-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معنى نظام “سويفت”

بقلم: د. أحمد لطفي شاهين
  • 1399
  • 0
معنى نظام “سويفت”

نتج عن الأزمة الحالية الناتجة عن الاجتياح الروسي لأوكرانيا عديد التحديات أمام الاقتصاد الدولي عموما، وظهر ذلك واضحاُ في ارتباك أمريكا وحلفائها في تحديد نوعية العقوبات الاقتصادية الواجب فرضها على روسيا لردعها عن اجتياح أوكرانيا. ورغم فرض عقوبات اقتصادية متصاعدة على روسيا، إلا أنها لم تصل إلى حد استخدام “السلاح النووي المالي” وهو منع الجهاز المصرفي الروسي من التعامل بنظام “سويفت”.. وهو نظامٌ ماليٌّ عالمي حديث جاء بديلا عن نظام “تلِكس” القديم. ويسمح نظام “سويفت” بانتقال سلس وسريع للمال عبر الحدود. وكلمة سويفت – SWIFT- هي اختصار لـ

Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunications

ومعناها “جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك”، وقد بدأ العمل في هذا النظام عام 1973 م، ومركز هذه الجمعية بلجيكا، ويربط نظام “سويفت” أكثر من 11 ألف بنك ومؤسسة في أكثر من 200 دولة، وهو نظام مراسلة إلكتروني يعمل بطريقة ترميز مشفّرة يتم من خلالها أكثر من 42 مليون عملية تحويل مالي يوميا، وهو نظامٌ دقيق يخبر المتعاملين والمتداولين بموعد إرسال المدفوعات وتسلّمها وتسليمها.
ويعدُّ “سويفت” نظاما دوليا للتحويلات المالية بين البنوك، وبين الشركات الكبرى والبنوك، ويتم من خلاله تداول تريليونات الدولارات بين الشركات والحكومات مقابل صفقات تجارية وأقساط القروض ومستحقات الديون وغيرها، ما يجعل حركة التجارة العالمية والمعاملات المالية تتم بسرعة وسهولة وأمان…

نظام “سويفت” مرتبط بالدولار الأمريكي، لذلك استطاعت أمريكا أن تتحكم فيه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 المُفتعلة، والتي استثمرتها بشكل خطير بعد نشرها لمصطلح “الإرهاب”، إذ تمكّنت أمريكا من فرض رقابة شديدة على نظام “سويفت” وجعلت كل تحويلات النظام تمرّ عبر طرفٍ ثالث، وهو أحد البنوك الأمريكية، بحجة “محاربة تمويل الإرهاب”.

لكن نظام “سويفت” مرتبط بالدولار الأمريكي، لذلك استطاعت أمريكا أن تتحكم فيه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 المُفتعلة، والتي استثمرتها بشكل خطير بعد نشرها لمصطلح “الإرهاب”، إذ تمكّنت أمريكا من فرض رقابة شديدة على نظام “سويفت” وجعلت كل تحويلات النظام تمرّ عبر طرفٍ ثالث، وهو أحد البنوك الأمريكية، بحجة “محاربة تمويل الإرهاب”.

ومن ثمة، فإن منع أي دولة من التعامل عبر نظام “سويفت” يعني عزلها كليا عن نظام المدفوعات الدولي وعدم قدرتها على تمويل وارداتها من السلع والخدمات وصعوبة حصولها على ثمن صادراتها من السلع والخدمات أيضا، وخيرُ مثال على ذلك إيران عندما أقرّت الإدارة الأمريكية إخراجها من نظام “سويفت” في عام 2018، إذ أدّى ذلك إلى خسارة إيران ثمن نحو 50% من صادراتها من النفط و30% من حجم تجارتها مع العالم. والأمر نفسه طبَّقته أمريكا على العراق وليبيا.

وفي الأزمة الحالية لم تصل العقوبات الاقتصادية على روسيا إلى حد عزلها عن نظام “سويفت”، ولازالت أمريكا تهدد روسيا بذلك، ولكن هذه العقوبة هي سلاحٌ ذو حدين لأنه بقدر تأثيرها السلبي على الاقتصاد الروسي، ستكون لها تأثيراتٌ عكسية على اقتصادات الاتحاد الأوروبي  وأمريكا وعلى اقتصادات الدول النامية أيضا؛ فالاقتصاد الروسي، الذي يعدّ الاقتصاد العاشر عالميا، يتمتع بمزايا قويّة وارتباطات واسعة في العلاقات والمصالح التجارية والمالية مع دول أوروبا تحديدا ومع معظم دول العالم بشكل عامّ، ونأخذ على سبيل المثال لا الحصر ثلاث سلع إستراتيجية هي الغاز والنفط والقمح، والتي تتمتع فيها روسيا بوفرة ومزايا نسبية عالية في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى سلع أخرى مثل البولديوم والألمونيوم وغيرها، إذ أن أكثر من 40% من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي يأتي من روسيا في أنابيب تمتد عبر أوكرانيا أو بحر البلطيق، وفرضُ العقوبات الاقتصادية على روسيا بإخراجها من نظام “سويفت” سيقود إلى أزمة كارثية لقطاع الطاقة في دول الاتحاد الأوربي، لأنها ستفتقد للوسيلة السليمة لتسديد التزاماتها تجاه روسيا مقابل مشترياتها من الغاز، وبالمقابل ستوقف روسيا إمدادات الغاز مسبِّبة أزمة في الطاقة وأزمة اقتصادية حادة وسيتوقف النشاط الصناعي والخدماتي، ما يؤدي إلى ارتفاع معدّلات التضخّم والبطالة وقطع الكهرباء عن مناطق كثيرة في أوروبا في هذه الأجواء الباردة، وهذا الأمر قد يُسقط عددا من الحكومات على أساس أنها أهملت إيجاد البديل في عملية التخطيط، وأهملت الاحتياطي الاستراتيجي أيضا.

