-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مستشار الغنوشي يوجه نداء لأعضاء المجلس التأسيسي

الشروق أونلاين
  • 2145
  • 0
مستشار الغنوشي يوجه نداء لأعضاء المجلس التأسيسي
ح.م
راشد الغنوشي

باسم الله الرحمان الرحيمالسلام عليكم بالجمع وبالمفرد، بالجمع فأنتم تونس وبالمفرد فالواحد منكم بخمسين ألف يمثلهم ويحمل وزرهم وآمالهم وآلامهم. تلك هي الديمقراطية التمثيلية، أحدث ابتكارات الإنسان وإبداعاته ك “تكنولوجيا سياسية” تهسل حياته الاجتماعية كما تزيد التقنيات في تحكمه في الطبيعة وتذليل ما صعب منها. ها هي تونس قد انتهي أمرها إليكم، أنتم الشرعية الوحيدة فلا تخيبوا آمالها ولا تزيدوا في آلامها. كونوا في مستوى المسؤولية ولا يكن “كل حزب بما لديهم فرحون” (الروم 32) والمصلحة الشخصية مسبقون. واسمعوا لنصيحة سيد المغيرين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: “لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساء الناس أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم على الخير، فإن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا فتجنبوا إساءتهم”. وطنوا أنفسكم أيها القوم، فسيئة الواحد منكم بخمسين ألف، رجل كان أو امرأة في تساوى تام بحكم التكليف.

الديقراطية تتلخص ببساطة في تعايش أغلبية وأقلية. تسلم الأقلية للأغلبية بحكم البلاد وتسلم الأغلبية للأقلية ليس فقط بحقها في الحياة بل بضرورة حياتها ونموها ونشاطها. هكذا هي الحياة، هي الديمقراطية تموت دون الأقلية لأنها تأتي للمجتمع بذاك التنوع الضروري لحياته، يثريها ويغنيها. تلك سنة الهي في الكون، يمر الواحد منا على حقل تغلب عليه نبتة تهيمن على المشهد، لكن من مكان لآخر تظهر نبتة يتيمة تكسر ذاك التواصل الممل. خلقها الله لحكمة لعلها هي سبب وجود تلك النبتة الغالبة لولاها لكان المكان أجرد وإلى الموت أقرب. إن الأغلبية تسطيح والأقلية تنويع. ولا خوف على الأغلبية إلا من نفسها، فهي قوية بكمها مزهوة بعددها، وهي إلى الخطاء اقرب. إن الذي يشابهك لا يفيدك، لا يأتيك بالجديد لأنكما تأخذان من نفس النبع، الذي يخالفك هو الذي يفيدك لأنه يرشدك لغير ما تعلم، ويرى من زاويته ما لا تراه من زاويتك. 

يا ممثلي الشعب التونسي لستم المجلس الأول الذي وضع قوانين لتونس بعد الثورة، فلقد سبقكم مجلس تحقيق أهداف الثورة الذي قام بدوره على أحسن وجه رغم أنه غير منتخب. كان جميلا بتنوعه، فلا تكونوا أقل منه تسامحا وقدرة وقد صوت الشعب لكم. المجلس الذي سبقكم أوصل تونس إلى بر الأمان وأشرف على تنظيم انتخاباتها وسلم الأمانة بشرف كبير. استلمتم مناصبكم  وأخرجتم لتونس على عجل الدستور الصغير المنظم للسلطات وكانت تلك كبوتكم الأولى. إذ أدخلتم به تونس إلى ما يشبه وضع الغاب، فلم تعد تعرف لها رأسا. لم ينفع نصح الناصحين وتحذيرات المختصين. تقرر مصير تونس في دهاليز خارج مجلسكم الموقر، ثم مر بلدوزير الأغلبية ليسطح المشهد ويفرض عليكم الرداءة. كل ذلك مع تهديد وتذكير المعارضين بنتيجة “صفر فاصل” تكمم الأفواه. ولست أدي لماذا يؤكد القوم على الصفر أكثر من تأكيدهم على ما بعد الفاصل. فتلك الأقلية وجد فيها جزء من الشعب وجاهة واقتنع بما تقدم إليه، والواحد من النواب أغلبية كان أم معارضة يمثل خمسين ألفا من التونسيين وله حرمة وقداسة. صوتم يا نواب الشعب على نظام سياسي هجين ليس له في العالم مثيل سرعان ما أدخل البلاد في فوضى وقد أصبحت العلاقة بين المجتمع والدولة مرنة ودون الصلابة الضرورية لتكوين الدولة القطرية الحديثة. تحملوا مسؤولية تونس فما الرئيس ولا رئيس الحكومة رئيس. 

