-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ملاحظات حول الخلاف بين وزارة التربية وبين النقابات

عمر أزراج
  • 2332
  • 0
ملاحظات حول الخلاف بين وزارة التربية وبين النقابات

في بحر هذا الأسبوع اهتمت الصحافة الوطنية بتغطية أوجه الاختلاف بين وزارة التربية الوطنية وبين النقابات حول وثيقة ميثاق أخلاقيات المهنة، وبهذه المناسبة أريد تقديم بعض الملاحظات السريعة قصد النظر في بعض المشكلات التي يعاني منها هذا القطاع. إن المشكلة الأولى إجرائية وتتمثل في اعتقادي في العودة مرة أخرى إلى حصر مناقشة قضية التعليم في مؤسسة وزارة التربية والنقابات التي يبدو أنها ترصد بعض مشكلات هذه المنظومة.

إن البديل في تقديري هو فتح النقاش الواسع بمشاركة   الوزارة المسؤولة على هذا القطاع، والنقابات، وتنظيمات وجمعيات المجتمع المدني، والمثقفين، وأجهزة الاعلام، والباحثين في الشؤون البيداغوجية والبرامج، والأدباء، والسياسيين وإطارات التعليم العاملة في هذا الحقل وذلك من أجل التحاور حول الكيفيات العلمية التي بموجبها نعيد النظر جذريا في واقع هذه المنظومة وحصر أوجه النقص فيها ومن ثم رسم التصور الكامل والمتطور للخطوط العريضة للمضامين الأكثر حداثة ووللوسائل وللطرائق التي يتم بواسطتها تحقيق الإقلاع التعليمي / التربوي الذي يضمن لنا ربح رهان النهضة التعليمية الحديثة والعصرية التي تمثل الشرط الجوهري لأي تحول ثقافي وفكري واجتماعي واقتصادي وسياسي.

أما المشكلة الثانية المطروحة فتتعلق بالفلسفة العامة الواضحة للمنظومة التربوية المفقودة عندنا وخاصة ما يتصل جوهريا بربط هذه المنظومة بالتنمية الفكرية والفنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، والسياسية. إنه لحد الآن لا يوجد لدينا هذا الربط المصيري الذي بدونه يبقى التعليم مجرد معلومات محضة معلقة في الفراغ ومعزولة عن أي مشروع وطني متكامل ومحدد المعالم ومفتوح على الإبداع والإضافات.

 وبهذا الخصوص فإن التعليم عندنا ينحصر بشكل عام في ما يسميه المفكر مصطفى صفوان في معرفة بنية اللغة، أو الآلة، أو الظاهرة الاجتماعية أو العلمية، أو حتى الظواهر الثقافية والفكرية، والسياسية علما أن بنيات هذه الأمور المذكورة وغيرها ليست هي اللغة، أو الآلة أو الثقافة أو الظواهر المذكورة.

يقول مصطفى صفوان: إن بنية اللغة ليست هي اللغة. يمكن مقارنة من يتعلم لغة معينة بذاك الذي يمكن أن يقول شيئا بصدد فن الخياطة، من دون أن يمتلك كفاءة الخياطة هو نفسه. يذهب ابن خلدون إلى القول إن هذا المتعلم لديه معرفة بملكة الكلام، ولكنه يفتقد هذه الملكة ذاتها أي أنه يفتقد ما سماه مالك بن نبي بالفاعلية. وهكذا نرى أن النقاش ينبغي أن ينصب على الكيفية التي بمقتضاها تتمكن الأجيال في مؤسساتنا التعليمية من الانتقال من “حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء” وفقا لمقترح المفكر زكي نجيب محمود وهذا الانتقال مشروط طبعا بالعمل على بإتقان علوم الصنائع المادية وبالشبع بما أسميه بصناعات الروح والفكر والأخلاق والجماليات وتقنيات أسلوب الحياة المتحضرة.

في هذا السياق ينبغي التمييز بين التعليم الشكلي والحصول على الشهادات وبين تثقيف وبناء فكر الأجيال الناشئة، فالأول هو مجرد عملية حشو وتكديس للمعلومات والمعارف التي تبقى مجرد طلاء خارجيا، أما التثقيف التربوي فيعني تكوين وتربية وصنع العقل النظري والعملي، ورأسمال الفاعلية في النسيج الداخلي للشخصية القاعدية للطلاب والطالبات، وغرس الأخلاقيات الحضارية والتمدن وجعلها أسلوب الحياة اليومية التي تميز مجتمعنا بين الشعوب وثقافاتها.

