم بطبيعة الحال، حيث سيتحول الحرص على انخفاض الأسعار إلى حرص على النظافة ومراعاة جمال العرض في الواجهات، لأنه لا يعقل أن يباع اللحم الوارد من الهند بأقل ما يباع اللحم الوارد من أمريكا اللاتينية، أما الشعب فسيملأ جهازه الهضمي إن استطاع إلى ذلك سبيلا، أو يسكت سكوتا مطبقا، لأنه لن يتذكر وعود مسؤوليه أو يطالبهم بالوفاء بها وبيع اللحم بـ400 دج، ليس لأنه شعب قصير الذاكرة ولكن لأنه لا يملك ذاكرة أصلا، لأنه مجرد جهاز هضمي كما يعتبره مسؤولوه !