مراجعات ينبغي القيام بها…
كثيرا ما نُصدِّق الحديث عن “أزمات قادمة”، “مؤامرات محبوكة”، “قوة الغرب المتنامية”، ” تطور الصين المذهل”… ولكننا نادرا ما نُصدِّق أن الغرب هو الآخر يعيش أزمات وينتظره ما هو أعظم! وأن الصين تعيش تطورا تكنولوجيا واقتصاديا ولكنها أيضا تعرف صعوبات على المستوى الديمغرافي والثقافي، وأن أوروبا تنهار تدريجيا والكيان الصهيوني ينفجر من الداخل (انظر مقالنا السابق)، وغيرها من الأزمات التي تنتظر الآخر! وكأن هذا الآخر لا ينتظره سوى الانفراج ونحن لا ينتظرنا سوى الضّيق! بل إن الأمر عندما يتعلق بدولنا تُصبح جميع المؤشرات السالبة ذات مصداقية عالية! وكل المؤشرات الإيجابية يطالها التشكيك وإِنْ قَدَّمتها مصادر مُحايدة!
هل الخلل يكمن في غياب العقل المتزن لدينا الذي يوازن بين السلبيات والإيجابيات؟ أم في طبيعة تفكيرنا في هذه المرحلة الذي أصبح يميل عادة إلى سرديات المؤامرة والأزمات القادمة والانهيار القادم؟ أم أن المسألة لها علاقة بتركيبتنا النفسية الشعورية واللاّشعورية، أم بتجربتنا التاريخية المرتبطة بالاستعمار؟ أم بضعف الاتصال لدينا القائم على الإقناع وإسناد النتائج إلى الحقائق الموضوعية القابلة للقياس؟ وهل لا يُعتبر عدم وعينا بهذه المسائل هو المدخل الأول لإبقائنا تحت السيطرة من قبل الآخر الغربي الذي كرَّس لدينا بأنه سيبقى الأفضل والأقوى حتى وإن بان ضعفه وتأكدت هزيمته (انظر مقالنا عن كتاب هزيمة الغرب لإيمانويل تود)؟ ألم نستمر إلى اليوم نصف المنتج الصيني بأنه سيء! بل نَصِف كل ما هو ضعيف بأنه صيني أو نقول عنه: “تايوان” رغم أن الصناعة الصينية تفوقت على الغرب وأصبحت أكبر العلامات الغربية تصنع بالصين! ودولة الصين تُهيمن على السوق الأمريكية وتعتبر ثالث مالك لسندات الخزانة الأمريكية (+688 مليار دولار) وأن تايوان تُهيمن على سوق أشباه الموصلات في العالم وتُنتج 92% من الرقائق الأكثر تطورا في العالم (رقائق 3 نانومتر و5 نانومتر) وتمتلك ما قيمته 309.5 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية! ونحن مازلنا نقول عن منتجاتها: دعك منها إنها “تايوان”!! أوليست هذه مغالطات كبيرة ذات دلالات عميقة علينا مراجعتها؟
بالفعل يبدو اليوم أننا في حاجة إلى القيام بمراجعة فكرية وسياسية للكثير من “المُسَلَّمَات” التي عادة ما تحكم خطابنا.
– مراجعة المسلَّمة الأولى أن الغرب يتآمر علينا وبإمكانه تنفيذ كافة المخططات التي وضعها تجاهنا من دون تردد أو خوف واستبدالها بالثقة في أن هذا الغرب يتحرك وفق مصالحه وبإمكاننا التعامل مع هذه المصالح كمخططات وكاستراتيجيات لا كمؤامرات…
– مراجعة المسلَّمة الثانية التي تقول أن هذا الغرب (الدول الرأسمالية) دائما تتقدم ونحن نتأخر، والثقة في أن الشرق فَرضَ نفسه من خلال قدراته الذاتية وعلينا ألا نقتصر على الصين وتايوان، بل الانتباه إلى موجة التقدم القادم من ماليزيا واندونيسيا وإيران وتركيا ناهيك عما يحدث من طفرات تطور كبيرة في بلدان الخليج مازال بعضنا يعتبرها وهمية وحتى بعض البلدان الافريقية!
– مراجعة المُسلَّمة الثالثة أن الغرب اليوم أقوى مما كان عليه قبل 30 سنة ومن ثَمَّ فهو يملك من الإمكانات أضعاف مما كان يملك قبل30 سنة من الآن، والثقة في أن الغرب نفسه يعترف بتآكله وشيخوخته وباتت أجنحته تتصارع فيما بينها، وأن أمريكا ذاتها (قائدته) باتت تبحث عن القوة من خلال الحمائية والعودة إلى مبدأ مونرو الجديد بصيغة ترامب كما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لسنة 2025 الصادرة نهاية الشهر الماضي بكل ما يعني ذلك من تراجع.
– مُراجعة المُسلَّمة الرابعة أننا لا يُمكن أن نتحول ذات يوم إلى الوحدة والتكامل في مقابل أن التفكك والصراعات الإثنية هي قدرنا المحتوم إنْ اليوم أو غدا، والثقة في أننا يُمكننا العودة إلى مشاريع الوحدة وانجاز اتحادات ثنائية وثلاثية وإقليمية في السنوات القادمة إذا ما توفرت العزيمة والإرادة والوعي إِنْ مع دول الجوار أو مع افريقيا أو آسيا…
وقس على ذلك الكثير من المُسَلّمات التي ينبغي علينا مراجعتها، والتفكير في بدائلها، بدل البقاء ضمن تلك النظرة التبسيطية القائمة على أن مصيرنا مرهون وقدرنا محتوم ومشاريع الآخر ومخططاته نافذة بقدرة قادر ولا تنتظرنا إلا الهزيمة…