-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مصر والعرب في معركة الإرادات والطموحات

صالح عوض
  • 2567
  • 0
مصر والعرب في معركة الإرادات والطموحات

مصر بملايينها المائة وموقعها الجيواستراتيجي بجوار فلسطين والقدس وبمحاذاة الجزيرة العربية ومكة والمدينة وبتوسُّطها بين العرب شرقهم وغربهم وبالأزهر معقل الأمة ومرجعيتها الدينية.. مصر صاحبة الحروب التاريخية ضد التتار والصليبيين والفرنسيين والإنجليز والصهاينة وصاحبة الموقف التاريخي مع حركات التحرر في المنطقة العربية وصاحبة صيحات التجديد والنهضة من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في تاريخنا المعاصر تبدو اليوم كأنها في غيبوبة أو في غير الجغرافيا أو فاقدة القدرة أن تمسك بدفة القيادة، الأمر الذي نشأ عنه كل هذا الضياع في المنطقة والتدهور في صياغة العلاقة بين أجزاء الأمة..

الحديث عن غياب دور مصر في ترتيب الخريطة السياسية في المنطقة فيما نحن نحلل الوضع العربي، إنما هو في حقيقة الأمر محاولة للكشف عن أسباب الأرق والقلق الأساسية في المنطقة التي أصبحت مسرحا للعبث الاستعماري ومجالا للتنافس الاقليمي الذي زاد المنطقة توترا فاصبح تنافرها وتمزقها على أجندات لا مصلحة لها فيها.

يمر العرب بحالة ملتبسة من الغموض والتحدي الحضاري الخطير حولت بلادهم إلى أتون صراع يستهدف عواصمهم وشعوبهم وحاضرهم ومستقبلهم وكأننا إزاء حرب عالمية تشن على بلدانهم ذهب ضحيتها أكثر من 13 مليون مشرد وملايين القتلى وملايين الأرامل وملايين الأيتام وهدر ثرواتهم الهائلة.. وتكاد عاصفة الشر ان تقتلع ديارهم ويقينهم.

“قد تكون التجارب المتتالية أوصلت للمصريين رسالة واضحة أن ابتعادهم باتفاقيات كامب ديفد عن الهموم العربية ما زاد مصر إلا فقرا وتخلفا وتعرضا للخطر الامني والخطر الاستراتيجي نتيجة تغوّل الكيان الصهيوني.. كما تم تسليم الكيان الصهيوني باستمرار أدوات التفوّق ومجالات التحرك في الإقليم..”

في هذه المطحنة ينبغي الإشارة إلى أرقام تفيد بوضوح أن العرب كتلة متواصلة من انطاكية إلى المحيط الأطلسي على ساحل المتوسط الجنوبي بامتداد نحو آسيا وإفريقيا يجعل منهم في منتصف الكرة الأرضية والموقع المتميز جغرافيا، الأمر الذي يمنحهم مهمات استثنائية ويجعل الرسالة الخالدة تنتظر منهم أدوارا متميزة في مواجهة التحديات الحضارية التي يفرضها الغرب من حين إلى آخر.. أن أربعمائة مليون نسمة بثروة معتبرة تعتبر الرابعة على المستوى العالمي انجبلوا بتاريخ الإسلام وحضارته وانتصاراته التي تجسِّد عناوين القدسية للمكان في أراضيهم من مكة والمدينة والقدس حتى عاد بشكل ما هو تاريخهم اللصيق بحركتهم قبل أن يحدث الانفصام بينهم وبين حيويته وحركيته.

يدرك صناع القرار في الغرب من خلال دراسات استشرافية ومن خلال دراسات جيوبوليتيك أن تدمير المنطقة العربية إنما هو تدميرٌ للقلب والمركز ومن ثم بعثرة الكل الاسلامي على مشاريع إقليمية مشتتة.. وهنا تتدخل الجغرافيا لتلقي أسئلتها الدقيقة والحاسمة: اين العرب من الصراع الذي يدور على أرضهم؟

أسوأ سبيل في مواجهة هذا السؤال الكبير أن نلجأ الى جلد الذات والإمعان في الإساءة للشعوب ولطلائعها الحرة الكريمة أو أي انتقاص من قيمة التضحيات التي بذلها الشرفاء والشعوب في معركة الوجود كما يفعل كثيرٌ من المنهزمين والثرثارين الذين يكيلون التهم بلا معنى للأمة وتاريخها وأحيانا يصل الهذيان إلى التقول على كتابها وتراثها الفكري.

