مفبركة أم عفوية؟
تعود ذكرى أحداث أو مثلما سماها البعض “ثورة” أو “انتفاضة” 5 أكتوبر 1988، لتصطدم بجملة من المعطيات والحركية، هي في جزء من فصولها، شبيهة أو متشبّهة، بالإرهاصات التي عاشها الجزائريون قبيل تلك المرحلة الحاسمة والحازمة في تاريخ الجزائر المعاصر.
..الذين لم يعيشوا تلك الأحداث المأساوية، أو لم يبحثوا عن أسبابها، خلفياتها، تداعياتها، أهدافها، أطرافها وضحاياها، وأيضا مصائبها ومكاسبها، أنهم لم يلمسوا تلك “الجمرة” التي أحرقت أيادي البعض، وألهبت نوايا البعض الآخر، فكانت 5 أكتوبر، البداية ولم تكن النهاية أبدا، مثلما اعتقد محللون ثبت في ما بعد أنهم لم يفهموا ما حدث بالضبط!
الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، اتهمه البعض بأنه من “حرّض” الغاضبين الذين كانوا ينتظرون الإشارة، على الخروج للشارع في خطاب شهير ألهبهم قبل الخامس أكتوبر، وهو الشاذلي نفسه، من أطفأ نيران الغضب، بخطاب شهير آخر في العاشر أكتوبر 88، حوّل التكسار والنار التي أحرقت الشارع، إلى “مسيرات” منادية بحياة الرئيس، بعد ما قال: “لصالح من هذا”؟
ظاهريا 5 أكتوبر الذي اندلع بشرارة “سوناكوم” وزاد لهيبا والتهابا وانفجارا في “باب الواد الشهداء”، كان وراء تعجيل ميلاد التعددية و”الديمقراطية”، ولو بعملية قيصرية، سلـّم الحزب الواحد والحاكم، أنذاك، شهادة وفاته، ودشـن مرحلة “إصلاحات” يرى متابعون أنها لم تنته إلى اليوم بعد 25 سنة من الإعلان عن انطلاقها داخل دواليب الحكم وخارجها!
ما سماه البعض بذبح الراحل الشريف مساعدية وتعويضه بالراحل عبد الحميد مهري، على رأس أفلان عهد التعددية والانتخابات المفتوحة، وتعيين مولود حمروش لقيادة باخرة الإصلاحات، لم تنته بسلام، فقد ظهر “جسم غريب” أنذاك أطلق عليه مؤسسوه: الفيس الذي ظهر في خضمّ ظهور عشرات الأحزاب التي لم يأكل منها الجزائريون الخبز، مثلما لم يطلبها الشباب المتظاهر في 5 أكتوبر 1988!
الأحداث الخطيرة التي قال بعض الفاعلين أنها “مفبركة”، وقال المشاركون فيها أو المُستدرجون إليها، أنها “عفوية تلقائية”، لم تتوقف عند باب التعددية والرقص والغناء احتفاء بمولود بهيّ الطلعة سميّ بالديمقراطية، حيث سرعان ما انقلبت وتطوّرت الأحداث، ودخلت الجزائر في نفق مظلم، كانت بعض عناوينه توقيف المسار الانتخابي، قبل أن تندلع عمليات إرهابية استهدفت الجزائر في أمنها واستقرارها ووحدة شعبها وسيادتها.
5 أكتوبر أطاح بالشاذلي في ذات ليلة باردة من جانفي 1991، وفتح الباب للبحث عن مخارج نجدة، كانت بتأسيس المجلس الأعلى للدولة، برئاسة المجاهد محمد بوضياف، الذي عاد من المغرب، كرئيس للدولة، قبل أن يُغتال بعنابة بعد نحو 6 أشهر من توليه رئاسة المجلس الخماسي الذي استخلف خليفة الهواري بومدين.
واستمرت رياح 5 أكتوبر في الهبوب، فقرأت العاصفة تعيين الجنرال اليامين زروال رئيسا للدولة، في ندوة الوفاق الوطنية، سنة 1994، قبل أن يُنتخب رئيسا للجمهورية في 1995، ويُغادر “مستقيلا” قبل 1999، ليخلفه عبد العزيز بوتفليقة.
..جاحد من قال بأن 5 أكتوبر انتهى، فالآثار متواصلة، ولعلّ الرسالة التي وجهتها 18 شخصية سياسية وتاريخية، للرئيس الشاذلي، بعد أحداث 88، تؤشـّر إلى أن تلك الأحداث ما هي فقط إلا البداية وليست النهاية!