-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“محمد “… الاسم الذي حُرِّف ليُحكم به علينا

بقلم: لعلى بشطولة
  • 1533
  • 0
“محمد “… الاسم الذي حُرِّف ليُحكم به علينا

المقدّمة — جرحٌ لا ينزف… ولكنه لا يندمل

ليست كلّ الجراح تُرى بالعين، فبعضها يُزرع في اللسان.

وحين يشوّه الإنسان الكلمة، فإنه يشوّه الذاكرة.

وقبل أيّام، نشرت إحدى المجلات الفرنسية البارزة مادة بعنوان:

“بين الأسطورة والحقيقة، التاريخ الحقيقي لماحومت”.

في عام 2025، ما زال الخطاب الفرنسي يتحدث عن نبيّ الإسلام باسمٍ مشوَّهٍ وملوَّثٍ وملتصقٍ بركام العصور المظلمة.

اسمٌ وُلد من رحم الجهل، وتربّى في أحضان الغرور، وما زال يُلفَظ اليوم على صفحاتٍ تتزيّن بادعاء الثقافة، وهي تجهل أبجديات الاحترام.

من محمد إلى “ماحومت”… تاريخُ الكلمة المريضة

اسمُ نبيّ الإسلام هو محمد — الممدوح، المحمود، الذي يُحبّ الناس ذكره كما يُحبّون النور.

لكن أوروبا، قبل أن تفهم، قرّرت أن تشوّه.

ففي القرون الوسطى، حين لم يكن اللاتينيّون يعرفون العربية ولا القرآن، حوّلوا الاسم الشريف إلى  Mahomet، بل أحياناً إلى Mahound  أو  Bafomet، أي إلى اسمٍ شيطانيٍّ في الأساطير المسيحية القديمة.

وفي “أنشودة رولان”، صُوّر محمد على أنه صنمٌ حجريٌّ يُعبده “السراسنة” — كما كانوا يسمّون العرب والمسلمين — رمزاً للوثنية والعداوة.

وهكذا، صار التحريف وسيلة حربٍ ثقافية لا لفظاً بريئاً.

تحريفٌ لغويٌّ حمل في جوفه عقيدةً كاملة: أن الإسلام خطأ، وأن نبيّه أسطورة.

ومنذ ذلك اليوم، تحوّل الاسم المشوَّه إلى عادةٍ لسانيةٍ في أوروبا، تسلّل إلى المعاجم ثم إلى الأقلام، حتى صار جهلاً رسميّاً مغلفاً بثقافة.

العلم حين يصبح أداةَ استعلاء

في باريس اليوم، لا يزال الخطاب ذاته يتكرّر ولكن ببدلةٍ أنيقة.

يتحدثون عن “المنهج العلمي” و”التحليل النقدي”، ولكن بعيونٍ لا ترى إلا من الأعلى.

هم لا يدرسون الإسلام حبّاً في المعرفة، بل حرصاً على السيطرة.

لا يقرأون الوحي، بل يفتشون فيه عن “الأسطورة”.

ولا ينطقون الاسم “محمد” إلا مكسوراً، لأنهم يظنون أن احترامه يُلزمهم بالاعتراف بصدقه.

إنها الحداثة بوجهها الاستعماري الجديد:

لم تعد تسعى إلى احتلال الأرض، بل إلى احتلال الرواية.

تُصادر الكلمة، وتعيد تعريفها، ثم تُسمّي ذلك “بحثاً علمياً”.

غطرسةٌ لغويةٌ تُخفي عقدةً حضارية

اللغة الفرنسية تحبّ أن تُعلّم الآخرين كيف ينطقون أسماءهم.

هي لا تسأل بل تُملِي.

تكتب “يسوع” و”موسى” و”بوذا” بأسمائهم الصحيحة، ثم تصرّ على أن تقول “ماحومت”.

لماذا؟ لأنّ الاعتراف بالاسم الصحيح يعني الاعتراف بالمكانة.

ولأنّ قول “محمد” بصدقٍ واحترامٍ هو، في اللاوعي الغربي، نوعٌ من الهزيمة الرمزية.

إنّ هذا الإصرار على التحريف ليس لغوياً، بل فكريٌّ وسياسيّ.

هو طريقة ناعمة لتأكيد الفارق، لتذكير “لآخر” بمكانه الأدنى، لتكرار المقولة القديمة: أنتم موضوعنا… ولسنا موضوعكم”.

الصحافة التي تكتب بالابتسامة وتحتقر بالعناوين

ما يميّز هذه المجلات، أنها تُجيد فنّ الإهانة المهذّبة.

تكتب بعباراتٍ منمّقة، وتبدو من الخارج “منفتحة” و”محايدة”، لكنها في العمق لا ترى في الإسلام سوى مادةٍ ثقافيةٍ للتسلية الفكرية.

كل مقالٍ عن “الإسلام” يبدأ بالنية الأكاديمية وينتهي بالنغمة ذاتها:

الانبهار الممزوج بالاحتقار، والفضول الذي يخفي خوفاً موروثاً.

إنهم لا يهاجمون نبيّاً، بل يعيدون تدوير الصورة التي رسمها أجدادهم عنه.

تغيّرت الأقلام، وبقيت النظرة ذاتها: نظرة الاستعلاء المغلّف بالتحليل.

الاستشراق حين يرتدي ربطة عنق

الاستشراق لم يمت، بل تحوّل إلى هيئة تحرير.

لم يعد الرجل الأوروبي يدخل المشرق ببندقية، بل يدخل العقول عبر المقال والبحث والدراسة. ويظنّ أنه حين يقول “Mahomet” بدل “محمد” إنما يمارس “الحرية الأكاديمية.

لكنها ليست حرية، إنها صورةٌ من صور السلطة:

الحق في التسمية، والحق في التحريف، والحق في أن تبقى أنت مادة، وهو المفسّر والمؤول.

إنهم لا ينكرون نبوّة محمد صراحةً، لكنهم ينزعون عنها القداسة بحجة العلم.

يُفرغون الرسالة من معناها الإنساني ليُدرجوها في جدول المقارنات التاريخية، ثم يتباهون بأنهم “موضوعيون”.

لكن الموضوعية التي تُقصي الاحترام هي شكلٌ آخر من أشكال الكراهية.

جرحُ الاسم

يقول أحد العلماء الجزائريين: “ليس من الجهل أن تخطئ في الترجمة، الجهل الحقيقي أن تصرّ على الخطأ بعد أن تعرف أنه خطأ.”

فمنذ قرون، والغرب يعرف أن الاسم الصحيح هو محمد، ومع ذلك يصرّ على ترديد الكلمة المشوَّهة.

وكلما نبّهته إلى ذلك، اتّهمك بالتعصّب.

وهكذا، صار احترام الذات عندنا يُصوَّر على أنه تطرف.

الخاتمة — متى يكتبون “محمد” كما هو؟

يوم يكتب الإعلام الفرنسي كلمة محمد كما ننطقها نحن، سيفتح التاريخ نافذة صغيرة للحوار الحقيقي.

ليس لأن الاسم كلّ شيء، بل لأنه البداية الصحيحة لكلّ شيء.

الاحترام لا يبدأ في القوانين، بل في اللسان.

ومن يشوّه الاسم، يشوّه صاحبه، ومن يشوّه صاحبه، يهدم جسر التفاهم الإنساني.

“إن من يصرّ على نطق الخطأ، لا يطلب الحقيقة، بل يحمي امتيازه”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!