لاشك أن هذه التصورات الشروط لا تستقيم ولا تحدث تحويلا حداثيا في مجتمعنا إذا لم نقم بمراجعة جذرية لمنظومتنا التعليمية بما يجعلها مؤسسة على “الروح الوطنية” والمرجعيات المشكلة لخصوصية هذه الروح. إن معظم النصوص التي تدرس في تعليمنا مستوردة من الخارج وألفها أجانب عبروا فيها عن مجتمعاتهم وهوياتها وخصوصياتها التاريخية، والاجتماعية وعن حساسياتها الثقافية وأساليبها في الحياة وكأن الجزائر ليس لها أدباؤها ومفكروها ورموزها العلمية، والحضارية، والاجتماعية والفنية ونصوصها الناطقة بهويتها وفرادتها التاريخية.

إن تعليما من دون هوية وخصوصية يفضي حتما إلى ترجمة أجيالنا من الطلاب والطالبات إلى ثقافات وهويات أجنبية تكرس لديها اغتراب شخصيتهم. وبهذا الخصوص أقتطف هذا النص الذي تضمنته رسالة بعث بها الفيلسوف الألماني هيجل إلى صديقه يوهات هايزبيك فوس وذلك في شهر مارس من عام 1805م لعلنا نأخذ منها العبرة وجاء فيها ما يلي: “لقد جعل لوثر الكتاب المقدس يتكلم الألمانية، وقمت أنت بالشئ نفسه مع هومر (هوميروس)، وهذا أعظم هدية تقدم إلى شعب، وذلك أن شعبا ما يبقى متوحشا ولا يرى أن ما هو رائع في مجال معرفته ينتمي إليه انتماء حقَا ما لم يعرف ذلك بلغته الخاصة.

وإذا تكرمت بالتغاضي عن هذين المثالين فإنه يمكنني أن أقول عن مسعاي: “إنني سأعمل على جعل الفلسفة تتكلم اللغة الألمانية”. ونتساءل مرات أخرى: ما هي الأهداف الكبرى لمنظوماتنا التربوية؟ وهل أنجزت الإنسان الجديد، والفاعل، والحداثي والديمقراطي؟ وهل أسسنت جماليات السياسة وأخلاقياتها المتحضرة؟ وهل حققت التنمية العصرية؟ إذا كان الجواب بنعم فأين كل هذا؟ وإذاك بلا فما العمل إذن؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • جزايري

    القبعة تحكي ابلغ من القلم يا صاحب القبعة
    ... الهوية ونحن لانقيم وزنا لأعظم عناصرها الذي هو الإسلام ووعاؤه اللغة العربية....
    وزارة تقوم عليها من لا تحسن حتى الدارجة العامية ولم نسمعها يوما تذكر الله تعالى ...

  • مواطن

    وما زلنا نطالب به لما ننادي بإعادة تفعيل المجلس الوطني الأعلى للتربية والتعليم.تبقى قضية اللغة التي تلازم كل عمليات التواصل الأساسية في العمل التعليمي لتساهم في بناء الشخصية الوطنية ومنح المتعلم وسائل التعبير السليم الذي يؤسس للفكر السليم.

  • مواطن

    خاصة رجال الأعمال والمصانع قبل كل شيء والثقافية والاجتماعية والعلمية ومنها ممثلو الشعب المنتخبون بينما يمثل الأسرة والتلاميذ ممثلو أولياء التلاميذ المنتخبون وممثلو الطلبة والثانويات العامة والتقنية.أما وزارة التعليم والأخصائيون في ميدان التربية والتعليم وممثلو أسلاك التعليم فهم يمثلون الطرف الفني الذي يقدم الخدمات المطلوبة وفق ما اتفق عليه.ليست المدرسة كيانا منعزلا عن المجتمع ولا هيئة تعرض بضاعتها للسوق وإنما هي منظومة تقدم خدمة وفق الطلب.هذا الذي كنا وما زلنا نطالب به لما ننادي بإعادة تفعيل ...

  • مواطن

    فهم القرآن والحديث الشريف عامة.منذ القرن 19 ظهرت علوم التربية والتعليم وانطلقت البحوث في علم النفس ثم علم الاجتماع للتجاوب مع التطور العلمي وسد حاجيات الصناعة ثم التكنولوجيا وتفطن المختصون إلى ضرورة تطوير أساليب التعليم والطرق التربوية داخل المدرسة لتتماشى والسباق الحضاري.من ذلك كله استنتجوا أن المدرسة لا يمكنها أن تعمل خارج متطلبات المجتمع ولا بمعزل عن رغبات الأسرة ولا قدرات كل عنصر من تلاميذها.أما متطلبات المجتمع فهي تلك الصادرة عن ممثلي مختلف القطاعات الاقتصادية خاصة رجال الأعمال والمصانع....

