-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
لغز تاريخي بحاجة إلى من يفك شفرته

مغارة “أڤريون” بخراطة… حكاية المعبد المسجون في قلب البابور

ع. تڤمونت
  • 1583
  • 0
مغارة “أڤريون” بخراطة… حكاية المعبد المسجون في قلب البابور
ح.م

في أعماق جبال البابور، حيث يصمت الشجر ويتكلم الحجر، تقبع مغارة “أڤريون” التي ليست مجرد فجوة في جبل، بل هي معمار كنسي نُحت بدقة قبل قرون، لكن ما الذي يفعله “مذبح بدائي” في غرفة معزولة تحت الأرض؟ ولماذا قرر جندي من القرن التاسع عشر أن يترك توقيعه بحربة حادة فوق إرث الوندال الذي يختزل ألف عام من الأسرار؟
تعتبر مغارة “أڤريون” أو كما يعرفها سكان المنطقة محليا باسم “ثافالوت نتروميث”، واحدة من أكثر المعالم الأثرية غموضا وإثارة للدهشة في مرتفعات خراطة ببجاية وجبال البابور، فهي تتجاوز بتركيبتها الهندسية كونها مجرد تجويف صخري طبيعي شكلته عوامل التعرية، لترتقي إلى مصاف العمارة الأثرية المنحوتة التي تعكس تدافع الحضارات وتراكم الهويات عبر العصور، وتشير في هذا الصدد بعض المراجع والمعطيات التاريخية والوصف الدقيق للمعلم إلى أنه يمثل كتلة صخرية ضخمة طوعتها يد الإنسان بعناية فائقة لتأخذ هيئة معمارية وظيفية، حيث يرجح الباحثون أنها تعود إلى القرن الرابع ميلادي، وهي الحقبة التي شهدت الوجود الوندالي في شمال إفريقيا، فهذا المعلم الصخري الذي يتخذ شكل “كنيسة صغيرة” أو مصلى صخريا، وربما معبدا وثنيا قديما، يبرز مهارة الإنسان القديم في استغلال الطبيعة الصماء لتحويلها إلى فضاءات طقوسية وروحية متكاملة.
وما يزيد من القيمة الأثرية لمغارة “أڤريون” تكامل وحدتها الهندسية، حيث تؤكد التقارير الميدانية وجود غرفة غامضة تقع تحت الأرض، مباشرة أسفل الكتلة المنحوتة، يتوسطها “مذبح بدائي” منحوت في قلب الصخر، هذا المذبح لا يمثل مجرد أداة طقوسية، بل هو المركز الهندسي الذي تدور حوله فكرة الموقع كمكان للتعبد أو تقديم القرابين، مما يجعل من المغارة وحدة معمارية وطقوسية متناغمة نادرا ما نجد مثيلا لها في المنطقة، غير أن هذا العمق التاريخي، الذي يمتد لآلاف السنين، قد تداخل مع أحداث تاريخية أقرب عهدا، حيث كشف الدليل البصري داخل المغارة عن وجود نقوش باللغة اللاتينية حفرت بأدوات حادة، وعلى الرغم مما تعرضت له هذه الكتابات من تخريب وعبث بفعل الزمن، إلا أنها لا تزال تحتفظ بوضوح بملامح اسم شخص أو ربما تسمية لكتيبة عسكرية، يتبعها تاريخ محدد بدقة هو عام 1864.

مفتاح أساسي لفك اللبس
إن هذا التاريخ يمثل مفتاحا أساسيا لفك اللبس الذي قد يقع فيه الزائر، إذ أن تشابه رسم الحروف اللاتينية مع الحروف الرومانية القديمة قد يوحي بعراقة النقش، لكن التاريخ المدوّن يظل هو الفيصل القاطع في تحديد الحقبة، ففي عام 1864، كانت منطقة البابور وخراطة مسرحا لأحداث تاريخية كبرى ومقاومات شعبية شرسة ضد الاستعمار الفرنسي، والمرجح أن هذا النقش يعود لجندي فرنسي مرّ من هذا المكان أو تحصن فيه، تاركا أثره الشخصي المحفور ليكون شاهدا على مروره العابر في ظل صراع وجودي طويل.
وهكذا، تظل مغارة “أڤريون” كتابا مفتوحا من الصخر، يروي في فصوله الأولى قصص المتعبدين في العصور الغابرة، وفي حواشيه حكايات الجنود والعابرين، لتؤكد أن كل خدش على جدرانها هو بصمة إنسانية عصية على النسيان، وشاهد حي على تعاقب الأمم التي اتخذت من هذه الجبال ملاذا ووطنا.
وليست اليوم مغارة “أڤريون” مجرد حجارة صماء، بل رسالة مشفرة بعث بها الأقدمون وتلقفها العابرون، لتبقى معلقة بين جبال البابور كعلامة استفهام كبرى، فبين هندسة القرن الرابع التي تنطق بالقداسة، وتوقيع عام 1864 الذي يفوح برائحة البارود، يجد الباحث نفسه أمام طبقات من الزمن متراكمة فوق بعضها البعض، فلقد كانت النقوش اللاتينية جزءا من اللغز، لكن المذبح الغامض القابع في عتمة الغرفة السفلية لا يزال ينتظر من يغوص في أعماق الهوية الأثرية للموقع، في حين ستبقى “ثافالوت نتروميث” شاهدا حيا على أن الأرض لا تنسى زوارها، وأن كل خدش على جدرانها هو نداء صامت يدعونا لإعادة قراءة تاريخنا المنسي بعيون أكثر عمقا وفضولا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!