-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
السياحة والعقارات في مهب الحرب

فقاعة “الملاذ الآمن” تنفجر في الإمارات!

الشروق أونلاين
  • 3601
  • 0
فقاعة “الملاذ الآمن” تنفجر في الإمارات!

برزت الإمارات خلال الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، التي استهدفت مواقع حيوية، كواحدة من أكثر دول الخليج تضرّرا، حيث باتت تواجه ما يصفه خبراء بـ “صدمة الوجود الاقتصادي”.

ورغم أن الإمارات تحوّلت في لمح البصر من “الوجهة الأولى” إلى “منطقة حذر”، تحت وطأة تصاعد المخاطر الإقليمية، وما رافقه من اضطراب في قطاعات حيوية كالسياحة والعقارات والتجارة، إلا أن الخطاب الرسمي حاول في المقابل إعادة صياغة المشهد بصورة مختلفة، عبر التأكيد على “القدرة على الصمود” و”احتواء الصدمة” واعتبار ما جرى اختبارا تم تجاوزه.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات رسمية وإعلامية تحدثت عن “الانتصار” بمعنى تجاوز مرحلة الذروة دون انهيار مؤسسي أو مالي، رغم أن الدولة لم تكن طرفا مباشرا في العمليات العسكرية بقدر ما كانت في موقع المتلقي لتداعياتها، أو كما قال نشطاء: “احتفلت بالانتصار في حرب لم تشارك فيها إلا بتلقي الضربات”!

هذا التباين بين الواقع الاقتصادي الذي أظهر تراجعا في الثقة والاستثمارات، وبين الخطاب السياسي الذي يركز على الاستقرار والاستمرارية، يعكس محاولة لإعادة ترميم الصورة الذهنية للإمارات كمركز آمن وجاذب، حتى في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.

أخطر صدمة اقتصادية منذ عقود!

وفقا لتقديرات عدد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين، تواجه الإمارات اليوم واحدة من أخطر المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث، إذ يُنظر إلى هذه الأزمة باعتبارها أكثر تعقيدا من تداعيات أزمة 2008 وجائحة كورونا، ليس فقط من حيث حجم الخسائر، بل من حيث طبيعتها البنيوية.

ويرى هؤلاء الخبراء أن خطورة الوضع الحالي تكمن في أنه لا يضرب قطاعا واحدا أو مؤشرا ماليا مؤقتا، بل يستهدف الركيزة الأساسية التي بُني عليها النموذج الاقتصادي الإماراتي، والمتمثلة في عنصر “الاستقرار والثقة” الذي جذب الاستثمارات الأجنبية ورسّخ مكانة الدولة كمركز عالمي للسياحة والتجارة والخدمات المالية.

وبحسب هذا التحليل، فإن تآكل الثقة تدريجيا يُعد أكثر خطورة من الأزمات السابقة، لأن تأثيره لا ينعكس فقط على الأرقام قصيرة المدى، بل يمتد إلى قرارات الاستثمار طويلة الأجل، وسلوك رؤوس الأموال، وصورة الدولة في الأسواق العالمية. ولهذا السبب، يعتبر بعض الخبراء أن الأزمة الحالية تمثل اختبارا وجوديا للنموذج الاقتصادي نفسه، وليس مجرد تقلب دوري يمكن تجاوزه بسياسات تقليدية.

من الانتعاش إلى الانكماش!

بلغة الأرقام، تشير بيانات وزارة الخارجية إلى أن الإمارات تلقت نحو 2819 صاروخا باليستيا وجوالا وطائرات مسيّرة، ما أدى إلى تعطيل جزئي في بعض منشآت الغاز بعد اندلاع حرائق نتيجة سقوط حطام اعتراضات، فيما توقفت مؤقتا بعض العمليات في مرافق رئيسية لمعالجة الغاز في أبوظبي خلال ذروة التصعيد، كما تأثرت عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، أحد أبرز منافذ تصدير النفط خارج مضيق هرمز، وسط اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين البحري.

ولم تقتصر هذه الاضطرابات على قطاع الطاقة والتجارة فقط، بل امتدت آثارها بشكل غير مباشر إلى قطاعي السياحة والعقارات، حيث أدت حالة عدم الاستقرار وارتفاع المخاطر الإقليمية إلى تراجع ثقة الزوار والمستثمرين، ما انعكس على حركة الحجوزات في مطار دبي الدولي وتباطؤ الطلب على العقارات في دبي، في ظل مخاوف من تراجع العوائد السياحية وتذبذب بيئة الاستثمار العقاري المرتبطة أساسا بصورة الأمان والاستقرار.

وذكر تقرير بريطاني نشرته منصة Middle East Eye في 29 مارس الماضي أن الحرب ألقت بظلال ثقيلة على اقتصاد الإمارات، حيث تراجعت مؤشرات الأسواق بشكل حاد، مع محو أكثر من 120 مليار دولار من القيمة السوقية لبورصتي دبي وأبوظبي خلال شهر واحد فقط. كما انخفض مؤشر دبي بنحو 16% منذ اندلاع الحرب، وتراجعت معاملات سوق العقارات بنسبة 37% على أساس سنوي، بينما هبطت المبيعات بأكثر من 50% مقارنة بشهر فيفري 2026، في حين تراجعت أسهم كبرى شركات التطوير العقاري بأكثر من 25%.

