من إيطاليا إلى الجزائر… إحياء قصة علي بتشين الأسطوريّة
يعد الكاتب الإيطالي ريكاردو نيكولاي من بين أولئك الذين ساهموا بالتعريف بقصة علي بتشين، الذي يحمل اسمه واحد من أعرق مساجد الجزائر الواقع في القصبة السفلى غير بعيد عن ساحة الشهداء، كما يقف تمثال “الأميرال” المخلد له في حديقة التجارب بالحامة منذ 2023.
علي بتشين ليس بالشخصية التي عرفت حياة عادية، بل حياته أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع، واسمه الأصلي ألدو بيتشينين، ولد في إحدى القرى الإيطالية، ليتم أسره عام 1578 وجلبه إلى الجزائر العاصمة صغيرا وبيع في سوق العبيد.
العبد بيتشينين اشتراه الرايس فتح الله خوجة بعد أن دفع فيه 60 قطعة ذهبية، ليعتني به حتى اعتنق الإسلام عام 1599 وغير اسمه إلى علي بتشين. بالرغم من أنه اشتراه عبدا، إلا أن علاقة فتح الله خوجة وعلي بتشين لم تكن علاقة عبد بمالكه، بل علاقة صداقة أو حتى أبوة. فعلم الرّايس خوجة بتشين كل ما له علاقة بالبحرية، حيث تدرج في الرتب والمناصب.
إقرأ أيضا – “مغارة سيرفانتس” بالحامة: شاهد على ميلاد الكاتب بعد أسر الجندي
فمن قائد لسفينة أصبح علي بتشين قائدا لطائفة ريّاس البحر بين 1630 و1645. وهو المنصب، الذي منحه، إضافة للممتلكات والثروات التي اكتسبها، التي تضاف لما ورثه عن الرّايس فتح الله خوجة بعد وفاته، سلطة كبيرة سواء في البحر الأبيض المتوسط أم أمام السلطات العثمانية في إسطنبول آنذاك.
وكان للكاتب الإيطالي ريكاردو نيكولاي الفضل في نفض الغبار عن هذه القصة الفريدة في رواية تمزج بين التاريخ والخيال “على بيتشيني”.

مسجد علي بتشين بالقصبة السفلى بالجزائر العاصمة والذي بني عام 1622. صورة ماجيد صرّاح.
يتحدث نيكولاي لـ”الشروق” عما دفعه للبحث في الأرشيف وإعادة رسم طريق علي بتشين من إيطاليا إلى الجزائر، ويقول إنه علم قبل سنوات بحادثة وقعت في ميرتيتو دي ماسا، في توسكانا، التي تمثلت في أسر الفتى وأخذه إلى الجزائر العاصمة. هناك “اعتنق الإسلام، واتخذ اسم علي بيتشين؛ ليصبح في ما بعد رئيسًا لطائفة رياس البحر، وقائدًا عامًا للأسطول البحري، وباشا. حيّرتني هذه المعلومة، وطلب مني صوت، صوت روح علي، أن أكون من يكشف هذه القصة. وُلدتُ في ميرتيتو، تمامًا مثل علي. في صغري، كنت ألعب في التلال حيث كان يُرجّح أنه كان يرعى ماعزه؛ رأيت البحر الذي رآه، ونمت تحت نفس النجوم والسماء، وأعجبت بجبال أبوان بنفس عيون علي، واستنشقت عبير الطبيعة الخريفية التي كان يُقدّرها هو أيضًا. أخذتُ دور الراوي، وهكذا بدأتُ عملي؛ عثرتُ بالصدفة على رسائل محفوظة في أرشيف ولاية ماسا، كتبها أمير المدينة، ألبيريكو مالاسبينا، موجهة إلى ملك الجزائر، يستفسر فيها عن صحة تابعه علي.”
ليضيف: “مع هذا الاكتشاف، بدأت رحلتي. كرّست سبعة أشهر لدراسة عالم البحر الأبيض المتوسط وإيالة الجزائر، ثمّ، مُثرِيًا بالحقائق والأخبار التاريخية، بدأتُ كتابة الرواية. كانت رحلةً إلى الماضي، بين الفلاحين والسلاطين، واحتفالات الفرسان، والأسوار، والقراصنة، والسجناء، والعبيد، والأميرات، ونيران المدافع، والصلوات.”
