معركة جمل.. جديدة
يقول الكاتب الراحل عباس محمود العقاد إنه كلما قرأ عن معركة الجمل أومعركة صفين في صدر الإسلام، إلا وشعر بالحزن، لأن حب الزعامة جرّ بعض المسلمين إلى ارتكاب أخطاء بلغت درجة التقاتل. وشارك في هاته المعارك مُبشّرون بالجنة، مثل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وكبار الإسلام مثل علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وبلال بن رباح ومعاوية بن أبي سفيان، وقادت أم المؤمنين عائشة بنت الصديق جيشا قتل وقُتل منه رجال. ويفضل غالبية المؤرخين المسلمين والفقهاء عدم الخوض في الفتنة الكبرى التي أدّت إلى إبادة أحفاد رسول- الله صلى الله عليه وسلم- وزرع نبتة الفتنة التي مدّت أغصانها وقسمت المسلمين، والسير على خطى الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، الذي اعتزل الناس حتى لا يكون قطرة دم في بحر الفتنة. ولكن معركة الجمل عادت الآن، ولا يبدو أن لها نهاية، والذين قالوا إن عدد المسلمين قد جاوز المليار ونصف مليار نسمة، عليهم أن يصححوا إحصاءهم بعد أن أفتى بعض علماء الشيعة بكفر أهل السنة، وبعد أن أفتى بعض أهل السنة بكفر أهل الشيعة، فصار أشد الناس عداوة للذين آمنوا، إما أهل السنة أو أهل الشيعة حسب المفهوم الجديد. ولا أمل في أن يستعمل هذا الطرف أو ذاك عقله، فالسيف هو الحل في سوريا ولبنان والعراق.. وحتى في مصر.
لا نفهم لماذا يصرّ أهل الشيعة أن يبقوا شيعة لعلي بن أبي طالب فقط، رغم مرور أربعة عشر قرنا من اغتياله وليس شيعة لرسول الله صاحب النبوة، ولا نفهم لماذا يصرّ أهل السنّة أن يبقوا يزعمون اتباع السنة وهم الذين فرّطوا في الفرائض ومنها الجهاد لاسترجاع مسرى رسول الله، ويتفرقون بين وهابية وسلفية، ولا يدافع هؤلاء عن الاسم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام الحنيف من عهد النبي إبرايهم وآله، وعهد محمد وآله.
ولا نفهم لماذا لم نسمع عن أي فتوى بتكفير الشيعة، عندما كان يقود إيران الشاه محمد رضا بهلوي صديق أمريكا وحامي إسرائيل، وعندما كانت فرنسا تتحكم في لبنان، ولم نسمع عن قذف في عرض أم المؤمنين عائشة وضرّتها حفصة بنت الخطاب وعن لعن للصديق أبي بكر والفاروق عمر بن الخطاب، عندما كانت البلدان السنية تحت إمرة فرنسا وبريطانيا وغيرها من القوى الاستعمارية.
أن يزعم الشيعة بأنهم يدافعون عن آل بيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهم يفتحون القنوات ويرمون بسهامهم في سوريا والعراق وأفغانستان، وأن يزعم أهل السنة، بأنهم يدافعون عن أم المؤمنين وعن صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، فذاك ما لا يصدقه عاقل، لأن من هو أرفع من آل البيت ومن صحابة رسول الله، تدنس ذاكرته في القدس الشريف بل وفي بلاد الإسلام جميعا حيث يسيء الأفراد والمجتمعات مع سبق الإصرار والترصد إلى النبي الكريم وإلى خالقه دون أن تتحرك شعرة واحدة من هذا المليار ونصف المليار نسمة.