-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من أجل مستقبل الجمهورية … رؤية 2062 (3)

سيف الدين قداش
  • 1081
  • 0
من أجل مستقبل الجمهورية … رؤية 2062 (3)

تأتي مقاربتنا التالية استكمالا لما سبق أن طرحناه من أفكار تتعلق بالتأسيس لمستقبل الجمهورية وفق رؤية تحقق للبلاد أهدافها الكبرى مع حلول مئوية الاستقلال، وقد ارتأينا في الفصل الثالث من هذه الرؤية التركيز على الغايات الكبرى والشاملة المتصلة بالأسس الجوهرية التي تُمكّن الجزائر من ضمان استقرارها واستمرارها. فعند التأمل في المسار التاريخي للجزائر، نلحظ أن أزمتها الكبرى في القرن السادس عشر لم تكن نتيجة غياب الموارد أو الهشاشة الاستراتيجية للموقع الجغرافي، بل بسبب غياب القيادة الوطنية الموحدة، وضعف هيكلة الدولة، وعجزها عن الدفاع عن نفسها؛ وهو ما أدى إلى انهيار الكيان السياسي الوطني وانزلاقه إلى دوامة التبعية ثم الابتلاع.

ومن هنا تحوّل مطلب استعادة الدولة الوطنية عبر الأجيال إلى هاجس وجودي، لذلك لم يكن بيان أول نوفمبر 1954 مجرد إعلان عن الكفاح المسلح، بل كان نصا تأسيسيا أعلن بوضوح حق الجزائريين في استعادة دولتهم الوطنية ذات السيادة، وإعادة تأسيس الرابط بين الشعب والأرض والإرادة الوطنية المستقلة.

آليات الحكم وأدوات تسيير البلاد

لا يمكن لأي نهضة فعالة أن تتحقق دون مراجعة صادقة ودقيقة لآليات الحكم وأدوات تسيير البلاد منذ الاستقلال، من خلال تقييم شامل نحدّد من خلاله مواطن النجاح والإخفاق، ونرصد الإصلاحات المستدامة التي أُنجزت وتلك التي لا تزال متعثّرة، كما يقتضي الأمر مساءلة اللحظات التي جرى فيها تغييب الشعب عن صناعة خياراته ومواجهة تحدياته، وهنا يُطرح سؤال جوهري؛ هل نجحت خيارات الاستقلال في تجسيد مشروع الدولة الوطنية الذي حلم به جيل ومنظّرو التحرير؟ أم أننا لا نزال في حاجة إلى مراجعة عميقة؟

وفي هذا السياق، هل نحن بحاجة إلى “جمهورية ثانية” كما يطرح البعض أم إلى “تجديد الجمهورية” القائمة بشكل مستمر؟ وهل يكون ذلك من خلال النظم وشكل المؤسسات والآليات أم من خلال الأشخاص والذهنيات والممارسات؟ وهل تكمن الإشكالية في نصوص الدساتير والقوانين التي قد يرى البعض أنها تُطبّق بشكل انتقائي، أو لا تُطبّق مهما بلغت جودتها، أم في غياب روح هذه الدساتير والنظم التي يفترض أن تؤطر إدارة الدولة والمجتمع؟

ثم ماذا عن المؤسسات التي أُنشئت عبر مراحل الاستقلال؟ هل هي بحاجة إلى مراجعة فاحصة لإعادة تعريف أدوارها، أم أنها تحوّلت إلى واقع مؤسسي لا مفر منه؟ كما أن المقاربة الأهم التي ينبغي طرحها اليوم هي؛ هل ما زالت البلاد تُدار وفق نموذج تقليدي تجاوزه الزمن في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والعالم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الصيغة المؤسسية والسياسية القادرة على بناء دولة تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستشرف المستقبل بوعي استراتيجي؟

إن بعض المقاربات ترى أن النظام والشعب يسيران بسرعتين مختلفتين في وعي آليات وأدوات تحديث الدولة وتنميتها وتطويرها، فهناك فئتان بارزتان هما الشباب (جيل زاد) والجالية، اللذان يمتلكان رؤية مغايرة لما ينبغي أن تكون عليه جزائر اليوم والغد، لا من حيث شكل الحكم وآلياته بالضرورة، بل من حيث نوعية الخدمات التي تقدمها الدولة في المجالات الاستراتيجية، ومن حيث المناخ الاقتصادي والاجتماعي العام، وتعود هذه التباينات في الرؤى إلى فجوة أعمق تتصل بطبيعة السياسات والأدوات التي يعتمدها النظام السياسي، وبمدى وعيه البنيوي العميق بالمشكلات التي تعترض المجتمع، وبقدرته على إنتاج البدائل الواقعية الكفيلة بمعالجتها.

