مع سبق الإصرار والترصد!
ماذا يعني أن تقوم أم في سن الخامسة والعشرين بخنق إبنيها بخمارها حتى الموت؟ وماذا يعني أن يقوم مجرم بقتل عائلة من خمسة أفراد بآلة حادة فيهلك الأب وزوجتيه وابنتيه اللتين لم تكملا الخامسة من العمر؟ وماذا يعني أن لا يحرّك طوفان الجرائم الرأي العام من دولة ومجتمع مدني بأطيافه الدينية والقانونية والتعليمية، حتى يكاد يتحوّل سرد أخبار الموت والتقتيل البشعة للإعلام وتمضية الوقت فقط، وليس لكشف الوجه الذي بدأ يتعفن لمجتمع لم يعد فقط مليئا بكل أنواع الجرائم، وإنما غرق في اللامبالاة وكأن هذه الجرائم المرعبة حدثت في زمن آخر وفي مكان آخر.
وإذا كانت الدولة تعتبر نفسها الرأس المدبّر المُكوّن من مجتمع رأس ماله هم الأفراد، فإننا لا نفهم لماذا لا تتحرك بكل قواها لأجل معالجة المجتمع الذي صار فيه الأفراد يخافون من الظِلال التي تتبع خطواتهم، فما بالك من المجهول الذي صار يفاجئهم بجرائم لا يصدقها العقل، أو ربما المجتمع ضربته العدوى من الرأس الذي أفلس وعفّنه الفساد؟
حالة الموت الكلينيكي التي بلغها جسد المجتمع الذي ما عاد يزلزله خبر حجز عشرة أطنان من المخدرات في عملية واحدة، ولا إبادة عائلة من مجرم سفاح، لم تعد في حاجة إلى سرد مزيد من الفواجع، ولا في تحليل ما يحدث ولا حتى في اقتراح العلاج السريع من سيروم يضمن خفقات القلب، وإنما في مباشرة العمل، حتى لا يهلك المجتمع وتنهار معه الدولة، رغم أن التشخيص يكاد يسحبنا نحو هاوية الحالة الميئوس منها.
الذين انتقدوا بناء المسجد الأعظم، والذين انتقدوا مشروع دار الأوبرا، قد لا يعلمون أن عدد السجون في الجزائر وعدد المحاكم يتضاعف بشكل رهيب، ولا يعلمون أيضا أن عدد المجرمين الذين يسيحون في البلاد بعيدا عن القضاء وغياهب السجون أضعاف عدد القابعين خلف الأسوار، ولا يعلمون ان سنوات عشرية الإجرام لا ينفع فيها وئام ولا مصالحة ولا انتخابات، لأن التي خنقت إبنيها أو الذي ذبح زوجته لا ينتمي لأي تيار ولا أي جماعة، وإنما هو في حد ذاته زعيم شرّ، وعندما تمتلئ البلاد بزعماء شرّ مثل الخلايا المسرطنة والأورام الخبيثة، يصبح القضاء على خلية واحدة شبه مستحيل، فما بلك بكل الخلايا المسرطنة.
ولأن قدرنا أن نتشبث بالحياة وهو خيارنا الوحيد، فإن إعلان حالة طوارئ حقيقية يشارك فيها المجتمع بكل أفراده هو الحل الوحيد، لأجل كبح هذه الزلزلة العظيمة التي أذهلت كل مرضعة عما أرضعت، ووضعت كل ذات حمل حملها، وجعلت الناس من شدة عذاب الجرائم سكارى وما هم بسكارى، ولا يوجد الآن أي خيار سوى الهبة الكبرى، لأن الأمريكيين قالوا أنهم استهلكوا نصف قرن من العمل والصرامة البوليسية والقانونية لإنقاذ شيكاغو من سنوات الإجرام، بينما عجزت ريودي جانيرو عن كبح الجرائم الفظيعة، وهي تطالب السكان بهدنة وليس بمصالحة حتى تتمكن من اجتياز امتحاني كأس العالم والألعاب الاولمبية، ولا نظن أن المجتمع الجزائري قادر على أن يصبر نصف قرن لينجو من الطوفان أو يطلب من المجرمين هدنة وهو لم يتخلص بعد من سنوات الإرهاب وسنوات الفساد وسنوات الضياع؟