-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مسابقة الرياضيات في بلغاريا: التصنيف الحقيقي!

مسابقة الرياضيات في بلغاريا: التصنيف الحقيقي!

لسنا ممن يثبّطون عزائم نخب تلاميذنا وطلبتنا، ولا ممن يقلّلون من شأن إنجازاتهم، بل نرى في تألقهم في المنافسات الوطنية والإقليمية والعالمية مصدر فخر وطني حقيقي ودليلًا على ما تزخر به البلاد من طاقات واعدة.

غير أن التنويه بهذه النخب ينبغي أن يظل في حدود التقدير الموضوعي، وألا يتحوّل إلى مبالغة في الاحتفاء بالنتائج أو تضخيم لحجم الإنجاز. فالإفراط في عرض النتائج، ولا سيما حين تتولاه وسائل إعلام وطنية أو جهات رسمية، يفضي إلى تقديم صورة مشوّهة عن حقيقة الإنجاز ومستواه. إن التفاخر بالتميّز يكون أجمل وأسمى حين يستند إلى معلومات دقيقة، ومقارنات نزيهة.

1. مسابقة الرياضيات الدولية لطلاب في بلغاريا

وفي هذا السياق، نريد تناول موضوع مشاركة طلبتنا في مسابقة الرياضيات الدولية (IMC) في بلغاريا قبل بضعة أيام. لقد بلغت هذه المنافسات السنوية دورتها الثالثة والثلاثين، وهي تمثل حدثا علميا دوليا بارزا. استضافت هذا التظاهرة الجامعة الأمريكية في بلغاريا من 27 جويلية إلى 3 أوت 2026. وتتميز المنافسة بأنها حضورية إذ يُطلب من جميع المشاركين القدوم إلى بلغاريا والإقامة في الأحياء الجامعية التي يوفرها المنظمون.

وخلافًا لمعظم المنافسات العلمية التي تقتصر المشاركة فيها على وفود وطنية، بوفد واحد لكل دولة، تتيح المسابقة البلغارية نظاما أكثر انفتاحا يسمح لأي طالب جامعي -لا يتجاوز عمره 23 سنة- المشاركة فيها، وذلك سواء بصورة فردية أو برفقة عدد من زملائه ممثلين لجامعته. والطريقة الأخيرة هي التي تبناها المشاركون الجزائريون. وتتطلب المشاركة في المسابقة دفع رسوم، تقدر بنحو 700 أورو للفرد، تغطّي تكاليف الإقامة والإطعام. وقد استقطبت منافسة هذا العام 447 مشاركًا من أزيد من 40 دولة، يمثلون نحو 130 مؤسسة جامعية. وهذا يدلّ على أنه يمكن لعدة جامعات من البلد نفسه أن تشارك بوفد خاص بها. ومن بين المشاركين بصفة فردية، وردت اسماء 19 طالبًا في الترتيب النهائي دون أن يتم تحديد مدينتهم أو بلدهم الأصلي.

2. بيان المدرسة الوطنية العليا للرياضيات

إثر الإعلان عن نتائج هذه المنافسات، نشرت المدرسة الوطنية العليا للرياضيات بيانا في 250 كلمة، كله افتخار واعتزاز وإشادة بالطلبة المشاركين وبالأستاذين المرافقين لهم. وهذا أمر طبيعي ويجب أن يكون. لكن ما لفت انتباهنا هو فقرة من فقرات هذا البيان بعد الاعلان عن تتويج الطلبة الجزائريين، تقول: “وقد كان هذا التتويج من نصيب طلبة المدرسة الوطنية العليا في الرياضيات شمس الدين عبد العالي درّاش، المتوج بالمرتبة الأولى، ومحمد أمير بن ملوكة، وهيثم إدريس آيت حمدوش، المتوج بالمرتبة الثالثة، في إنجاز علمي مشرّف يعكس تميز طلبتنا وقدرتهم على المنافسة في أرقى التظاهرات الأكاديمية الدولية، ورفع راية الجزائر عاليًا بين نخبة جامعات العالم”.

نريد بخصوص هذا النص تقديم بعض التوضيحات حتى لا نسقط في التزكية المبالغ فيها، فنحن نحتاج جميعا إلى التشجيع لكن بدون التضخيم الذي يضر أكثر مما ينفعنا. وقد أشاد البيان بدور المدربيْن، كما أسلفنا، وهذا ثناء مستحق، لكنه أغفل الإشارة إلى مشاركة 4 طلبة آخرين نصفهم من مدرسة الرياضيات ذاتها ونصفهم الآخر من مدرسة الذكاء الاصطناعي.

أولاً. فيما يتعلق بمسار الطالب شمس الدين درّاش: فالتصريح الرسمي الذي يصفه بأنه “من نصيب طلبة المدرسة الوطنية العليا في الرياضيات” بسيدي عبد الله (الجزائر)” غير دقيق حيث تظهر نتائج المسابقة الرسمية انتماءه إلى “وزارة التعليم العالي/ ثانوية لويس لوغران Louis Le Grand (فرنسا). والواقع أنه لا ولم يدرس بمدرسة سيدي عبد الله بل يدرس منذ حصوله على البكالوريا عام 2024 في فرنسا، وتحديدا في المدرسة التحضيرية العريقة (ثانوية لويس لوغران) بباريس. وهذا المسار الدراسي في فرنسا للطالب شمس الدين درّاش، والذي امتد لعامين كاملين، لا ينتقص من جزائريته أو من إنجازه الكبير، بل يوضح حقيقة مساره الأكاديمي، لا غير.

