-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تسويق الدين عبر عدسات الهواتف

ملتزمات يهجرن بيوت الله حفظا للخصوصية والستر

نسيبة علال
  • 221
  • 0
ملتزمات يهجرن بيوت الله حفظا للخصوصية والستر

 لم يعد الفضاء الديني بمنأى عن التحولات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على سلوك الأفراد، على اختلاف قناعاتهم. فقد برزت مؤخرا ظاهرة إقبال الأخوات والمرشدات والداعيات إلى الدين بتصوير لحظات روحانية خاصة، خلال حلقات الذكر، وصلاة الجماعة داخل المساجد، والاعتكاف… ثم نشرها على منصات مثل إنستغرام وتيك توك وفيسبوك، في سعي واضح لرفع نسب المشاهدة والتفاعل من المهتمات بهذا المحتوى، أو غيرهم من المنتقدين، دون اهتمام بالخصوصية أو قدسية المكان.

قد يبدو للبعض أن الدعوة إلى الدين، والتأثير في فئة واسعة لإحياء العلاقة بينهم وبين الله يجب أن يتم بوسائل عصرية أيضا، وأنه لا يجب استخدام المواقع فقط لغرض عكسي، ما يبرر لهن بعض الممارسات التي تمس بإخلاص النية في العبادة وبحدود حرمة بيوت الله.

قداسة المسجد في زمن الرقمنة

المسجد في الثقافة الإسلامية ليس مجرد فضاء مادي، بل هو مجال للسكينة والخشوع، تحكمه ضوابط أخلاقية وسلوكية صارمة، قائمة على الإخلاص والخصوصية، غير أن إدخال الكاميرا إلى هذا الفضاء، خاصة في أثناء لحظات التعبد الجماعي، جعل من حلقات الذكر استعراضا يستقطب المشاهدات، وحول العبادات فجأة إلى مادة بصرية قابلة للاستهلاك، بغض النظر عن هدفها التوعوي والدعوي.

سعي للدعوة أم استعراض بغرض التفاعل؟

يتفق الكثير على أن وسائل التواصل الاجتماعي، بمنصاتها المختلفة، ساهمت بشكل واسع في الدعوة إلى الدين ونشر القيم الإيجابية، والتوعية خاصة بين فئة الشباب والنساء، غير أن تصوير نساء في أثناء الصلاة أو الذكر، دون إذن صريح منهن، وفي مكان يفترض أن له حرمته وقدسيته بغرض دعوة أخريات، أصبح فعلا غير مقبول اجتماعيا. تقول زهية: “كنت أتصفح أنستغرام، وإذا بي ألمح نفسي أشارك الفتيات حلقة حفظ في المسجد من دون ستار، لم أصدق الأمر، رغم تطابق كل المعطيات، أعدت الفيديو عدة مرات، لأتأكد من أنه تم كشف حيائنا وانتهاك خصوصيتنا، أنا وزميلاتي… بكيت كثيرا، وأصبت بانهيار عصبي، كيف أنني أغطي وجهي حتى عن الأقارب، لكني فضحت في بيت الله، في فيديو شاهده 3 ملايين شخص، أي ابتلاء حل بي!”.

قوانين الخصوصية تطبق في المساجد

حجة الناشطات في الإقبال على تصوير الأخريات في مجالس الذكر، ونشاطهن في بيوت الله، عادة ما يكون الرغبة في تحفيز النساء على الالتزام، أو نقل أجواء روحانية للمشاهدين، لكن هذا الطرح يواجه انتقادات حادة، خاصة من فقهاء يرون أن تصوير العبادات الجماعية داخل المسجد، ونشرها للعموم، قد يدخل في باب الرياء أو انتهاك حرمة المكان، خصوصا إذا لم تراع خصوصية الحاضرات، ولم تتم مشورتهن حول ذلك، ما دفع بالخيريين والقائمين على المساجد، إلى تشديد الرقابة وسن قوانين الخصوصية.
تقول إيمان، مرشدة: “منذ انتشار حسابات التسويق النسوي للدين، بدأت النساء يشعرن بعدم الارتياح والتوتر، خشية أن يظهرن في مقاطع مصورة دون علمهن. وهذا الإحساس يحد من حرية التعبد، ويؤثر سلبا على التركيز والخشوع، كما أن وجود الكاميرات يخلق نوعا من الرقابة غير المعلنة، حيث قد تميل بعض النساء إلى تعديل سلوكهن أو مظهرهن، بما يتناسب مع احتمال التصوير، وهو ما يتنافى مع جوهر العبادة القائم على العفوية والصدق وإخلاص النية لله، لذلك فكرت أنا وزميلاتي من القائمات على مسجد عقبة بن نافع بالبليدة على أن نخصص مكانا آمنا في مدخل مصلى النساء والمدرسة القرآنية لحجز الهواتف إجباريا، لضمان أمان المصليات وحافظات القرآن…”.

تسليع الدين يحرم النساء من التمتع بروحانية مجالس الذكر

السعي إلى تحقيق الشهرة أو التأثير الرقمي، وتحويل الممارسات الدينية إلى محتوى قابل للاستهلاك والمنافسة، داخل سوق رقمي تحكمه الخوارزميات، ضيق على الكثيرات وجعل بعض النساء يعزفن عن حضور حلقات الذكر أو صلاة الجماعة، ومنعهن من الاعتكاف والتهجد، وضيع عليهن أجرا كن يجتهدن لبلوغه بعفاف، كل هذا تفاديا للظهور غير المرغوب فيه، خاصة أن تسليع الدين بهذه الطريقة دفع المؤثرات تحت غطائه إلى الالتزام بقوانين السوشل ميديا، بما في ذلك العناوين المثيرة، والتوقيت المناسب للنشر، ما أفرغ، إلى حد بعيد، نشاطهن من البعد الروحي الحقيقي للعبادة والدعوة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!