في المنطقة العربية غاب الوعي الاستراتيجي عن أجزاء من الأمة في دول الجزيرة العربية وحل محله الإحساس بالأنا الإقليمية الذي تعززت بما يمتلكون من ثروات هائلة عمَّقت فيهم الإحساس بالتميُّز القُطري المرتبط مع الخارج الغربي.. وبسبب غياب الوعي الاستراتيجي وبسبب غياب الحس بالانتماء للأمة قامت هذه الأجزاء بأدوار تخريب في الأمة كما حصل في حرب الخليج الاولى والثانية إذ تطوعت تلك الأجزاء المنحرِفة بضخ المال والدم في معارك بينية أهلكت الحرث والنسل وذلك لغرض واحد فقط هو تكريس تفردها بصياغة المنطقة وتقديم خدمات لنيل الثقة من قبل الاجانب.. وزاد الطين بلة الحرب التي اسهمت فيها تلك الدول مؤخرا في تدمير سورية والعراق وليبيا والسودان والصومال لصالح العدو الأجنبي أو بأمر منه، وهذه سابقة خطيرة في تاريخ العرب..

في ظل التفتيت والتكسير للمنطقة وجدت دولتان مسلمتان إقليميتان كبيرتان فرصتهما للخروج من حيز النفوذ المحدود بالجغرافيا إلى التمدد في المنطقة وكل منهما ينبعث من منطلقات خاصة به، ويجمع بينهما أنهما يريان في المنطقة دائرة رخوة غير محصَّنة او انها ساحة تنافس لهما ولمشاريعهما.. وبعيدا عن الموقف منهما وتقييم ادوارهما فهذا له مجال اخر للحديث مقرين بانه لايستوي الامر بينهما، المهم هنا الاشارة الى التنازع على ارض العرب وتشتتها على محاور.. كان من المفترض لهاتين الدولتين ايران وتركيا أن تلعبا دورا مكملا للمنطقة العربية في إطار وحدة الامة وتكاملها أو أن تكونا مساهِما في معامل نهضة في أجزاء الأمة كلها وذلك بالإحساس بخطورة التفكير بالعمل بالنيابة عن أهل المنطقة، أو لو أنهما عملتا بدقة لتجنب الحساسيات، والتفرغ للقضايا المشتركة فقط وعلى رأسها قضية فلسطين والقدس.. وبالتأكيد ما كان لهما ان يفعلا شيئا من ذلك دون وجود قوة عربية مركزية في حالة تماس تعيد لاندفاعهما توازنه وتفتح معهما ميادين العمل المشترك المتكامل، وهنا نعود لتأمل عواصم العرب التي يمكن أن تدخل بالتكامل مع الدول الاقليمية فنرى أن بغداد قد كُسِّرت وأن دمشق مدماة وتنزف بعنف.. بهذا غاب الشرط الذاتي والموضوعي الذي يمكن للتكامل.

في المشرق العربي بلا تردد تقف مصر أملا في وجه التحديات الحضارية رغم الانتكاسة في دورها الاقليمي.. فهل تقوم مصر بما يمليه عليها الفرض التاريخي والضمير الحضاري؟ حتى الآن من الواضح أن غياب مصر ترك المشهد العربي منطقة مستباحة للجميع، كما أن غيابها القى بأثره البالغ عليها وعلى أمنها القومي.. قد تكون التجارب المتتالية أوصلت للمصريين رسالة واضحة أن ابتعادهم باتفاقيات كامب ديفد عن الهموم العربية ما زاد مصر إلا فقرا وتخلفا وتعرضا للخطر الأمني والخطر الاستراتيجي نتيجة تغوّل الكيان الصهيوني.. كما تم تسليم الكيان الصهيوني باستمرار أدوات التفوّق ومجالات التحرّك في الإقليم..

من هنا يصبح ضروريا استعادة مصر لدورها وخروجها من دائرة التردد والانتظار الى دائرة الفعل المبادر على صعيد كل القضايا العربية، وهذا يحتاج عدة خطوات كبيرة لعل المصالحة داخل المشهد السياسي المصري تكون هي رافعة الدور المصري.. هنا نتجه إلى ترتيب علاقات متوازنة متكاملة مع الدول الإقليمية المحيطة بالعرب كما يتم وضع حدود للعلاقات مع الأجانب بدون ذلك سنعاني كثيرا.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!