  • مواطن

    بقيت هذه الخطة فعالة إلى أن طغى عليها الفكر الفلسفي اليوناني الذي اعتبر تقديم الخدمات من صلاحيات العبيد عموما بينما تخصص الثقافة بأنواعها الفلسفية والمعرفية من شـأن المواطنين الأحرار.ثم احتكرت الكنيسة ميدان التعليم وكان هدفها تلقين طبقة ضيقة من النبلاء والأغنياء مبادئ اللاهوت بينما لا يتعلم باقي أفراد المجتمع من الأولياء إلا الحرفة التي سوف يمتهنها في كبره.أما العالم الإسلامي فتركز التعليم على حفظ القرآن الكريم وما يحتاج إليه من كتابة وقراءة وعلوم اللغة الغربية ليتوصل إلى فهم القرآن والحديث..تبع

  • مواطن

    العرض صورة مجملة لما يتخيل الكثير من القائمين على تعليم أبناء وطننا اليوم بينما حقيقة الأمر أن المجتمعات البدائية لما اهتمت بتعليم صغارها كانت تقصد تهيئتهم إلى دخول مرحلة يصبح فيها الشخص فعالا في مجتمعه فيقدم له أفراد أسرته أو قبيلته ما يحتاج إليه من تقنيات الحرف ليلعب الدور المنوط به كغيره من الناس.فتطورت الاحتياجات وفق التطور الحضاري والحاجة إلى التخصصات المتعددة فتكونت المدرسة وحددت البرامج المتدرجة وفق قدرات الفرد المتعلم باعتبار سنه لتنتهي مرحلة التعلم وفق حاجة المجتمع.بقيت هذه الخطة...يتبع

  • رشيد - Rachid

    في رأيي المشكلة تبقى دائما مشكلة أشخاص وليست مشكلة برامج أو نقاشات أو قرارات.

    أظن أن الدور الأكبر اليوم يقع على عاتق الطبقة المثقفة -بدءا بكم سيد أزراج- لمخاطبة وتنوير العقول وتوجيهها إلى الطريق الصحيح.

    غالبية الجزائريين اليوم هم أفراد متعلمون والحمد لله، لكن نحن بحاجة إلى أكثر من التعليم، نحن بحاجة إلى التوجيه، بحاجة إلى ترسيخ الأفكار البناءة وطمس الأفكار الهدامة... بحاجة أيضا إلى ترسيخ الأفكار التي تغلّب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة...

    أظن أنها مسؤوليتكم قبل أي شخص آخر.

  • وليد

    أنا شخصيا لاأوافقه في أطروحاته . لكن يجب علينا إحترام الرأي الأخر

  • وليد

    أنا شخصيا لاأوافقه في أطروحاته . لكن يجب علينا إحترام الرأي الأخر

  • الفاهم

    إذا كان هذا الصعلوك أستاذك فبئس أنت وتبت الأستاذية

  • الجزائرية

    تابع:مع العلم أن التغيير لا نراه إلا بعد جيل كامل.و الحقيقة أن الدولة قد وفرت الوسائل من حواسب وداتاشو وتجهيز وأموال لا يمكن وصفها لكن التسيير و الصيانة و الرقابة لاتزال بعيدة عن الواقع.فالتسيب و اللامبالاة هي سيدة الموقف للأسف.للحق نقول أن دور المدرسة هو تكوين المواطن الصالح للمجتمع أما الطبيب و المحامي و المهندس و الصحفي...فتجتمع عوامل إضافية لتنشئته وهي الإستعداد الذاتي للمتعلم و قدراته العقلية و دور الأسرة و المحيط عموما ثم تكمل المدرسة التربية السلوكية و القيم مع المسجد و التلفزيون وغيرها.

  • الجزائرية

    في 2003 بدأتطبيق برنامج رئيس الجمهورية الخاص بالإصلاح التربوي.و قد تضمن إعادة النظر في المناهج والبرامج والطرائق البيداغوجيةومن هنا جاءت فكرة التعليم ـ تعلم و تطبيق مقاربة الكفاءات تعليما وتقويما وهي لاتبتعد عن فكرتك أستاذنا إذ تنطلق من دفع المتعلم على تجنيد موارده المعرفية والمهارية والسلوكية و الوجدانيةلحل مشكل أو إشكالية و تدفعه إلى التفكير بدل الحفظ و من ثم ترقية مهارات ذهنية عديدة ليصل بعدها إلى القدرة على إبداء رأي.و قد نجحت في الكثيرمن المواد دون أخرى تبعا لمستوى المفتش والأستاذ .

  • ثقافة ومعارف

    نشكرأستاذنا الفاضل والذي نحبه كثيرا ونعتز بما يكتب لأنه ينطق من الصميم ولا يجامل....أضيف الى ماذكرت وحبذا لو ضمنته مقالك حسبما يدل عليه المثل العربي: فاقد الشئ لا يعطيه... ماذا يفيد استاذ جامعي في علم الاجتماعي أو اي علم آخر في ميدان التربية ولتلميذ السنة الأولى ابتدائي على سبيل المثال؟ أو ضابط سامي لنفس تلميذ السنة الأولى ابتدائي أو حتى الثالثة ثانوي؟..... والمثل يقول أهل مكة أدرى بشعابها. فعندما يتم تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب تعطي التربية أكلها