-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نهاية الشرق الأوسط الذي صنعه الغرب

من سايكس-بيكو إلى حرب إيران: قرنٌ من الهندسة الإمبراطورية يصل إلى حدوده

لعلى بشطولة
  • 183
  • 0
من سايكس-بيكو إلى حرب إيران: قرنٌ من الهندسة الإمبراطورية يصل إلى حدوده

مدخل: لحظة كاشفة

ليست كل التحولات التاريخية تُصنع في ميادين المعارك. فكثيراً ما يتحرك التاريخ في صمت الوثائق والقرارات أكثر مما يتحرك تحت هدير المدافع. هناك لحظات نادرة يواجه فيها العالم مفترق طرق، فتنكشف فيه حدود القوة التي ظنّت أنها قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية إلى ما لا نهاية.

إن الحرب التي اندلعت على إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 تمثل إحدى تلك اللحظات المفصلية. فالتصعيد العسكري الذي هزّ المنطقة منذ ذلك التاريخ لم يكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة في منطقة مضطربة، بل كشف أيضاً — وربما بصورة غير مسبوقة منذ قرن — عن حدود النظام الجيوسياسي الذي نشأ في الشرق الأوسط منذ بداية القرن العشرين.

جاءت الضربات في اليوم التالي مباشرةً لإعلان وزير خارجية سلطنة عُمان، الوسيط في المفاوضات النووية، أن “السلام في متناول اليد”. هذه المفارقة الزمنية — الوعد الدبلوماسي في المساء والصواريخ في الفجر — ليست حادثة عرضية. إنها تُلخّص بدقة مذهلة منطقاً إمبراطورياً متكرراً امتد قرناً كاملاً، منذ أن رسم دبلوماسيان أوروبيان خرائط الشرق الأوسط الحديث على طاولة في لندن عام 1916.

أولاً: 1916 — حين رُسم الشرق الأوسط على طاولة الإمبراطوريات

في خضم الحرب العالمية الأولى، وبينما كانت الإمبراطورية العثمانية تتداعى تحت ضغط الجيوش المتحاربة، بدأت القوى الأوروبية التفكير في شكل المنطقة بعد سقوطها. وفي هذا السياق توصلت بريطانيا وفرنسا في مايو 1916 إلى اتفاق سري عُرف لاحقاً باسم اتفاقية سايكس-بيكو، نسبة إلى الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج-بيكو.

تكشف وثائق الأرشيف الوطني البريطاني The National Archives، ولا سيما الملف FO 371/2777، أن الاتفاق لم يكن مجرد تصور دبلوماسي عام، بل خريطة تفصيلية تحدد مناطق النفوذ والإدارة في المشرق العربي بعد انهيار الدولة العثمانية. وتُظهر الوثيقة الموقعة في الثامن من مايو 1916 تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية مع إنشاء كيانات عربية مستقلة بالاسم لكنها خاضعة فعلياً لوصاية القوى الأوروبية.

وقد جاء في نص الاتفاق:

“إن فرنسا والمملكة المتحدة مستعدتان للاعتراف بدولة عربية مستقلة أو بتحالف من الدول العربية في المناطق (أ) و(ب) المحددة على الخريطة المرفقة، تحت سيادة زعيم عربي.”

— اتفاقية سايكس-بيكو، 9 مايو 1916 — المصدر الأولي: FO 371/2777، الأرشيف الوطني البريطاني؛ ومشروع أفالون، كلية الحقوق بجامعة ييل، غير أن النص نفسه كان يُثبّت في الوقت ذاته مناطق نفوذ أوروبية مباشرة: خُصصت سوريا ولبنان للفرنسيين، وأُلحق العراق وفلسطين بالمجال البريطاني. ولم يعرف العالم العربي بوجود هذا الاتفاق إلا حين نشرت الحكومة السوفيتية وثائق الدبلوماسية القيصرية في أواخر عام 1917، ما أشعل موجةً من الغضب والاستنكار في المنطقة بأسرها.

