مصر.. لم تفت الفرصة بعد
في مصر تبدو الأمور على غير ما يتوقع كثيرون.. مشهد لم يتكرر في أي بلد عربي حصلت فيه تصادمات بين العسكر والشعب.. في مصر نموذج مختلف تماما عما حصل في كل البلدان التي اتخذت فيه قوى المواجهة موقفا رافضا للمؤسسة الأمنية.. وعلى ضوء هذه القواعد الأساسية في المكوّن السياسي المصري، تبدو الاستجابات الشعبية والرسمية على غير ما يتوقعه كثيرون.
بعد مجزرة المنصة وسقوط عشرات الشهداء وآلاف المصابين، ظن البعض أن هذا الحدث الكبير سيخرج الإخوان المسلمين عن سلميتهم ويدفع بالأوضاع إلى تعفين أمني خطير، وفي مثل هذه اللحظات يصبح الإجراء القاضي بشن اعتقالات وإحداث مجازر له مبررات موضوعية.. إلا أن المصريين تمكنوا من امتصاص الصدمة العنيفة، وودّعوا شهداءهم بجنائزية مذهلة وحضور في ميدان رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، وميادين أخرى في مدن عديدة على مستوى الجمهورية.. وعاد الإخوان المسلمون من جديد يؤكدون على سلمية معارضتهم وتمسكهم بالشرعية الدستورية وعودة الرئيس.
لم تصب مصر بما توقعه الآخرون المتربصون بأمن مصر بل بوجودها.. لم تصب مصر بالانشطار.. تمكن المصريون أن لا يذهبوا إلى الانشقاق بالسلاح، والكل يعلم أن السلاح منتشر في شتى ربوع البلاد.. بل استفز الضمير الجمعي والحس الوطني لدى القطاعات الواسعة والتي أسرعت للتعبير عن رفضها بسفك الدم المصري.. وهذه ملاحظة لابد من تدبّرها في المجتمع المصري.. فالمصريون لا يميلون إلى التشتت والتباعد والتنافر، بل إن الملاحظ إلى الخريطة السكانية للمصريين يجدهم بملايينهم المئة يلتفون حول بعضهم ويحبون الزحمة، وكل الملايين العديدة تسكن في مساحة من مصر تكاد لا تذكر.. ذلك كله لأنهم شعب متجانس متوادع متماسك صنع النيل منه جبلّة خاصة تعاملت مع الثقافات والديانات بطريقة مختلفة عن سواها… والمصريون مفرطون في الاعتدال كما أنهم أميل دوما للصلح.
تتحرك عبقرية المكان وما تدفع أهله إليه من مهمات مجددا لتتحرك قيادات المجتمع المصري، من مفكرين وسياسيين وعلماء إلى اعلاء الصوت بإدانة المجزرة وتقديم مبادرة للخروج من المأزق والتحرّك على كل المستويات لإنهاء الأزمة.. على طريق المصالحة واخراج البلد من الاحتقان والاضطرابات التي شلّت الحياة الدستورية والسياسية في البلاد.
هنا لابد من ابداء الاعجاب بحركة الشارع المصري، الذي يصر على سلمية انتفاضاته رغم مالحق به من أذى، وهو في هذا الموقف سيجد أنصارا كثيرين مصريين وعرب ومسلمين وأحرارا في العالم.. ولابد من تسجيل الاعجاب أيضا بالنخبة المصرية المحترمة من علماء ومفكرين ومثقفين، حيث نهضوا فورا لإدانة المجزرة واعتبارها سلوكا مستغربا ومدانا.. ثم تقدم هذه النخبة للاعلان عن مبادرة ترفع من شأن مصر فوق كل الاعتبارات.
إنه نموذج محترم بلاشك أن تلتزم قوى المعارضة بالسلمية حتى لو وقع فيها القتل.. وإن الخير كله في نجاح مبادرة العلماء والمفكرين المصريين، فهل يمنح أصحاب القرار والسلطان الفرصة لهذه المبادرة.. وستنجح الديممقراطية العربية نجاحا كبيرا إذا خرجت من تعثرها المصري، وإلا فعلى الديمقراطية في الوطن العربي السلام.