-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محرقة غار ابن شطوح.. الجريمة المنسية!

الشروق أونلاين
  • 4924
  • 0
محرقة غار ابن شطوح.. الجريمة المنسية!

اغتنم هذه المساحة عبر “الشروق” لأعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم المشؤوم في 23 مارس 1959 أي بعد ثمانية وخمسين سنة خلت لاسترجاع مأساة محرقة غار ابن شطوح بدوار أولاد فاطمة بلدية تاكسلانت ولاية باتنة، عندما أقدمت الهمجية الاستعمارية على إبادة جماعية لعرش أولاد فاطمة في مجزرة ومحرقة لـ 118 مواطن مدني بالغازات السامة والنابالم لتبقى من الجرائم التي سيظل الشعب الجزائري يتذكرها ويطالب فرنسا “الحضارية” بالاعتذار عنها وعن غيرها من جرائمها في حق الجزائر وشعبها.

كان عمري 09 سنوات وكان غار ابن شطوح غير بعيد عن أكواخنا في دشرة “ترشيوين” وغير بعيد عن جبل الرفاعة معقل الثوار ومسرح العشرات إذا لم نقل المئات من المعارك التي كان العدو في كل مرة يتكبد فيها خسائر فادحة وكنا نشاهد كيف تحط طائرات الهيلوكبتر لإخلاء الموتى والجرحى بأعداد كبيرة عقب كل معركة.

في ذل اليوم وفي الصباح الباكر حلقت مروحيات خفيفة كان الأهالي يطلق عليها “الكشافات” وكان ذلك إيذانا بزحف قوات العدو نحو جبل الرفاعة قادمة من نقاوس ومروانة وباتنة سواء عن طريق شاحنات نقل الجنود أو بإنزال جوي، وكالعادة هرع الرجال والشبان المدنيون العزل دون استثناء للاحتماء والاختفاء في مغارة عميقة تحت الجبال الصخرية في واد سحيق كان يسمى غار ابن شطوح، هذه المغارة كانت مكانا آمنا اتخذته قيادة الثورة بالمنطقة ورشة لخياطة الألبسة وصناعة الأحذية للمجاهدين، ولسعته وعمقه كان الأهالي يتخذونه ملجأ عند كل عملية تمشيط للجيش الاستعماري.

مع طلوع النهار بدأت الطلائع الأولى من قوات العدو تتوغل في مناطق بديدس والرفاعة عبر إنزال جوي ضخم مدعمة بمدفعية الميدان المتمركزة في المكان المسمى “الشبحات” كنا كأطفال صغار رفقة النساء قد اجتمعنا كالعادة في مكان واحد للتآزر والتكاتف بمنع الجنود الهمجيين من الاختلاء بالنساء والاعتداء عليهن، وكنا نسمع من حين لآخر تبادلا لإطلاق النار بين المجاهدين وجنود العدو في جبل الرفاعة ونشاهد أنواع الطائرات المقنبلة تروح وتعدو وهي ترمي بحممها في مسرح الاشتباكات.

المعركة لم تطل وفي الفترة المسائية تحركت جحافل العدو للانسحاب في اتجاه مواقع تمركز حافلات الجنود في المكان المسمى “الشيحات” نحو مدينة نقاوس.

وعلى غير العادة سلك العدو مسلكا غير مألوف في وادي ترشيوين حيث أن غار ابن شطوح كان يتواجد في الممر الذي سلكه جنود العدو، كانت النسوة وبعض الشيوخ الطاعنين في السن في حالة فزع وترقب خوفا من اكتشاف المخبأ وحدوث الكارثة، وهو ما حدث فعلا.

يروي الناجون من المحرقة وهم نحو 27 مدنيا منهم من مازال على قيد الحياة بما فيهم شقيقي الأكبر عبد الله وكان عمره آنذاك 17 سنة أن أحد الرماة المعتصمين في الغار قام بإطلاق النار على أحد الجنود فأرداه قتيلا.

حاصرت قوات العدو الغار واكتشفت فوهة فتحته وشرعت في رمي القنابل اليدوية طوال الليل وفي الصباح الباكر تم إنزال أعداد إضافية من الجنود ثم شرعت المقنبلات في قنبلة الموقع ولكنه كان في مكان يصعب للطيران أن يصيبه لأنه يقع كما أسلف في وادي سحيق وتحت جبال صخرية عالية.

أرسل العدو مبعوثين من الحركى لمخاطبة المعتصمين داخل الكهف ودعوتهم للخروج والاستسلام، لكن دون جدوى وعندئذ كثف العدو قصفه للغار باستعمال القنابل الغازية بما في ذلك النابالم.

يقول شقيقي عبد الله: “كانت الغازات السامة قد بدأت تؤثر على المعتصمين في الكهف، كنا نختنق وكانت جموع الأهالي مكدسة بين من احترق ومن اختنق ومن يتخبط في لحظاته الأخيرة والعدو لم يتوقف عن القصف بالغازات وقنابل النابالم، وأمام ذلك حاول البعض ممن يتواجدون في الجزء الأمامي من الغار النجاة بالخروج وتسليم نفسهم، حيث لم يتمكن سوى 27 مدنيا من مغادرة المغارة واستشهد الباقي بمجموع 118 شهيد بما فيهم اثنان من الذين خرجوا من الغار ومع ذلك تم إعدامهما في عين المكان.

وبتأكد العدو بأنه لم يبق أحياء داخل المغارة غادر المنطقة في اليوم الثاني، ليستيقظ عرش أولاد فاطمة والبعاعسة على فاجعة الإبادة الجماعية للرجال والشباب، كنت صغيرا ومما أتذكره جيدا ذلك العويل والنواح في كل الدشرة وفي كل دار حيث أنه لم تسلم عائلة إلا وفقدت أحد أفرادها أو أكثر.

وللتاريخ فقد ظل الشهداء داخل الغار إلى غاية 1962 حيث تم إخراجهم ودفنهم في مقبرة الشهداء في قرية أولاد حمود وكنت حاضرا آنذاك، مع التذكير أن عددا منهم لم يتم إخراجهم إلا في سنة 1974 من طرف الجيش الوطني الشعبي باستعمال المتفجرات حيث أغلقت الصخور المنفذ الخلفي للغار وكانت من بينهم إحدى قريباتي الشهيدة فريك الزهرة رحمها الله.

هذه واحدة من الجرائم الاستعمارية الفرنسية في بلادي وهي الورقة للذكرى والتذكير بأن هذه المجزرة للأسف تكاد تكون مجهولة أو منسية وكأنها تاريخيا لا حدث، وحتى المسلك المؤدي إلى موقع الجريمة غير مهيأ ومن الصعوبة الوصول إليه على الأقل بالنسبة للمؤرخ والطالب وجيل الاستقلال للوقوف على حقيقة الجرائم الاستعمارية في الجزائر.

لقد كلمت السيد وزير المجاهدين صدفة في الموضوع وأتمنى أن يولي التفاتة لذلك بصرف النظر عن عديد الناجين الذين مازالوا على قيد الحياة وآثار النابالم والغازات السامة ظاهرة بارزة عليهم جسميا وعقليا ونفسيا دون أي اعتبار أو اعتراف أو مساعدة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!