يقول نيكولاي إنه قبل نشر الكتاب ذهب إلى الجزائر بحثًا عن آثار ماضي علي، فوجدها “فإلى جانب المسجد الذي بناه من رخام كارارا، هديةً لزوجته، للالهُم بلقاضي، كان كل مكانٍ ينبض بروح ابن وطني: في أزقة القصبة، في أمواج البحر، في السماء اللامتناهية، في السوق، في الكسكس، في نظرات الباعة المتجولين المليئة بالكبرياء، في الأطفال الحفاة في الشوارع. رافقني علي في مدينةٍ ساحرة، وحكى لي عن معاناته، وحزنه، وحبه.”
فأعجب علي بتشين بـ”لالاهم” بنت أحمد بلقاضي ملك مملكة “كوكو”، وهي المملكة التي امتدت في ذروتها من جبال الأطلس إلى السهول الجنوبية لمدينة الجزائر.
فتقدم لخطبة “لالاهم” عارضا عليها جواهر وثروات كمهر، لكنها رفضتها، واشترطت عليه أن يبني مسجدا كدليل على حسن إسلامه. وهو الشرط الذي امتثل له، إذ قام عام 1622 بتشييد المسجد ذي الشكل الهندسي العثماني، مع مئذنة ذات طابع مغاربي، مقابل للبحر الأبيض المتوسط، الذي يحمل اليوم اسمه.

الكاتب ريكاردو نيكولاي خلال زيارته إلى قنصلية الجزائر بميلانو الإيطالية. (صورة شخصية)
إضافة إلى علي بتشين، وهي الرواية التي تمت ترجمتها إلى العربية والفرنسية، تتضمن روايات نيكولاي، شخصيات تاريخية مرتبطة بتاريخ كل من الجزائر وإيطاليا، مثل يوغرطة. حيث نشر الكاتب في أواخر 2023 رواية بالإيطالية تحت عنوان “يوغرطة: الليلة الأخيرة في مامرتين”.
“خلال رحلاتي المتكررة إلى الجزائر، وُلد اهتمامي بتاريخ العلاقات بين إيطاليا والجزائر. هذه العلاقات عمرها آلاف السنين”، يقول لنا ريكاردو نيكولاي.
ليتبع: “تعود الروايات المكتوبة إلى عهد روما ونوميديا، حيث كان حكامهما – ماسينيسا في المقام الأول – يُعتبرون حلفاء مخلصين للمدينة. في أثناء قراءتي للنصوص التاريخية، علمت أن أحد أحفاد ماسينيسا، الملك يوغرطة، الذي كان في البداية صديقًا ثم عدوًا لدودًا للقنصل ماريو، هُزم في حرب استمرت سبع سنوات، واقتيد إلى روما كعدو للدولة، وقُيّد في الشوارع ليُعرض على الناس ويتلقى الإذلال المحفوظ تقليديًا للمتمردين. سُجن في سجن مامرتين على تلة الكابيتولين، وقُطعت إحدى أذنيه، وتُرك ليموت جوعًا وحرمانًا في جانفي 104 قبل الميلاد. زرت السجن عدة مرات، وهو كهف شديد البرودة تحت الأرض، بلا ضوء ولا هواء”.
ويضيف الكاتب: “خلعت ملابسي وحاولت أن أشعر بالعجز الشديد الذي ربما شعر به الملك. كان الشعور الذي دفعني للاهتمام بحياة علي بيتشين ويوغرطة هو التعاطف مع معاناتهم؛ وكان الألم الذي أحدثته مصائبهم هو الدافع وراء انخراطي العاطفي.”
على عكس القرون الماضية، كالقرن السادس عشر مثلاً، حيث كانت التجارة بين شعوب شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط أكثر ازدهاراً في الماضي، اليوم وبالرغم من التطور في وسائل النقل والاتصال، إلا أن هذه التجارة، وهذا التواصل بين شعوب الضفتين عرف تراجعا.
