مطاحن “سرفنتس” لـ”هولاند كيشوت”
قبل أسبوع، كنت قد توقفت عند مظاهر إهانة ثورة نوفمبر في شهر ديسمبر، وكانت التهمة مني خالصة لسلطات بلدي، التي تصر على استقبال الوفود الفرنسية بحفاوة خاصة، وتحرص على حفظ نصيب دولة الاحتلال من غلال الجزائر المستقلة، رغم الإهانة الموثقة لثورة التحرير في قانون فرنسي أصر على تمجيد الاستعمار.
الإهانة هذا الشهر، كانت على الأقل في ثلاث محطات: الأولى تلقاها وزير الصناعة الجزائري الذي أهانه نظيره الفرنسي، فاكتفى بالاحتجاج اللفظي، وقد كان بوسعه أن يقطع الزيارة، ويعود إلى البلد ليكون الاحتجاج أقوى بيانا.
وكانت الإهانة الثانية حاضرة في تصريح وزير التجارة الفرنسي، خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الفرنسي، حين طالب السلطات الجزائرية بالتعامل بكل “شفافية ونزاهة” في إدارة المنافسة بين الدول المتكالبة على الكعكة الجزائرية. ولم يجد من بين أعضاء الحكومة من يلزمه الحدود.
أما الإهانة الثالثة، فلعلها القطرة التي كان يفترض أن يفيض لها كأس حلم السلطات الجزائرية، وقد صدرت عن الرئيس الفرنسي نفسه، أمام محفل للصهاينة من رعاياه اليهود، لأن العبارة لم تكن محض زلة لسان من رئيس فرنسي “متربص” لا يملك زمام لسانه.
لقد كان بوسع وزير الخارجية الجزائري أن يرد على سخرية هولاند من الوضع الأمني في الجزائر، حين هنأ وزير داخليته بـ “العودة سالما معافى” من زيارته الأخيرة إلى الجزائر. كان بوسعه أن يرد بنشر قائمة مفصلة عن الأحداث الأمنية التي تعرض لها رعايا جزائريون على التراب الفرنسي، ومقارنتها بأحداث مماثلة لرعايا فرنسيين في الجزائر، ليعلم هولاند أي البلدين أكثر أمنا، بل كان بوسعه أن ينشر قائمة بالاغتيالات التي تعرضت لها شخصيات عالمية، ومعارضون، ولاجئون سياسيون، داخل الترابالفرنسي، بدءابالمعارض المغربي بن بركة، وعدد لا يحصى من المقاومين الفلسطينيين والأفارقة، أو يذكره بعدد الاعتداءات التي تعرض لها مسؤولون فرنسيون، ومنهم رؤساء، عجز الأمن الفرنسي عن حمايتهم، أو يحيله- وهو يهين الجزائر أمام تجمع للصهاينة الفرنسيين- إلى العدوان الذي تعرض له الرئيس الفرنسي جاك شيراك في إسرائيل، التي عجزت شرطتها عن حماية رئيس دولة صديقة وحليفة.
وفي كل الأحوال ما كان ينبغي للسلطات الجزائرية أن تصرف النظر مرة أخرى عن إهانة فرنسية مباشرة للدولة الجزائرية، كما لم تصرف النظر عن إهانة المغرب للعلم الوطني، لأنها ليست مجرد إهانة عابرة، أو زلة لسان.. وقد تعلمنا من فرويد: “أن زلة اللسان كاشفة عن خبايا الحال”. وأن هذا الرئيس الفرنسي، الفاشل في إدارة دولة غنية، يقودها اليوم إلى فضيحة الإفلاس، قد أصبح مثل بطل “سرفنتس” يبحث عن نظائر لمطاحن “دون كيشوت” في ربوع القارة السمراء، ليستعرض أمامها العضلات الضامرة لفرنسا العجوز. وربما تكون نفسيته المريضة قد سولت له محاورة نفسه بصوت مسموع، بمشروع إعادة الأمن إلى المستعمرة القديمة، التي لم يعد يأتمنها حتى على سلامة وزيره وهو في زيارة رسمية.