وقد وصف المؤرخ الأمريكي ديفيد فرومكين في كتابه الموسوعي الصادر عام 1989 ما أنتجه ذلك الإرث:

“اعتقدت القوى الأوروبية آنذاك أنها تستطيع تغيير آسيا الإسلامية في أسس وجودها السياسي ذاتها، وفي سعيها إلى ذلك أدخلت نظام دول اصطناعية في الشرق الأوسط، فأنتجت منطقةً من البلدان التي لم تتحول إلى أمم حتى اليوم.”

— ديفيد فرومكين — السلام الذي أنهى كل سلام، هنري هولت، نيويورك، 1989

ثانياً: الوعود المتناقضة — نمط لم يتغير

بين عامي 1915 و1916 جرت مراسلات بين الشريف حسين بن علي، شريف مكة، والمندوب السامي البريطاني في مصر السير هنري مكماهون. وقد فهمت القيادة العربية من تلك الرسائل أن بريطانيا مستعدة لدعم قيام دولة عربية مستقلة مقابل الثورة ضد الحكم العثماني.

لكن في الوقت نفسه كانت ترتيبات سايكس-بيكو تُصاغ في السر. ثم جاء عام 1917 ليضيف طبقة جديدة من التعقيد حين أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور وعده الشهير بدعم إنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.”

هذه المنظومة من الوعود المتناقضة — الاستقلال العربي في رسائل القاهرة، والتقسيم الاستعماري في وثائق لندن، والوطن القومي في بيان وايتهول — كانت تُحرَّك في الوقت ذاته نحو مصالح متعارضة. والدرس الذي تفرضه أحداث فبراير 2026 هو أن هذا النمط لم ينقطع: فحين أعلن وسيط عُمان مساء السابع والعشرين من فبراير أن المفاوضات النووية بلغت نقطة اختراق حقيقية، انطلقت الصواريخ في الفجر التالي. المسافة بين الوعد الدبلوماسي والفعل العسكري لم تتغير في مائة عام.

وقد وثّق المؤرخ البريطاني جيمس بار — في كتابه المستند إلى أرشيفات الوزارتين البريطانية والفرنسية، وكذلك الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي في Archives diplomatiques de Nantes — جوهر ما أفرزه ذلك النظام:

“إن ما يجعل هذا التنافس المسموم بين بريطانيا وفرنسا بالغ الأهمية هو أنه كان الوقود الذي أشعل الصراع العربي-الإسرائيلي اليوم.”

— جيمس بار — خط في الرمال، دار نورتون، نيويورك، 2012، ص. 4

ثالثاً: لورنس — شاهد من داخل الإمبراطورية

لم يكن جميع المسؤولين البريطانيين غافلين عن التناقضات التي كانت تتشكل في تلك اللحظة التاريخية. فقد أقرّ الضابط البريطاني ت. إ. لورنس، المعروف بلقب لورنس العرب، في الفصل التمهيدي المحذوف من مذكراته «أعمدة الحكمة السبعة» — الذي لم يُنشر كاملاً إلا عام 1939 بعد وفاته — بجوهر ما كان يجري:

“جازفتُ بالاحتيال، لقناعتي بأن المساعدة العربية كانت ضرورية لنصرنا السريع والرخيص في الشرق، وأن الأفضل أن ننتصر وننقض كلمتنا على أن نخسر.”

— ت. إ. لورنس — أعمدة الحكمة السبعة، الفصل التمهيدي المحذوف (1926، نُشر 1939)
ثم يُفصح في السياق ذاته عن اللحظة التي صار فيها طرفاً في المؤامرة:

“رفعت الحكومة البريطانية العربَ لمحاربتنا بوعود محددة بالحكم الذاتي بعدها. والعرب يؤمنون بالأشخاص لا بالمؤسسات. رأوا فيّ وكيلاً حراً للحكومة البريطانية، وطالبوني بالتصديق على وعودها المكتوبة. فاضطُررت إلى الانضمام للمؤامرة.”