إن جوهر الإشكال إذن لا يكمن في ضعف أو قوة الإرادة السياسية بقدر ما يكمن في ضبابية أو وضوح البنية الفكرية القادرة على صياغة رؤية وطنية منسجمة مع التحولات الكبرى للعصر، فالمجتمعات التي لا تجدد عقلها السياسي تظل رهينة أدوات قديمة في زمن يتغير فيه كل شيء بسرعة الضوء.

ومن هنا يصبح الرهان الأساسي هو مراجعة العقد الاجتماعي الجزائري على قاعدة جديدة، تقوم على أن الدولة ليست سلطة فوق المجتمع، بل مشروع مشترك بين السلطة والمواطن، بين من يملك القرار ومن يملك الطموح والفكرة والتفويض السلطوي. فإذا استطاعت الجزائر أن توحد سرعة النظام والمجتمع في مسار واحد، فإنها ستتحول من دولة تُدار بالاجتهادات والتوجيهات إلى دولة تُقاد بالأفكار والمشاريع المعمقة كترجمة لآمال المجتمع الذي يطمح للوصول إلى مستوى التحولات العالمية المتسارعة، ومن نظام يسعى إلى الاستقرار والتنمية التقليدية إلى نظام يصنع النهضة.

أزمة الديمقراطية وقواعد الحوكمة

وهنا وجب الانتباه إلى مسألة جوهرية وأساسية، وهي أزمة النموذج الديمقراطي ذاته كفكرة عالمية متطورة أو متآكلة، وكنموذج جزائري فعال أو ترقيعي، أو مستورد كأفكار نتيجة الأزمات المختلفة التي مرت بها البلاد، أدت إلى إنتاج منظومات حكم يُعاد فيها النظر كل مرة بشكل ذاتي أو موضوعي، لكن على الأغلب وفق منظور السلطة وظرفية الحكم، وهو ما يشي بأن بعض الدساتير لم تكن نهائية أو مثالية. وعلى هذا الأساس نتساءل؛ هل نموذج الديمقراطية المطبق فعال ونموذجي من حيث الآليات التي أنشأته وتؤطره وتتحكم في مخرجاته؟ وهو ما يجعلنا نطرح أفكارا حرة تحيل القارئ لتقدير ما يراه مناسبا كفكر وممارسة لمستقبل الجمهورية.

فأزمة الديمقراطية أو نموذج الحكم الأمثل الذي يحقق الإشباع السياسي والاقتصادي تتجلى كملف جوهري نهضوي في مجال التطور والتنمية الاقتصادية، التي تظل الشغل الشاغل في الجزائر. فمن خلال كتاب الباحثين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد (2024) دارون عاصم أوغلو، وزميله جيمس روبنسون، بعنوان “لماذا تفشل الأمم – جذور القوة والازدهار والفقر”، تبرز أهمية المؤسسات الشاملة في توليد التنمية والتحرر الاقتصادي والسياسي، في مقابل المؤسسات الإقصائية التي تحتكر السلطة والثروة وتمنع الابتكار، وقد استندا في تحليلهما إلى مقارنات دقيقة بين مناطق متجاورة في الولايات المتحدة والمكسيك، وأخرى بين الكوريتين، لإظهار الدور الحاسم للمؤسسات في إطلاق أو خنق الطاقات الاجتماعية والإنتاجية. وهنا نحن مدعوون لتقييم مستوى شمول مؤسساتنا وفعاليتها من ناحية قوة وأداء العمل الإداري والسياسي والاقتصادي بالأساس، الذي يعتبر جوهر معركة المستقبل.

