من قال أن البترول حقنا؟
عندما يقرأ الجزائري البسيط، أن الإمارات العربية المتحدة قد افتتحت أكبر حديقة في العالم تضم خمسة وأربعين مليون زهرة، يتبادر إلى ذهنه أن الذي حوّل واحدة من أسخن صحاري العالم إلى جنات..
إنما هاته الأنهار البترولية التي تجري من تحت هذه الإمارة، ويظن أن البترول وحده من يقدر على أن يُزهر القاحل، ويُخضر اليابس، ويُشبع الجوعى، كما أفهموه منذ أن أصبح النفط يشكّل 98 بالمئة من لقمة عيشه، دون أن يعلم أن هولاندا في قلب أوربا هي عاصمة زهور الزنبق، وهي المصدر الأول للورد في العالم رغم أنها لا تمتلك قطرة نفط واحدة، وزيلاندا الجديدة القابعة في القارة الأسترالية حوّلت جزيرة أوتي إيكا آماوي إلى جنة لأندر الزهور والأشجار، صارت قبلة لنجوم هوليود، الذين صوروا فيها أشهر الأفلام ومنها فيلم الساموراي الأخير، دون أن يشكل النفط أي نسبة في تاجها الخام، وغواتيمالا المسجونة في وسط القارة الأمريكية، زرعت كل البلاد التي مساحتها مئة ألف كيلومتر بالعشب الطبيعي بما في ذلك الأرصفة والطرقات، فصار زوار البلد الذين يطلبون آثار المايا يذهلون لهذا الإبداع رغم أن البلد لم يشم رائحة النفط على أرضه أبدا، بينما نبقى نحن سجناء النفط الذي يبدو أن استعماره أشد بطشا من الاستعمار الذي عانت منه الجزائر عبر عصورها.
هل يعلم الجزائريون أن الطبيب الذي يعمل في سوناطراك، يتقاضى مرتبا خمسة أضعاف مرتب بقية الأطباء، وهو ليس أحسن منهم مستوى ولا أكثر خبرة، وأن السكرتيرة التي تعمل في سوناطراك مرتبها يفوق مرتبات بعض الوزراء، وغالبيتهن لم يدخلن الجامعة، وأن الحارس الليلي في هاته الشركة العملاقة بمنشآتها وباسمها وبأموالها وبفضائحها أحسن مركزا من الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، وهل يعلم الجزائريون أنه موازاة مع اعتراف السيد عبد المجيد زرڤين المدير العام لسوناطراك، بتراجع احتياطي البترول في الجزائر وتوقعه لشح في مداخيل الجزائر، تقوم ذات المؤسسة بتمويل فرق الكرة التي يتقاضى لاعبوها مرتبات لا تقل عن المئتي مليون سنتيم دون أن تقدم هاته الفرق الكروية لاعبا واحدا ينافس المواهب التي تأتينا من المدارس الكروية الفرنسية، وهل يعلم الجزائريون أن الدولة عندما تزعم أنها بنت ملايين السكنات ووزعت غالبيتها بالمجان، ومنحت القروض للشباب إنما فعلت ذلك من اجتهادات غير بترولية، وأن المواطنين المحتجين إنما يطلبون ما صاروا يعتبرونه “حقهم في البترول”؟
وهل يعلم الذين يقولون أن البترول من حقنا، أنه لم يكن حقا للسابقين من أمثال الأمير عبد القادر، والشيخ بن باديس، والشهيد العربي بن مهدي، ولن يكون حقا للاحقين من أحفادنا الذين لن يجدوا غير الصحراء القاحلة. في كل دول العالم حق المواطن هو المساواة والحرية، وليس اقتسام ثروة لم يبذل أي جهد في سبيلها، بينما تتعامل السلطة بمسؤوليها وبشركتها الكبرى كصاحبة الكنز، ويتعامل المواطن كصاحب حق في فٌتات هذا الكنز، الذي فعل فينا ما لم يفعله الإستعمار.