— ت. إ. لورنس — أعمدة الحكمة السبعة، الفصل التمهيدي المحذوف (1926، نُشر 1939)

هذه الشهادة تصف بنية أخلاقية لا تزال حاضرة: اللحظة التي يجد فيها الوسيط نفسه مُضطراً لتصديق ما يعرف أنه كذب، لأن المؤسسة التي يمثلها لا تملك غير الكذب أداةً في تلك اللحظة. وحين انطلقت الضربات في اليوم التالي لإعلان الاختراق الدبلوماسي في مسقط، تكرّرت البنية ذاتها بفارق مائة عام.

رابعاً: نظام الانتدابات — تثبيت الخريطة الجديدة

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، جرى تثبيت ترتيبات سايكس-بيكو عبر نظام الانتدابات الذي أقرّته عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو عام 1920. فأصبحت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين والأردن تحت الانتداب البريطاني.

وقد أظهر الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي في Archives diplomatiques de Nantes أن هذه الترتيبات لم تكن مجرد إطار قانوني مؤقت، بل نظام حكم كامل تضمّن إدارة الأراضي وتنظيم الحدود وبناء مؤسسات الدولة تحت إشراف القوى الاستعمارية. أما إيران — التي لم تكن جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ولم تُرسم حدودها في سان ريمو — فقد وجدت نفسها محاطةً: عراق بريطاني غرباً، ونفوذ بريطاني على أفغانستان شرقاً، ومصالح نفطية غربية تُمسك بجنوبها. هذا الإحاط التاريخي هو جزء من الذاكرة الاستراتيجية الإيرانية التي تُفسّر ردود أفعالها حتى اليوم.

خامساً: وهم القرن الأمريكي

مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، دخل العالم ما أسماه المحلل الاستراتيجي الأمريكي تشارلز كراوثامر «اللحظة الأحادية القطبية» — هيمنة أمريكية شبه مطلقة بلا منافس حقيقي ولا ضابط خارجي. وأنتجت هذه اللحظة توهماً استراتيجياً مفاده أن التفوق العسكري التكنولوجي كافٍ لإعادة هندسة الدول والمجتمعات.

وسّمت حرب الخليج 1991 هذا التوهم: مائة ساعة براً وتتهاوى دولة. ثم جاء ما تلاها ليُفكّك الوهم جذراً بجذر: عشرون عاماً في أفغانستان وما يُقدَّر بـ2.3 تريليون دولار إنفاقاً وفق الكونغرس الأمريكي، لتعود طالبان في أسبوعين. وما يتجاوز تريليوناً ونصف التريليون دولار في العراق وفق مكتب الميزانية التابع للكونغرس CBO، وقد خرجت القوات الأمريكية دون تحقيق أهدافها المُعلنة. وصراع سوري استنزف القوى الكبرى جميعاً.

وقد صاغ المؤرخ الاستراتيجي أندرو باسيفيتش خلاصة هذه التجربة:

“بعد أكثر من ثلاثة عقود من المحاولة، بات واضحاً تماماً أن توظيف القوة العسكرية لا يُرجَّح أن يُنتج الحل.”

— أندرو باسيفيتش — مجلة نوتردام، 2016؛ خلاصة أطروحته الموسّعة: حرب أمريكا على الشرق الأوسط الكبير، داربهاوس، 2016

سادساً: الثامن والعشرون من فبراير — وقائع الحرب

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وبحسب ما وثّقته موسوعة بريتانيكا استناداً إلى مصادر عسكرية أمريكية رسمية، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ما يقارب تسعمائة غارة في اثنتي عشرة ساعة استهدفت منظومات الدفاع الجوي والبنية النووية ومواقع القيادة. اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي في الساعات الأولى، وفي الثامن من مارس انتُخب نجله مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً — فيما الدولة الإسلامية لم تنهر.