كانت كبوتكم الأولى في إقرار دستور أصغر من الصغير، أما الثانية فجاءت بعد ذلك بقليل وتمثلت في تزكيتكم لحكومة السيد حمادي الجبالي. صحيح انه كان عليكم أن تيسروا على تونس تحولها لكن المشاهد من قريب أو بعيد لحفل التنصيب ذاك يشعر كأنه في بلاد العجائب. كانت الحكومة عبارة عن فرقة مفبركة وقع جمعها كنتيجة لتوصيات وضغوط وولاءات ومحاصصات ليس فقط بين أحزاب الترويكا بل داخل تلك الأحزاب ذاتها. ضل السيد حمادي الجبالي تقرأ في تلعثم أسماء وزرائه لأنه لا يعرف الكثير منهم وقد يكون لم يلتق ببعضهم أساسا. ولو أضفنا إلى ذلك مهزلة أخرى تمثلت في حضور بعض الوزراء وأخذهم أماكنهم ضمن المجموعة في مربع الحكومة، دعوا إلى ذلك واستقبلهم مجلسكم ضمن قائمة مقدمة إليه، ثم ظهر بعد ذلك أنهم ليسوا ضمن الطاقم الحكومي…. ورغم ذلك زكيتم الحكومة ورئيسها.

حسبتم وحسبت تونس أن مرحلة في حياتها قد طويت وأنها سارت في الاتجاه الصحيح. أخذتم ورقة بيضاء تخطون عليها الأحرف الأولى لدستور تونس تسطرون لها وللأمة الإسلامية معالم الخلاص. جاءتكم فلسطين تشكر تونس عبركم أنها رفعت معنويات أبنائها ووحدت صفهم. أصبحتم للعالم مركزا ولتونس صمام أمان. لكن الحكومة التي زكيتم طالت انطلاقتها لعدم تجانسها لكثرة المسارب إلى قرارها وعملها. انطلقت وهي لا تعلم لها وجهة. حاولت من موقعي أن أنصح بعدم التيه شرقا، فبيننا وبين الخليج فخاخ كثيرة. قد تلوح لك دولة بحزمة دولارات فتسيل لعابك، لكنها لا تمكنك منها دون موافقة العم صام. والعم صام قد يمنحك شيئا لكن بثمن. والثمن ليس غير شيء من ماء وجهك وضرب لرمزيتك ولرساليتك الثورية التي رفعت اسم وعلم تونس إلى العنان السماء وحتى في قلب عاصمة العم صام. هزت ثورة تونس العظيمة، بلا مبالغة النظام الدولي ومدللته إسرائيل، فاستفاق بعد سكرات أعياد الميلاد ورأس السنة، وها هو يسترد المبادرة.

يا نواب شعب تونس، إنكم تمثلون الشرعية في بلد له من الطاقات الطبيعية والبشرية الكثير، جعلته الجغرافيا بين بلدين بتروليين، وهو لن يجوع إلا إن أبى. ذلك ما استمت في إقناع حزبي وكذا من بلغت لهم من أعضاء الحكومة. نجحت أحيانا وأخفقت أخرى وكلفني الشيخ راشد بمهمة التقريب بين بلدين أحببتهما إلى النخاع: تونس والجزائر وحملت جنسيتيهما باعتزاز كبير. قال الشيخ راشد وهو يقدمني للسيد بوتفليقة: ما ناش عارفين امتاعنا وامتاعكم. لكنني وجدتني بين أطرشين أصمين: جزائر منغلقة على نفسها مكتفية بريع بترولها ونهضة مائلة كل الميل شرقا لم تفهم أن الجزائر لا تحب من يدير لها ظهره. ضيع الطرفان فرصا كثيرة للتقارب والتعاون وضيعت تونس بذلك استقرارا ومناصب شغل ثابتة وأكيدة عملت على المجيء بها إلى تونس ووقفت دونها الحسابات الشخصية داخل النهضة. ولم يفق الطرفان إلا لما دقت طبول الحرب والإرهاب على حدودنا، فبدءوا يتلاقون في محافل شكلية كالمعتاد. والحدود عامل تنمية وليست ميادين تهريب أو نهايات بعدها العدم.   

يا ممثلي الشعب التونسي لقد أعطت الأغلبية الحزبية في مجلسكم أقصى ما لديها ومكنت تونس من شيء من الهدوء والاستقرار وهذا يحسب لها. جنبت البلاد انزلاقات كثيرة وقعت في بلدان أخري مثل الجارة الجزائر، لكنها توقفت عند حدود إمكانياتها الذاتية وفاقد الشيء لا يعطيه. فشكرا لها على ما أعطت وشكرا لها على أن تعرف قدرها فلا تدخل البلاد في مأزق خطير. الأمانة تستوجب من الواحد منكم اليوم أن يوقض ضميره ويستفتي قلبه ولا يسقط أمام  ضغوطات حزبه أو بالأحرى أطراف من حزبه بعد أن تشتت كل التكتلات، وبلغ الانقسام جميعها.

 وأعود لأذكركم بالحديث الشريف أعلاه: لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس، فصوت الواحد منكم أمانة.  

وفقكم الله لخدمة بلدنا والسلام

 

*مستشار الشيخ راشد الغنوشي للشأن المغاربي

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!