معارضون ينقلون الإصلاحات إلى الشارع ويحذرون من التدخل الخارجي
أدى تمسك رئيس الجمهورية بالقوانين المشرّعة للإصلاحات، التي أفرغت من محتواها، حسب الأحزاب السياسية المعارضة، إلى ميلاد مبادرة يدعو أصحابها، الشعب الجزائري إلى تحمل مسؤولياته في إنقاذ بلاده من أخطار التدخل الخارجي، وذلك عبر إرساء إصلاحات تتماشى وموجة الانعتاق الديمقراطي في الوطن العربية.
- المعارضة وبعد أن فشلت في صدّ إرادة تمييع الإصلاحات داخل مؤسسات الدولة، جراء استبداد الأغلبية البرلمانية الواقعة تحت سيطرة أحزاب التحالف الرئاسي، قررت الاحتكام إلى الشارع، من خلال إطلاق حملة لجمع مليون توقيع، تعبيرا عن رفض الجزائريين للإصلاحات بالشكل الذي آلت إليه القوانين المشرعة لها.
المبادرة أطلقتها “جبهة التغيير الوطني”، وهو حزب يوجد قيد التأسيس، أنشق قادته عن حركة مجتمع السلم، هي عبارة عن عريضة تدعو المواطنين الذين “ملوا من التلاعب بالإصلاحات، وينشدون التغيير في إطار الوحدة الوطنية، منعا للتدخل أجنبي”، الذي يجد في سياسة الهروب إلى الأمام المتبعة من طرف السلطة، منفذا لحشر أنفه في الشأن الجزائري.
النقاط التي رفعها أصحاب المبادرة، تنطلق من تشخيص محكم لواقع البلاد، الذي انكفأ إلى ما كان عليه قبل الخطاب الشهير للرئيس بوتفليقة منتصف أفريل الماضي، الذي كشف فيه عن إصلاحات سرعان ما تحولت إلى “إسلاخات”، ولذلك نجد العريضة تطالب بـ”إصلاحات حقيقية تلبي احتياجات الشعب وتتيح الفرصة أمام الشباب للمشاركة الفاعلية في التغيير”.
وتنشد المبادرة “الخروج من الفشل الذي ألحقته أحزاب التحالف الرئاسي بالإصلاحات.. وإحداث ثورة تغيير من خلال صناديق الاقتراع بما يحقق الحرية والعدل”، وبرأي أصحاب المبادرة لا يمر إلا عبر “إقالة من وصفوها الحكومة الفاشلة، ضمانا للنزاهة والمصداقية الانتخابية، وتحقيقا لعدالة المنافسة وشفافيتها، وتأمينا للفعل السياسي من التعسف والتزوير، وتشكيل حكومة حيادية تنظم الانتخابات وفقا للمعايير الدولية”.
ويقول أصحاب عريضة “مليونية الإصلاحات الشعبية.. الشعب يريد..” إن الإصلاحات لا يمكن أن تكتمل إلا من خلال “تعديل جوهري للدستور، بما يؤسس للجمهورية الجديدة والنظام البرلماني ويحمي الحقوق والحريات”، وكذا “توسيع الحريات السياسية وتسريع إجراءات اعتماد الأحزاب بما يتيح للمواطن الاختيار الواسع بين الرؤى والبرامج”، بالإضافة إلى ”تفعيل العدالة في محاربة الفساد وتطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمفسدين”.
وتجد “عريضة المليون توقيع” في التذمر الشعبي والحزبي من الصيغة النهائية للقوانين المشرعة للإصلاحات، سندا لها، فباستثناء حزبي جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين يتناوبان على السلطة منذ 1997، لا يوجد أي كيان سياسي معتمد أو قيد التأسيس، أعلن ارتياحه للإصلاحات، ما يعني فشل السلطة في امتحان إرساء إصلاحات جادة وحقيقية، لا نقول تضاهي تلك التي تعيشها البلدان التي هزتها ثورة الشارع، بل عجزت عن مسايرة حتى تلك التي تلم تشهد ثورة مثل الجارة المغرب، التي تخلّى فيها الملك عن صلاحيات واسعة لصالح الوزير الأول المنتخب، وهو الذي يلقب بـ ”صاحب الجلالة”، ناهيك عن سرعة الاستجابة لمطالب الشارع، التي أصبحت جزءا من الواقع في ظرف وجيز.
أما عندنا في الجزائر فيبدو أن رسالة الشارع التي عبر عنها مطلع العام الجاري، ولو في صورة احتجاج عابر ظاهره اجتماعي، لم تصل كما يجب لأصحابها، وإلا كيف نفسر استمرار الوضع على حاله، بالرغم من انقضاء سنة إلا أسبوعين، فلا الحكومة تغيرت، ولا رؤوسَ سقطت، بل إن الاستخفاف بالشعب وصل حد تسليم الإصلاحات لبرلمان صوت لصالح استيراد “الشيفون” في قانون المالية التكميلي2011 في سبتمبر الأخير، ثم عاد بعد شهرين من ذلك ليصوت في قانون المالية 2012، لمنع استيراد “الشيفون”، لمجرد أن الحكومة أرادت ذلك، فهل يعقل أن تسلم إصلاحات مصيرية لبرلمان فاقد الإرادة كهذا لو كانت نية السلطة جادة حقيقة؟
لقد علق الجزائريون آمالهم في إنقاذ الإصلاحات من الفشل، على ما نسب لرئيس الجمهورية بشأن وعده بالقيام بقراءة ثانية في قوانين الإصلاحات، لكن خطابه خلال زيارته الأخيرة للأغواط، أسقط هذه الآمال في بحر من اليأس، بعد إعلان تمسكه بالإصلاحات حتى بعد تجريدها من مصداقيتها، فما ذا بعد؟