مشاورات أم مونولوج لتعديل الدستور؟
انقضى الأسبوع الأول من المشاورات السياسية حول مشروع تعديل الدستور، ولم يحظ أحمد أويحيى، مدير الديوان برئاسة الجمهورية، المكلف بإدارة المشاورات مع الأحزاب، باستقبال شخصية أو حزب يمكنها كسر روتينية المسعى الذي بات يبدو وكأنه يسير في اتجاه واحد.
ولم يحط الرحال بقصر المرادية، سوى شخصيات لا تتحرك إلا بالقرب من دائرة السلطة أو بالأحرى في محيطها، في صورة وزير الدولة وزير الداخلية والجماعات المحلية الأسبق، نور الدين يزيد زرهوني والسيناتور الطاهر الزبيري، ورئيس مجموعة الثلث الرئاسي بمجلس الأمة، السيناتور محمد بوخالفة، ونائب رئيس مجلس الأمة، زهرة ظريف بيطاط، فضلا عن شخصيات أخرى تنتظر دورها مثل وزير الخارجية الأسبق، لخضر الإبراهيمي ورئيس الحكومة الأسبق رضا مالك، ورئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان، فاروق قسنطيني..
أما الشخصيات الأخرى التي يمكن تصنيفها في عداد الجهة المعارضة للسلطة، فتتمثل في رئيسي الحكومة السابقين، علي بن فليس، ومولود حمروش، ورئيس حركة مجتمع السلم السابق، أبو جرة سلطاني.. التي قررت مقاطعة دعوة أويحيى.
وحتى الأحزاب السياسية التي أعلنت موافقتها على المشاركة في المشاورات، لا تختلف مواقفها من السلطة عن الشخصيات التي استقبلها أويحيى، فحزب الحرية والعدالة الذي يرأسه وزير الاتصال السابق، محند أوبلعيد المعروف بمحمد السعيد، وجبهة المستقبل التي يرأسها بلعيد عبد العزيز، وحزب الجبهة الوطنية الذي يرأسه موسى تواتي، وحزب العمال، الذي ترأسه لويزة حنون، كلها التقت عند المشاركة في رئاسيات 2009 و2014، كأرانب سباق لمنافسة بوتفليقة، ما أضفى على الاستحقاقين نوعا من الشرعية.
وبإسقاط مواقف هذه الأحزاب والشخصيات على الأرض، نجدها تتقاطع عند قاسم مشترك واحد، وهو أنها لا تعارض السلطة في الكثير من طروحاتها، وتصر على الحضور في “أعراس السلطة” حتى وإن كان شعارها هو رفض سياسة الكرسي الشاغر.
وتعليقا على هذا المعطى، يرى وزير الاتصال والثقافة الأسبق، عبد العزيز رحابي، أن السلطة “لا يهمها نجاح المشاورات، طالما أن هذه المشاورات جاءت نتيجة أزمة سياسية وليس نتيجة إرادة من السلطة“، وقدر بأن الهدف منها هو “تلميع صورة السلطة في الخارج“.
ويعرض الوزير الأسبق في اتصال مع “الشروق” أمس إلى مقارنة المشاورات التي أطلقها الرئيس بوتفليقة في 2001 وتلك التي تجري حاليا، فيقول: “القاسم المشترك بين المحطتين، هو أن مشاورات 2011 تمت تحت ضغط ما سمي الربيع العربي، والحالية تتم تحت ضغط ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية، واتفاق المعارضة على مقاطعتها“.
ومشاورات بهذه المواصفات، تعطي الانطباع وكأنها تسير في اتجاه واحد، بل يمكن وصفها بأنها مجرد “مونولوج سياسي“، تظهر فيه السلطة وكأنها تحاور نفسها، لأن المشكل القائم حاليا هو بين السلطة من جهة والشخصيات والأحزاب السياسية التي رفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتحفّظت عن الانخراط في المساعي التي أعقبت هذا الاستحقاق، من جهة أخرى.
فعندما تغيب أحزاب مثل حركة مجتمع السلم والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية، في انتظار حسم جبهة القوى الاشتراكية لموقفها، يتأكد فشل السلطة في إقناع شركائها السياسيين في الجلوس إلى طاولة الحوار، حتى وإن شاركت أحزاب كبرى كجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين يشكلان واجهة السلطة على الساحة الحزبية.
وكان يمكن للسلطة أن تقدم من التنازلات ما يعزز من موقعها في استدراج خصومها السياسيين، سيما في ظل انخفاض منسوب الثقة بين الطرفين جراء فشل تجربة الإصلاحات الأولى في 2012، والتي تقول المعارضة إنها جاءت مشوهة وممسوخة، وهو عامل يعزز من حجم المخاوف من إمكانية تكرار المشهد ذاته في المشاورات حول تعديل الدستور، في حال استجابت المعارضة لدعوة السلطة.