وقد كان لهذا المسار سياق خاص، إذ تحصل درّاش قبل 3سنوات (2023) على ميدالية برونزية في الأولمبياد الدولي للرياضيات عندما كان يزاول دراسته في السنة الثانية بثانوية الرياضيات-القبة. وفي العام الموالي (2024) فاز في نفس المنافسات بميدالية ذهبية. وكان ذلك إنجازا استثنائيا لأنه يعدّ أول تلميذ جزائري يفوز بهذه الميدالية منذ انطلاق مشاركة الجزائر في الأولمبياد عام 1977. ولهذا السبب حظي بدعم استثنائي أيضا من السلطات العليا ووزارة التعليم العالي الجزائرية عبر منحة دراسية لمتابعة دراسته بالخارج، ورافقه في هذا المسار زملاء مشكورون في فرنسا والجزائر، ونجح قبل أيام في مسابقة الدخول إلى مدرسة كبرى باريسية، وهو ما يستحق عليه التهاني أكثر من تلك التي تلقاها بعدما حققه من نتائج في بلغاريا.

3. ترتيب طلبتنا

فيما يتعلق بالترتيب الذي تحصل عليه الطلبة الجزائريون السبعة في منافسات بلغاريا، وحتى لا نضلل القارئ والمسؤول، ينبغي أن نفهم طريقة ترتيب المشاركين التي تبنتها اللجنة المنظمة، والتي رتبت كل المشاركين البالغ عددهم 447 مشاركًا ووزعتهم إلى 7 فئات متدرجة تنازليا حسب عدد النقاط المحصل عليها. كم طالبا تضم كل فئة؟ الفئة 1: 3 طلبة، الفئة 2: 9 طلبة، الفئة 3: 80 طالبا، الفئة 4: 78 طالبا، الفئة 5: 69 طالبا، الفئة 6: 106 طلبة، الفئة 7: 102 طلبة. وهكذا فكل طالبن مهما كان علامته، سيجد نفسه في إحدى هذه الفئات. أما التسميات الرسمية لهذه الفئات فجاءت كالتالي:

1) جائزة الامتياز العظمى: 3 طلبة (الترتيب من 1 إلى 3)

وهي على شاكلة منح الميداليات (الذهبية والفضية والبرونزية) التي نشهدها في كثير من المنافسات. لكن الموقع الرسمي لهذه التظاهر لا يشير لأي ميدالية في هذه المنافسة رغم شروحاته الكثيرة لمجريات المسابقة.

2) جائزة الامتياز: 9 طلبة (الترتيب من 4 إلى 12)

3) الجائزة الأولى: 80 طالبا (الترتيب من 13 إلى 92)

وفي هذه الفئة، تم ترتيب الطالب شمس الدين درّاش (بين 18-20). بمعنى أنه يحتلّ المرتبة 18 من بين الـ 447 طالبا، رغم أنه تحصل على ما يسمونه في المنافسة “الجائزة الأولى”… لأن قبلها كانت هناك جوائز “الامتياز” لـ 12 طالبا.

4) الجائزة الثانية: 78 طالبا (الترتيب من 93 إلى 170)

5) الجائزة الثالثة: 69 طالبا (الترتيب من 171 إلى 239)

وفي هذه الفئة، تم ترتيب الطالبين محمد بن ملوكة وهيثم آيت حمدوش (ترتيبهما بين 220 و227).

6) الشهادة الشرفية: 106 طلبة (الترتيب من 240 إلى 345)

وفي هذه الفئة تم ترتيب 3 طلبة جزائريين مشاركين (ترتيبهم بين 287 و 333) لم يشر إليهم بيان مدرسة الرياضيات لا من قريب ولا من بعيد.

7) الشهادة التقديرية: 102 طلبة (الترتيب من 346 إلى 447)

هناك مشارك جزائري (ترتيبه بين 366-366).

ولذلك فإن تصريح المدرسة الوطنية العليا للرياضيات الذي يذكر أن طلبتنا الثلاثة كانوا في “المرتبة الأولى والثالثة” يعكس قراءة خاطئة لنتائج المسابقة فضلا عن أنه لم يشر إلى بقية المشاركين.

في الختام، نقول إن الالتزام بالمعلومات الدقيقة والبيانات الرسمية عند الإعلان عن مشاركاتنا في المسابقات العلمية الدولية، أمر مهم لكسب مصداقية الجمهور وثقته. فالمبالغة في نقل النتائج، وإن صدرت عن حسن نية، تقلل من شأن الإنجاز الحقيقي وقيمته، وتُشوّه صورة تميّز طلبتنا ومؤسساتهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!