من أجل وطن يسكن فينا وليس وطنا نسكن فيه فقط ..
ونحن على أبواب الاحتفال بالذكرى الخمسين لعيدي الاستقلال والشباب، تعود الى الأذهان تلك الخطابات والشعارات والمزايدات التي يمارسها بعض محترفي الكذب والنفاق على الأجيال المتعاقبة كلما حلت الذكرى، تحت نفس العناوين التي تتكرر كل مرة، بعيدا عن حقائق الماضي ومعطيات الواقع والحاضر وتطلعات المستقبل، وبعيدا عن متطلبات العصر التي تقتضي تجاوز المشاعر والعواطف والتوجه نحو استقراء التاريخ وكتابته بكل سلبياته وإيجابياته، والاستفادة منه لبناء وطن يجمعنا ولا يفرق بيننا.. وطن يسكن فينا حتى وإن لم نسكن فيه.. وطن يتساوى فيه أبناؤه أمام القانون، ويسوده العدل والمحبة والاحترام، بعيدا عن الحقد والكره والنهب والسلب.. وطن يشعر فيه الجميع بأنه ملك له وليس ملكية خاصة لبعض الأطراف التي تتفنن في إعطائنا دروسا في الوطنية عندما تكون في مواقع المسؤولية، وتتفنن في استغلال المحطات التاريخية كسجل تجاري يتجدد كل مرة..
ورغم تكرار الأخطاء والتجارب الفاشلة في استعادة تاريخ أمتنا والاحتفال به، فإن الكثير من أبنائنا لا يعرفون عن تاريخ الوطن سوى الفاتح من نوفمبر والخامس من جويلية، ولا يعرفون شيئا عن بوضياف وبن بلة وخيدر وبن خدة وبيطاط وآيت أحمد، ولا يعرفون عن عميروش والحواس وبن مهيدي وبن بولعيد وغيرهم سوى أنهم شهداء، ولم نعلمهم بأن الجزائر التي أنجبت هؤلاء أنجبت اليوم جنودا آخرين في مواقع ومجالات مختلفة يقومون بواجباتهم، بعيدا عن الأضواء التي سرقها الانتهازيون الذين يسيئون إلى الثورة والوطن منذ زمن، بتواطئ من الفاشلين والجاحدين الذين لا يرغبون في كتابة التاريخ واستعادته كما هو لأنه يكشف عوراتهم، ولا يرغبون في إعطاء النساء والرجال الشهداء حقهم في التقدير والاحترام لأنهم يخافون منهم حتى وهم أموات، ويريدون أن يحتفظ التاريخ “ببطولاتهم” الزائفة دون غيرهم من الرجال وعامة الشعب الذي قام بواجبه أيضا وقدم كل التضحيات ولا يزال..
في تونس ومصر وليبيا واليمن -مع احترامي لضحاياهم وتقديري لتضحياتهم- يتحدثون عن ثورات دامت أياما وأطاحت برؤوس الأنظمة وبعض الأشخاص، وتجدهم يعتزون ويفتخرون بصنيعهم ويصنفونه ضمن الثورات العظيمة، ويتحدثون عنها كل يوم ويصنفونها ويسوقونها للعالم في صورة لا تعكس الحقيقة، ولكن ثورتنا التي هزمت أقوى مستعمر في القرن العشرين ودامت سبع سنوات ونصف السنة واستشهد فيها مليون ونصف مليون شهيد، وخلفت ملايين الأيتام.. نتذكرها كل سنة مرة بالطبل والمزمار والرقص والحفلات ولم نثمنها ونستثمر فيها وفي مبادئها ورجالها ونسائها، ولم نعطها حقها من الدعاية والاستثمار، ولم نثمن تلك التضحيات العظيمة التي قدمها أجدادنا وآباؤنا.. تضحيات لا تضاهيها تضحيات أخرى.
وعوض التأريخ للثورة وتوثيقها وكتابتها وإنتاج الأفلام والمسلسلات والبرامج التاريخية والوثائقية للحفاظ على ذاكرتنا الجماعية وتوعية وتثقيف الأجيال المتعاقبة باستمرار، راح بعضنا ينتقد تعاطي الفرنسيين مع هذا التاريخ وينتقد أسلوبهم في التعامل مع الحقائق التاريخية من وجهة نظرهم، والتي لا يمكن أن تكون غير ذلك لأنهم يريدون تبييض صورة فرنسا أمام الأجيال الصاعدة، ولا يمكن أن ننتظر منهم تقديس الثورة والشهداء، وهم الذين يذكروننا هذه الأيام بأن مقترف مجزرة تولوز هو من أصول جزائرية، ولا يذكرون أبدا بأن زيدان هو أيضا من أصول جزائرية..
الحال سيبقى على ما هو عليه ونبقى نزايد على بعضنا البعض، ونفتري ونكذب ونتهرب من مواجهة الجيل الصاعد بحقائق ثورة عظيمة وإن لم تخلُ من شوائب ونقائص، ونبقى نتفرج على شموع صنعت تاريخ الجزائر بدمائها ودموعها تنطفئ دون أن نستفيد من ذاكرتها وبطولاتها وتجاربها في الدفاع عن “الحرية والكرامة والعدالة”، وهي القيم التي ستبقى مجرد شعارات إلى إشعار آخر عندما يصبح الوطن كيانا يسكن فينا وفي عقول وقلوب كل واحد منا، وليس موطنا نسكن فيه ونتحكم في رقاب أبنائه ونستولي على خيراته ومكتسباته ونتهرب من كتابة تاريخه، ونبتعد كل يوم عن طموحات شعبه الأبي والوفي والواعي والصبور ..
سيظل الحال على ما هو عليه حتى يأتي جيل آخر أحسن منا، يقدر النساء والرجال ويصون الوطن والأمانة، ويكتب التاريخ كما هو، ويعطي الشهداء والمجاهدين حقوقهم التاريخية والمعنوية والأخلاقية، ويحفظ لجيل الاستقلال حقوقه السياسية والاجتماعية والمعنوية والمادية، ويستلهم من مبادئ وقيم الثورة دروسا وعبرا تنير طريق الأجيال الصاعدة على درب بناء وطن لجميع فئات الشعب دون إقصاء.. وطن نعتز ونفتخر بالانتماء إليه دائما وأبدا، وليس فقط بمناسبة فوز منتخب كرة القدم في مبارياته.. وطن يستلهم من ثورته المجيدة لينظر إلى المستقبل ويتجاوز شرعية ثورية وتاريخية تجاوزها الزمن ولم تعد مشروعة في عصر التكنولوجيا والتقنيات الحديثة والكفاءات المتنوعة التي يزخر بها الوطن..