ردّت إيران في غضون ساعات. وقد وثّقت القيادة الوسطى الأمريكية CENTCOM والجيش الإسرائيلي وأجهزة الدفاع الخليجية موجات متكررة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية وحدها اعتراض تسعة صواريخ باليستية وثلاثة وثلاثين طائرة مسيّرة في يوم واحد. كما دمّرت القيادة الوسطى الأمريكية ستة عشر زورقاً إيرانياً لزرع الألغام قرب مضيق هرمز.
الأرقام الموثّقة من مصادر غربية ودولية مستقلة حتى 16 مارس 2026:

إحصاءات الحرب بمصادرها الغربية والدولية المستقلة — 16 مارس 2026

▪ نحو 900 ضربة جوية في 12 ساعة يوم 28 فبراير — موسوعة بريتانيكا، مصادر عسكرية أمريكية رسمية
▪ أكثر من 5000 هدف استهدفته الولايات المتحدة في إيران — القيادة الوسطى الأمريكية CENTCOM (NPR، 11 مارس 2026)
▪ أكثر من 15000 هدف عسكري إجمالاً — وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث (NPR، 10 مارس 2026)
▪ تراوح عدد القتلى في إيران بين 1270 و1332 — NPR، 10 مارس 2026
▪ 4300 قتيل في العشرة أيام الأولى: 3900 عسكري و390 مدنياً — منظمة هنغاو لحقوق الإنسان، مقرها واشنطن (9 مارس 2026)
▪ ما لا يقل عن 18 هجوماً على منشآت صحية، بينها 6 مستشفيات أُجليت بسبب القصف — منظمة الصحة العالمية WHO
▪ 773 قتيلاً و1933 جريحاً في لبنان — NPR/OPB، 13 مارس 2026
▪ 15 قتيلاً و3369 جريحاً في إسرائيل — السلطات الإسرائيلية (Times of Israel، 13 مارس 2026)
▪ 13 جندياً أمريكياً قتيلاً منهم 7 بنيران العدو — القيادة الوسطى CENTCOM (NPR/OPB، 13 مارس 2026)
▪ 16 قتيلاً على الأقل في دول الخليج — وسائل إعلام رسمية خليجية (NPR/OPB، 13 مارس 2026)
▪ 830000 نازح في لبنان — مكتب الكوارث اللبناني (NPR/OPB، 13 مارس 2026)
▪ 56٪ من الأمريكيين يعارضون الضربات — NPR/PBS/Marist (مارس 2026)؛ و53٪ وفق جامعة كوينيبياك

وفي اليوم الخامس عشر من مارس، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لشبكة CBS الأمريكية:

“لم نطلب قط وقف إطلاق النار، ولم نطلب حتى التفاوض. نحن مستعدون للدفاع عن أنفسنا طالما استغرق الأمر. وسنواصل ذلك حتى يُقرّ الرئيس ترامب بأن هذه حرب غير مشروعة لا نصر فيها.”

— عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني — CBS، Face the Nation، 15 مارس 2026

سابعاً: الصدمة الاقتصادية العالمية

كانت الصدمة الأكبر في قطاع الطاقة. يمر عبر مضيق هرمز نحو 20٪ من تجارة النفط البحرية العالمية. ومع شبه إغلاق إيران للممر البحري، تعطلت تدفقات النفط بصورة حادة.

وفق بيانات أسواق الطاقة الصادرة عن مصادر غربية متعددة:
▪ هبطت صادرات النفط الشرق أوسطية من 25.1 مليون برميل/يوم إلى 9.7 مليون برميل/يوم
▪ خرج ما بين 7.4 و8.2 مليون برميل يومياً من السوق العالمية — CNN، 16 مارس 2026
▪ قفز خام برنت إلى 119.50 دولاراً للبرميل قبل أن يتراجع إلى نحو 102 دولار
▪ أعلنت وكالة الطاقة الدولية IEA عن أكبر سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها: 400 مليون برميل — Al Jazeera، 11 مارس 2026

ثامناً: الإيرانيون — بين نارين

تبقى ثمة زاوية أخلاقية يُفقد التحليل الجيوسياسي دونها جوهره الإنساني. في يناير 2026، كان الملايين من الإيرانيين يتظاهرون ضد نظام عقوداً وهو يُحكم قبضته على البلاد. وقد أفاد ناشطون حقوقيون ووسائل إعلام غربية بمقتل آلاف المحتجين — إذ أعلن الرئيس ترامب في خطاب حالة الاتحاد لعام 2026 أن ما يزيد على ثلاثين ألف متظاهر قُتلوا؛ كما أصدر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بإيران بياناً أكد فيه وقوع عمليات قتل جماعي واعتقالات واسعة بحق المحتجين.

