ملك النفط والملك الضليل
يعرف طلاب الثانويات في الوطن العربي جزءا من القصيدة الرائية التي تتعلق برحلة الشاعر العربي الجاهلي امرئ القيس، المعروف بـ”الملك الضليل”، إلى القسطنطينية ليطلب من الإمبراطور الروماني جوستنيان أن يعيد إليه عرش أبيه، الذي قتله العرب الموالون للفرس. وكان امرؤ القيس يراهن على الخلاف الطويل بين الفرس والروم، واعتقد أن الرومي سيعينه تحت قاعدة عدو عدوي صديقي. وقد وصف هذا الشاعر رحلته وصفا دقيقا بارعا وذكر فيها جرجرا وخيل البربر والأنباط والكنانة ومطلع هذه الرائية الرائعة:
سما بك شوق بعد ما كان أقصرا
وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
لكن طلبة الثانويات العرب لا يعرفون منها سوى تلك الأبيات القليلة التي تحكي حكاية السفر إلى القسطنطينية (إسطنبول اليوم) والتي تبدأ من قوله:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه* وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما* نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وبالفعل استقبل الإمبراطور الروماني جوستنيان “الملك الضليل العربي” واستمع إليه. وفي طريق عودة هذا الضليل، وقبل أن يصل إلى أنقرة، أرسل إليه الإمبراطور هدية هي عبارة عن عباءة فخمة ظنها عباءة الملك، فما أن ارتداها حتى تقرح جلده بسرعة ومات، فقد كانت هدية مسمومة، ودفنه صاحبه في أنقرة وهو يروي عنه آخر أبيات يقولها.
تذكرت حادثة امرئ القيس هذه وأنا أتابع عبر نشرات الأخبار الرسائل التي بعث بها الملك السعودي، خادم الحرمين، مع ولي عهده محمد بن نايف إلى السلطان العثماني رجب طيب أردوغان في أسطنبول (القسطنطينية بالأمس)، يطلب فيها مساعدته ضد الإيرانيين باعتبار أن تركيا مسلمة سنية لها تاريخ طويل جدا ضد إيران الشيعية، أي على نفس طريقة “الملك الضليل“، عدو عدوي صديقي. لكن لم تمر أربع وعشرون ساعة حتى كان أردوغان تركيا وروحاني إيران يتعانقان في مطار طهران.. وقيل إنها زيارة تهتم أصلا بالملف الاقتصادي وقيل إن تركيا، التي نافست ولا تزال تنافس السعودية على قيادة السنة، تقوم بدور الوساطة بين الرياض وطهران حول ما يجري في اليمن، الذي يبدو حتى الآن كمستنقع جُرّت إليه السعودية..
أسأل نفسي: هل تغيير التحالفات في اللحظات الأخيرة يحقق فائدة؟ وهل بالفعل يمكن لرجب طيب أردوغان العثماني الجديد الصوفي على طريقة جلال الدين الرومي، أن يكون حليفا للسعودية، وهو يعرف أن الوهابيين ومملكتهم هم الذين حاربوا التصوّف ودولته العثمانية حروبا طويلة حتى استعانت العثمانية بباشا مصر محمد علي عام 1803 لمحاربتهم؟
بالتأكيد إن هذا الخلط بين التاريخي والديني والحال الراهن ليس من عندي، فكل الأطراف التي تتصدّر نشرات الأخبار في الشرق الأوسط تتقاتل اليوم في التاريخ والجغرافيا والدين وتخلط بينها كما تخلط بين الواقع والحلم وبين
الإقليمي والدولي.
وفي اعتقادي أن هذه “الخالوطة” تدل على أن أيا من هذه الأطراف لا يملك قراره، حتى الطرف الإيراني الذي جرّه البعض إلى ضرب الفلسطينيين في مخيم اليرموك ليقوم مع النظام بإبادتهم هناك، وبالتالي جعله في نفس درجة السيسي لولا أنه تفطن في اللحظة الأخيرة محمود عباس لهذا الفخ الذي نصب له وللإيرانيين، فامتنع عن التدخل على عكس ما أوصاه به وفده إلى دمشق.. لقد انتبه الرجل إلى أن هذه “الخالوطة” يخطط البعض من عرب وفرس وترك وأمريكيين للخروج منها على حساب الفلسطينيين؛ ذلك أن فلسطينيي مخيم اليرموك رغم الاختراقات التي أحدثت فيهم، فإنهم وفلسطينيي مخيمات لبنان هم المعنيون مباشرة بحق العودة، هذا الحق الذي لم يعد يتحدث عنه أحد لا الأسد ولا نصر الله ولا روحاني ولا الملك سلمان ولا أوباما، أي إن الشرق الأوسط الذي يمكن أن يكون ثلاثي الزعامة، طهران وإسطنبول والرياض؛ سيكون بلا قضية العودة الفلسطينية.
وهنا يحق لنتنياهو أن يمد رجليه ويتلذذ بقضم فطيرة “المصو” ويستمتع بمصرع حلفائه العلنيين والسريين ويتبادل الأنخاب مع أوباما صديقه الماكر الذي شجع الملك سلمان على قصف اليمن كهدية من طراز جديد لهدية جوستنيان للملك الضليل.