بالمقابل، جاء طرح بنيوي آخر حول أزمة الديمقراطية في كتاب ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات “كيف تموت الديمقراطيات”، حيث يبين الكاتبان أن تفكك الديمقراطيات الحديثة لا يأتي غالبا من انقلابات أو ثورات، بل من داخل النظام نفسه، فظاهرة “الاستبداد المنتخب” و”السلطوية القانونية” تمثلان أشكالا جديدة من الحكم تُفرغ الديمقراطية من مضمونها دون أن تلغيها شكليا، فالقادة الشعبويون لا يوقفون الانتخابات، بل يفرغونها من معناها تدريجيا عبر تبرير كل تراجع سلطوي باسم المصلحة الوطنية أو محاربة الفساد أو استعادة النظام، مما يؤدي إلى تطبيع الانحراف الديمقراطي حتى يفقد المواطن القدرة على التمييز بين النظام الديمقراطي الحقيقي والاستبداد المقنع، وهكذا يتحول الخطاب الديمقراطي ذاته إلى سلاح ضد الديمقراطية.

وفي مواجهة هذه المعضلات، يأتي المفكر الكندي دانيال بيل في كتابه “نموذج الصين – الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية” ليقدم تصورا بديلا يقوم على نموذج “الجدارة السياسية –Meritocracy” كآلية إصلاح تنموي فعالة وغير شعبوية، حيث يرى بيل أن “النظم الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، استطاعت عبر مبدأ الجدارة أن تُكوّن نخبة حاكمة مؤهلة ذات رؤية استراتيجية بعيدة المدى”، بخلاف الديمقراطيات الغربية التي كثيرا ما تُنتج – بفعل ضغط الانتخابات الدورية والإعلام الجماهيري – “قيادات قصيرة الأفق تبحث عن المكاسب السريعة بدل المشاريع الكبرى”.

ويذهب بيل إلى أن “النموذج الصيني لا يقوم على نفي الديمقراطية بقدر ما يسعى إلى تجاوز اختلالاتها” من خلال ما يسميه “الديمقراطية داخل الحزب” أو “الجدارة السياسية التشاركية”، حيث تُفتح قنوات التشاور والنقاش داخل الحزب الشيوعي وبين مؤسسات الدولة والمجتمع، لكن من دون الخضوع الكامل لمنطق المنافسة الانتخابية الذي يفضل الشعبية على الكفاءة.

ويُبرز بيل أن “آلية الترقي السياسي في الصين” القائمة على “الاختيار التدريجي، والخبرة الميدانية، والاختبارات الصارمة، والتقييم المستمر لأداء المسؤولين المحليين قبل انتقالهم إلى المناصب العليا” تمثل نموذجا فريدا لإنتاج نخبة إدارية تجمع بين الشرعية الأدائية (النجاعة والكفاءة) والشرعية الأخلاقية (الالتزام بخدمة الصالح العام).

ويرى بيل أن نجاح الصين في تحقيق تنمية سريعة ومستدامة، مع الحفاظ على الاستقرار السياسي، يُظهر أن “الجدارة السياسية يمكن أن تكون بديلا واقعيا للديمقراطية الانتخابية إذا ما أحيطت بضوابط مؤسسية وأخلاقية تضمن العدالة والمساءلة”، لكنه في الوقت ذاته يعترف بحدود هذا النموذج، مؤكدا أن غياب المنافسة السياسية والشفافية الكاملة قد يؤدي إلى “الجمود البيروقراطي والفساد إن لم يُرفق بإصلاحات رقابية وأخلاقية عميقة”.

وفي ذات السياق تطرح الصحفية والباحثة الأمريكية المقيمة منذ عقود بهونج كونج روبين ميريديث في كتابها “الفيل والتنين – صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا”، مقارنة تحليلية دقيقة بين التجربتين الصينية والهندية في التنمية، حيث ترى ميريديث أن الصين تتحرك بسرعة مذهلة لأنها تعتمد نموذجا إداريا قائما على الجدارة والانضباط المركزي، حيث يترقى المسؤولون الصينيون بناء على الأداء القابل للقياس في مجالات مثل النمو الاقتصادي، البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، وهذا ما يمنح النظام الصيني قدرة تنفيذية عالية، إذ يمكنه تحويل القرارات إلى مشاريع ملموسة في وقت قصير، دون المرور بمراحل معقدة من التوافق السياسي أو المساومات الحزبية كما في الديمقراطيات، وتصف ميريديث هذه الظاهرة بقولها إن “التنين الصيني يتحرك بسرعة لا تُصدق لأنه يعرف وجهته، ويملك بيروقراطية تعمل وفق منطق النتائج لا الجدال”.