ثم جاءت صواريخ فبراير لتُولّد معادلة نفسية بالغة التعقيد: المواطن الذي كان يكره نظامه أمس وجد نفسه يرفض القنبلة الأجنبية التي تسقط على بيته اليوم. ليس حباً في النظام، بل لأن الكرامة الوطنية لا تنقسم. وقد وثّقت تقارير غربية متعددة هذا التناقض الداخلي: بينما احتفل بعض الإيرانيين بسقوط خامنئي أملاً في نهاية النظام، كانت أسر أخرى تدفن أبناءها ضحايا القصف.

هذه الازدواجية المأساوية — كراهية النظام ورفض القنبلة في الوقت ذاته — كانت متوقعة لكل من درس تاريخ الثورات والمقاومات الوطنية. وقد أغفلها صانعو القرار مرةً أخرى.

تاسعاً: أزمة الشرعية — ما يتآكل ولا يُعوَّض

من سايكس-بيكو 1916 إلى حرب غزة ثم حرب إيران في 2026، يمتد خيط تاريخي واحد: محاولة القوى الخارجية رسم خرائط الأمن والسيادة في المنطقة. لكن ما تكشفه الأحداث الأخيرة هو أن هذه المحاولة باتت تواجه حدوداً لم تواجهها في 1916.

حلّل الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في «دفاتر السجن» ظاهرة الهيمنة بأعمق من مجرد القوة المادية:

“تتجلى سيادة المجموعة الاجتماعية بطريقتين: الأولى الهيمنة أي الإكراه المادي، والثانية القيادة الفكرية والأخلاقية أي القدرة على اكتساب الموافقة الفاعلة من المحكومين.”

— أنطونيو غرامشي — مختارات من دفاتر السجن، تحقيق هوار ونوويل-سميث، دار النشر الدولية، نيويورك، 1971، ص. 57

الهيمنة الغربية لم تستند على القوة المادية وحدها، بل على قدرة موازية على جعل النظام الدولي القائم يبدو طبيعياً ومشروعاً. وهذه القدرة هي التي تآكلت تآكلاً مضطرداً في السنوات الأخيرة. غزة كشفت الإفلاس الأخلاقي للنظام الدولي حين عجزت منظومة القانون الدولي عن حماية المدنيين. أما الحرب على إيران فقد أضافت طبقةً جديدة: أن الضربات انطلقت في اليوم التالي لإعلان الوسيط العُماني أن السلام بات في المتناول.

ولهذا السبب تحديداً رفض حلفاء واشنطن التاريخيون المشاركة: أعلن رئيس الوزراء البريطاني ستارمر أنه لا «يؤمن بتغيير الأنظمة من السماء»، وقال الناطق الرسمي الألماني إن الحرب «لا علاقة لها بالناتو»، وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاياس كالاس أن المضيق «ليس ضمن نطاق عمل الناتو». هذا الانشقاق في صفوف الحلفاء — الذي لم يظهر بهذه الحدة حتى في أزمة العراق 2003 — هو في لغة غرامشي تشقّق في «القيادة الأخلاقية والفكرية» للنظام الدولي.

خاتمة: عالم بلا مركز — وسؤال الفاعلية العربية

رصد المفكر الاستراتيجي ريتشارد هاس، الرئيس الأسبق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، هذا التحول في كتابه «عالم في فوضى» الصادر عام 2017، مؤكداً أن النظام الدولي يواجه ضغوطاً بنيوية لم تعهدها مؤسساته منذ نشأتها. أما الوقائع التي نعيشها في مارس 2026 فتتجاوز تشخيصه بما لم يكن يتصور.