“كانت السفن تصل يوميًا محملة بالبشر. في عام 1600، من أصل 100 ألف نسمة، كان هناك 20 ألفًا من العبيد من جميع الجنسيات، وخاصة الإيطاليين. في مدينة الجزائر متعددة الأعراق في تلك الفترة، وُلدت لغة – لغة مُبسطة، كما يصفها اللغويون – لغة لا يتحدث بها أي متحدث أصلي، نشأت من الحاجة إلى التواصل بين العبيد والتجار والمسافرين والجغرافيين والسلاطين والقناصل والكهنة العديدين الذين غادروا أوروبا المتوسطية محملين بالأموال للإشراف على فداء العبيد المسيحيين. كانت الجزائر مدينة ساحرة، أشاد بها المسافرون.” يقول نيكولاي.

من ساحة “مغارة سيرفانتس” بالحامة بالجزائر العاصمة، أين اختبأ الكاتب الاسباني الشهير ميغيل سيرفانتس (1547-1616)، والذي قضى خمس سنوات في الجزائر، من 1575 إلى 158. صورة: ماجيد صراح.
ليضيف: “كانت الجزائر حلمًا؛ مكانًا يتعايش فيه رجال من أصول وخلفيات اجتماعية مختلفة. كانت الجزائر مملكةً حكمها نحو عشرين حاكمًا إيطاليًا لثلاثة قرون تقريبًا: بالإضافة إلى عليّ، يمكننا أن نذكر حسن آغا، وحسن فينيزيانو، وأولوش علي، وحسن كاتانيا، وميزومورتو.”
وفي جوابه عن سؤال “الشروق” هل يمكن للأدب أن يساهم، ولو بشكل متواضع، في إحياء بعض من هذا الرابط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، قال الكاتب الإيطالي ريكاردو نيكولاي: “نعم، إنّ الأدب يُقرّب بين الشعوب ويهيّئها لأفضل المقاصد. لكن ليس الأدب وحده. فمشروع “علي بيتشين”، إلى جانب الكتب الأربعة التي كرّستها لعلي، كان عملاً أشرك قطاعات أخرى من العالم الفني. ففي عام 2017، أُنجز عمل مسرحي في مدينة ماسا على يد المخرج ألبرتو نيكولاي، كما عُرض العمل مرتين في الجزائر العاصمة، عامي 2018 و2022. تم إنجاز تمثال من الرخام في مدينة ماسا بفضل التعاون مع مدرسة الرخام وورشة للنحت. وقد أُهدي التمثال إلى مدينة الجزائر، ووُضع في حديقة التجارب بالحامة، ودُشّن في جوان 2023.”
ليضيف: “الثقافة تُقرّب بين الشعوب وتعزّز الدبلوماسية. ويكفي أن نذكر أنّه بين عامي 2017 و2022 قام ثلاثة سفراء للجزائر في إيطاليا بزيارة رسمية إلى مدينة ماسا: سعادة عبد الحميد سنوسي بركسي، وسعادة أحمدي بوتاش، وسعادة عبد الكريم طواهرية. الثقافة تتداخل مع السياسة: نعم، إذا علمنا أنّني دُعيت من قبل الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا إلى مأدبة غداء رسمية في قصر كويرينالي بروما في ماي 2022، وذلك على شرف الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خلال زيارته الرسمية إلى إيطاليا. عندما شرعتُ في الرحلة داخل عالم علي بيتشين، حاولتُ أن أجد سُبلاً لنشر قصته إلى أوسع جمهور ممكن: كتبتُ رواية للكبار تُرجمت إلى الفرنسية، وحكاية خيالية تُرجمت إلى الفرنسية والعربية، وقد نُشرت للتو في إيطاليا وستُترجم قريبًا إلى الفرنسية والعربية، ومسرحية عُرضت في إيطاليا والجزائر بمشاركة طاقم تمثيل جزائري، وتمثالًا من رخام كارارا أُنجز في ماسا وأُهدي إلى الجزائر. لقد أُنجز الكثير لإحياء ذكرى علي بيتشين. وما ينقص هو الفيلم.”