بالمقابل، ترى أن الهند تمثل وجها آخر للحداثة الآسيوية، فهي ديمقراطية نابضة بالحياة السياسية، لكن بطيئة في التنفيذ ومثقلة بالبيروقراطية، كما تؤكد ميريديث أن التعددية الحزبية، والانتخابات المستمرة، والقيود الإدارية، والنظام القضائي البطيء كلها تجعل اتخاذ القرار في الهند عملية معقدة تستغرق سنوات. وتقول تقريبا إن “الهند تعرف ما يجب فعله، لكن الوصول إلى اتفاق حول الكيفية يستغرق أجيالا”، ففي حين أن الصين تبني عشرات الكيلومترات من السكك الحديدية في عام واحد، قد تحتاج الهند إلى عقد من الزمن لإنجاز مشروع مماثل بسبب المعارضة المحلية، والإجراءات الإدارية والفساد.

وتخلص ميريديث إلى أن كلا النموذجين له ثمن، فالصين تدفع ثمن السرعة على حساب الحرية السياسية، والهند تدفع ثمن الحرية السياسية على حساب الكفاءة والسرعة في الإنجاز، ومع ذلك تقول إن التجربتين تكشفان أن النجاح التنموي لا يعتمد على شكل النظام السياسي فحسب، بل على قدرته على تنظيم البيروقراطية وتحفيز الكفاءات وتحقيق الاستمرارية في السياسات العامة.

ويتقارب هذا التحليل مع ما طرحه دانيال بيل في “نموذج الصين”، حيث يرى أن الجدارة السياسية مكّنت الصين من تجاوز أزمات الديمقراطية الشعبوية التي تُعطل القرارات وتُنتج قيادات قصيرة النظر، غير أن بيل يذهب أبعد من ميريديث، إذ يقدم التجربة الصينية بوصفها نموذجا أخلاقيا وسياسيا بديلا، لا مجرد حالة اقتصادية ناجحة، فهو يعتبر أن الجدارة السياسية يمكن أن تمثل صيغة ثالثة تجمع بين الكفاءة والشرعية، وتعيد التفكير في العلاقة بين التنمية والديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

ويتقاطع هذا التصور مع أطروحة عالم السياسة الأمريكي تشالمرز جونسون صاحب كتاب “وزارة التجارة الدولية والصناعة (MITI) والمعجزة اليابانية – نمو السياسة الصناعية 1925–1975″، الذي صاغ مفهوم “الدولة التنموية” في دراسته حول تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والتي ألهمت أيضا نموذج كوريا الجنوبية وسنغافورة، من خلال دور مركزي للنخبة التقنية والإدارية بدل النخبة السياسية المنتخبة، والتركيز على التنمية الاقتصادية كأولوية وطنية عليا تفوق الانقسامات السياسية، مع وجود بيروقراطية قوية ومهنية، وأساس تخطيط استراتيجي طويل المدى تقوده الدولة بتنسيق وثيق مع القطاع الخاص، حيث يرى جونسون أن التحول الاقتصادي يتطلب الانضباط، والاستمرارية، والقرار المركزي، وهي شروط غالبا لا تتوافر في الأنظمة الديمقراطية التعددية التي تتغير فيها الحكومات والسياسات بسرعة، كما اعتبر أن الشرعية التنموية (تحسين المعيشة والازدهار) يمكن أن تعوّض الشرعية الانتخابية مؤقتا.