ما يتشكّل أمامنا ليس انهياراً للهيمنة الغربية بضربة واحدة — فالقواعد الأمريكية لا تزال في المنطقة، والدولار لا يزال عملةَ النفط. لكن ما ينهار هو شيء أعمق وأبطأ: الإجماع الضمني على أن هذا النظام شرعي وطبيعي. حرب كانت مُصمَّمة لتُغيّر الشرق الأوسط كشفت في الوقت ذاته حدود الأداة التي استُخدمت لتغييره.

مائة وعشر سنوات مضت على اتفاقية سايكس-بيكو. في كل أزمة كبرى خلال هذا القرن طُرح السؤال ذاته: من الذي يرسم الخرائط؟ ومن الذي يغيب عن الطاولة حين تُرسم؟

وقد أعاد الحدث نفسه — التصعيد العسكري الكبير — إظهار حدود النظام الذي أرسى قواعده سايكس وبيكو عام 1916. فالضربات أسقطت الرهانات الإقليمية والدولية كلها على أهميتها الجيوسياسية في آنٍ واحد.

ربما سيكتب المؤرخون مستقبلاً أن التحول الحقيقي لم يحدث حين اندلعت حرب كبرى، بل حين اكتشفت القوى الكبرى أن الحرب نفسها لم تعد قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما فعلت قبل قرن. ما كان غائباً في 1916 لا يزال غائباً في 2026: الفاعل العربي المستقل، الحاضر في الغرفة حين تُرسم الخرائط لا المُخبَر بها بعد رسمها. التعددية القطبية لا تعني عدالةً تلقائية — تعني فراغاً يملؤه من يتقدم. السؤال الحقيقي لهذه المرحلة ليس: من سيهزم النظام القديم؟ بل: من سيبني النظام الجديد؟

المراجع والمصادر

• اتفاقية سايكس-بيكو، 9 مايو 1916 — FO 371/2777، الأرشيف الوطني البريطاني؛ ومشروع أفالون، كلية الحقوق، جامعة ييل
• الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي — Archives diplomatiques de Nantes، دوسيهات لوفان وسان ريمو
• ديفيد فرومكين — السلام الذي أنهى كل سلام، هنري هولت، نيويورك، 1989
• جيمس بار — خط في الرمال، دار نورتون، نيويورك، 2012
• ت. إ. لورنس — أعمدة الحكمة السبعة، الفصل التمهيدي المحذوف (1926، نُشر 1939)
• أندرو باسيفيتش — حرب أمريكا على الشرق الأوسط الكبير، داربهاوس، نيويورك، 2016
• ريتشارد هاس — عالم في فوضى، بنغوين برس، نيويورك، 2017
• أنطونيو غرامشي — مختارات من دفاتر السجن، تحقيق هوار/نوويل-سميث، دار النشر الدولية، نيويورك، 1971
• موسوعة بريتانيكا — النزاع الإيراني 2026 (تاريخ الاطلاع: 16 مارس 2026)
• Wikipedia — حرب إيران 2026 (تاريخ الاطلاع: 16 مارس 2026)
• Al Jazeera — تغطية مباشرة للحرب، الأيام 1-17، فبراير-مارس 2026
• NPR / OPB — تغطية الحرب وإحصاءات التكاليف والضحايا، 10-14 مارس 2026
• منظمة هنغاو لحقوق الإنسان (مقرها الولايات المتحدة) — تقرير العشرة أيام الأولى، 9 مارس 2026
• منظمة الصحة العالمية WHO — بيانات المنشآت الصحية المتضررة، مارس 2026
• القيادة الوسطى الأمريكية CENTCOM — بيانات رسمية، فبراير-مارس 2026
• وكالة الطاقة الدولية IEA — الإفراج عن الاحتياطي الطارئ، 11 مارس 2026
• CNN — تغطية أسواق النفط، 16 مارس 2026
• مكتبة مجلس العموم البريطاني CBP-10521 — الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، مارس 2026
• Times of Israel — إحصاءات الضحايا الإسرائيليين، 13 مارس 2026

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!