وروسيا هي ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بمعدل 11 مليون برميل يوميا، وأكبر أسواق النفط الروسي هي دول الاتحاد الأوروبي، ويشكل النفط الروسي نحو 27% من احتياجاتها السنوية، كما أن روسيا تأتي في المركز الثالث لتزويد السوق الأمريكية بالنفط الخام، وإذا تم منع روسيا من نظام “سويفت” ستتوقف الصادراتُ الروسية من النفط وسترتفع أسعار النفط في العالم كله، وقد تلجأ روسيا إلى بيع النفط بنصف الثمن لأيِّ مشتر وبأي وسيلة، وسيكون لذلك آثار سلبية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في أوروبا وأمريكا والعالم كله وسيهدّد أيضا بإسقاط حكومات واقتصادات.

أما القمح، فإن روسيا من أكثر الدول المنتِجة والمصدِّرة له في العالم، ويصدَّر القمح الروسي إلى معظم دول العالم لجودته وأسعاره المنافِسة مقارنة بالدول المصدِّرة الأخرى، وإذا تم فصل روسيا عن نظام “سويفت” سيتوقف تصدير القمح إلى الدول المستورِدة وسيؤدي إلى ارتفاع سعر الخبز في العديد من دول العالم، وهذه الأمور تحتاج إلى عدة شهور لتحدث إذا استمرت المشكلة الروسية الأوكرانية.. وتحتاج إلى عدة شهور لإيجاد بدائل عن الاستيراد من روسيا.

لذلك، فإنَّ استخدام عقوبة فصل روسيا من نظام “سويفت”، يعني أن أمريكا وأوروبا استخدموا الخيار الأخير من العقوبات وهو أشبه بالخيار النووي، وأنه لديهم الاستعداد لتحمل نتائج فصل روسيا وتأثيراته العكسية على الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم وفي البلدان الأخرى، وأنهم مستعدون لتحمّل جزء من أعباء الأزمة والمعركة التي تخوضها أوكرانيا بمفردها حاليا أمام جيش روسي متفوق عسكريا وعدديا وعدة وعتاد.

ورغم أن روسيا هي ثاني أكبر بلد في العالم تتعامل بنظام “سويفت” لكن يبدو أنها وضعت في حساباتها هذا النوع من العقوبات ورتبت أوضاعها منذ أحداث 2014 بعد سيطرتها على شبه جزيرة القرم، وقامت البنوك الروسية ببناء نظام تحويل مالي خاص بها يسمى Spfs  كبديل عن “سويفت” وربطته مع النظام الصيني Cips ويمكن أن تكتفي بالتبادل التجاري مع الصين ودول أخرى ومجموعة “البرِكس” والتي تتشكل من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا لكن نجاح هذه الأنظمة البديلة يعتمد على حجم التبادل التجاري والتعاملات الخارجية وهي أمور تحكمها حاجة الشعوب التي ستدفع الحكومات للاستيراد من روسيا بصرف النظر عن السياسة والمعارك  ..

ختاما وعلى هامش المقال فقد أطلقت روسيا عملات رقمية خاصة بها مثل “الروبل الرقمي” و”غولوز” وغيرها وذلك قبل اجتياح أوكرانيا بفترة طويلة استعدادا للقادم ومن باب التخطيط المستقبلي والبديل ويبدو أن روسيا تخطط لهذه الحرب منذ عدة سنوات وهي مهتمة بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأساسيات وهذا الأمر متوفر في روسيا وبامتياز، وبالتالي فإن روسيا مستعدة اقتصادياً لخوض الحرب وإن فرض ذلك النوع من العقوبات سيزيد من التعاون الوثيق بين روسيا والصين كونهما يشكلان حلفا استراتيجيا وقد تتدحرج الأمور إلى الأخطر اذا قامت الصين باجتياح تايوان.

إن فصل النظام المصرفي الروسي من نظام “سويفت” -إذا تم – سيكون له تداعيات عاجلة ومباشرة على الوضع الاقتصادي الروسي وعلى الاقتصاد العالمي كله خصوصا امريكا وأوروبا والتي لازالت تستورد الغاز والنفط والقمح من روسيا رغم ما يجري على الأرض من معارك ورغم اشتعال الحرب “الإعلامية” وتحتاج هذه الدول إلى عدة شهور لايجاد بدائل عن المصدر الروسي  في الغاز والنفط والقمح وخلال هذه الشهور قد تسقط حكومات وقد تحصل مجاعات في دول بعيدة عن ساحة الحرب ولا يعلم حقيقة هذه الحرب الا الله ثم من خططوا لها من تحت الطاولة.. ونرجو أن لا تدفع الثمن شعوب الدول النامية فهي للأسف الحَلقة الأضعف في المعادلة الدولية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!