وفي هذا السياق، يعيد كل من نيكولا بيرغروين وناثان غاردلز في كتابهما “الحكم الذكي في القرن الحادي والعشرين: طريق وسط بين الغرب والشرق” طرح السؤال الجوهري حول كيفية المواءمة بين الشرعية الديمقراطية الغربية والكفاءة المؤسسية الشرقية، فالنظم الغربية باتت حسبهما رهينة أفق قصير المدى وفقدت القدرة على التخطيط، في حين تملك النظم الشرقية، وخاصة الصين، قدرة تخطيطية واستقرارا مؤسسيا لكنها تفتقر إلى الشفافية والمساءلة والشرعية الشعبية، ومن هنا يقترح المؤلفان “الطريق الوسط” أو ما يسميانه “الحكم الذكي”، كنظام هجين يجمع بين الشرعية الديمقراطية الغربية والفعالية التخطيطية الشرقية، لتأسيس حوكمة عقلانية طويلة الأمد قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

بالمقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة برنستون ستيفن ماسيدو في فصل بحثي عن “ديمقراطية الجدارة – دروس من الدستور الأمريكي” أنّ النقاشات المؤسسة في أمريكا (في تأسيس الدستور الأمريكي) وفي تطوره اللاحق، يمكن أن تقدّم دروسا للفكر المعاصر حول كيف يمكن التوفيق بين الديمقراطية من جهة، والجدارة من جهة أخرى.

حيث ذكر أن المؤسسين الأمريكيين كانوا واعين بأنّ الحكم في جمهورية لا يعني فقط إرادة الشعب، بل يحتاج أيضا إلى كفاءات، وسلطة منظمة، ومؤسسات تتحمل المسؤولية، واستقلالية القضاء، كما يوجد في الدستور والمؤسسات الأمريكية ما يجعل بعض المناصب “معزولة” إلى حد ما عن ضغط الانتخابات – ليس بمعنى أنّها غير خاضعة للمساءلة، لكن بوجود مستويات من الحماية أو الفترات الزمنية التي لا تخضع لتبديل مباشر – وهذا مفيد لضمان الاستقرار والكفاءة، خاصة في المناصب التي تتطلب خبرة أو استمرارية.

كما يرفض ماسيدو النظرة التي ترى أن الديمقراطية والجدارة متعارضتان بالضرورة، ويرى أن المؤسسات الجمهورية، إذا ما تم تصميمها بحكمة، يمكن أن تجمع مزايا الديمقراطية (تمثيل الشعب) ومزايا الجدارة (الكفاءة وحسن اتخاذ القرار).

نحو شرعية الجدارة لجزائر 2062

يتجلى من الأفكار السابقة أننا مدعوون في الجزائر، إن أردنا التحول الجوهري في بنية الاقتصاد وتحقيق التقدم المنشود، إلى مراجعة عميقة لميكانيزمات صناعة القرار السياسي، تلك الميكانيزمات المتمثلة في النموذج الديمقراطي الذي ينبغي أن نطوّره وفق خصوصيتنا الوطنية ومسارنا التاريخي والتجارب الناجعة، فقد أثبتت العقود الماضية رغم ما تحقق من مكتسبات، أننا لم نبلغ بعد مستوى الفعالية المطلوبة لتحقيق النهضة الشاملة، وذلك نتيجة تداخل بعض العوامل البنيوية والتنظيمية التي تستدعي مزيدا من التقييم والتطوير، في إطار رؤية وطنية جامعة.

إنّ هذه المراجعة لا تعني القطيعة مع التجربة الديمقراطية، بل تهدف إلى تجديدها وتحريرها من الاختلالات التي أصابت التجربة الوطنية والتجارب الغربية على حدّ سواء، من خلال بناء نموذج يعكس توازنا بين الخصوصية الجزائرية ومتطلبات العصر، فالتقدم يبدأ حين يُعاد تعريف القرار السياسي بوصفه فعلا وطنيا مؤسسيا يستند إلى الجدارة أساسا، ثم إلى الشرعية التي تراعي إرادة الشعب ومصالحه العليا.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز كفاءة منظومة القرار وتطوير أدواتها يمثلان الركيزة الأساسية لأي نهضة مستقبلية، والأساس الذي تقوم عليه جزائر 2062، القادرة على بناء نموذجها الخاص في الحكم الرشيد والتنمية المستدامة، وسنعود في الأعداد القادمة لمناقشة النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي يُترجم هذه الرؤية من أجل مستقبل جمهورية تستند إلى شرعية الجدارة كقاعدة لاستمراريتها وازدهارها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!