ورغم محاولة السلطات طمأنة المواطنين إلا أن التقرير استنتج أن تحليلات المعلومات المتاحة تشير إلى أن إنقاذ اقتصاد الإمارات في أي سيناريو ما بعد الحرب سيتطلب اتخاذ إجراءات اقتصادية أوسع وإصلاحات أعمق تعالج هشاشة النموذج القائم على السياحة والعقارات والخدمات، وليس مجرد رسائل طمأنة أو حملات دعائية.

وبحسب تقرير نشره موقع عربي21، نهاية شهر مارس الماضي، فإن الحرب أدت إلى صدمة اقتصادية واسعة في الإمارات، بعدما تحولت هجمات إيران على بنية تحتية حيوية مثل ميناء جبل علي إلى ضربة مباشرة للنموذج الاقتصادي القائم على التجارة العالمية.

ويُعد الميناء أحد أهم مراكز إعادة التصدير في المنطقة، إذ يعالج نحو 15.5 مليون حاوية سنويا ويرتبط بأكثر من 150 ميناء عالمي، كما يساهم بحوالي 36% من اقتصاد دبي.

وتشير تقديرات إلى أن توقف النشاط فيه قد يعني خسائر تقارب 530 مليون دولار يوميا، في وقت تراجعت حركة التجارة عبر مضيق هرمز بنسبة 97%، ما تسبب في اضطرابات واسعة بسلاسل الإمداد والتجارة والتمويل في الإمارات.

هكذا انفجرت فقاعة الملاذ الآمن!

لسنوات طويلة، رسّخت دبي صورتها كملاذ آمن للأموال والسياح، بعيدا عن اضطرابات المنطقة، غير أن استهداف العمق الإماراتي بالصواريخ والطائرات المسيّرة غيّر هذه المعادلة، ولم تعد المسألة مرتبطة بأضرار مادية فقط، بل بضربة نفسية أصابت ثقة المستثمر الأجنبي، وهو ما يُعد أخطر من أي خسارة آنية.

منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط تحدثت عديد التقارير عن الإمارات، حيث نشرت مجلة The New Yorker الأمريكية مقالا تناول فكرة تراجع “أسطورة دبي” كملاذ آمن للاستقرار والاستثمار، في حين تساءل كاتب عمود في The New York Times: “هل هذه هي نهاية دبي؟”. كما رصدت صحيفة Daily Mail البريطانية تقارير عن مغادرة عدد من المؤثرين لحياتهم الصاخبة في الإمارة، التي طالما قُدمت كمدينة مستقرة عصيّة على الأزمات، متحدثة عن ما وصفته بـ“هجرة كبرى من دبي”.

وجاءت هذه التغطيات الإعلامية بالتزامن مع التداول الواسع لمقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت مشاهد حالة من الهلع في الإمارات، حيث بدت حركة نزوح سريعة للمدنيين والسياح من مواقع مختلفة، مع ازدحام في الطرق والمنافذ الحيوية. وقد عكست هذه المشاهد حجم الصدمة التي خلّفتها التطورات الأمنية على الأرض، وأظهرت في الوقت نفسه التأثير النفسي العميق على الإحساس العام بالأمان والاستقرار، الذي شكّل لسنوات طويلة أحد أبرز عناصر جاذبية دبي.

وكشفت التحليلات أن الإمارات تعرضت لصدمة اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة بعد الضربات التي استهدفت مطار دبي الدولي ومطار أبوظبي، كما واجه قطاع العقارات صدمة مزدوجة بفعل الحرب؛ فالمبيعات تراجعت بنسبة 10-20% نتيجة تردد المشترين الأجانب، بينما ارتفعت تكاليف الإنشاءات بنسبة 8-12% نتيجة اضطرابات التوريد. وشهدت الإيجارات في المناطق الفاخرة انخفاضا يصل إلى 15% مع مغادرة مستأجرين أجانب وإلغاء عقود طويلة الأجل، في حين انعكست المخاوف على أسهم شركات التطوير العقاري الكبرى مثل “إعمار” و”الدار”.

ومع تفاقم الأزمة، بدأت الإمارات باتخاذ إجراءات طارئة للحد من هروب رؤوس الأموال، من تجميد الحسابات إلى فرض قيود على حركة الأموال وحظر سفر بعض رجال الأعمال. هذه الخطوات، رغم ضرورتها، أدت إلى اهتزاز صورة دبي كمركز مالي عالمي مستقر، وزادت من تردد المستثمرين الأجانب، مما هدد السيولة في البنوك وفرض على السلطات تدخلات عاجلة لدعم النظام المالي مؤقتا.

وفي خضم كل ذلك، وجدت مشاريع التنمية الكبرى نفسها على المحك. مشاريع مثل “مدينة دبي الطبية” و”ميناء جبل علي”، التي كانت تعتمد على تدفق مستمر للاستثمارات والسياح، توقفت عمليا، بينما أصبح تنفيذ الخطط الطموحة لدبي لمضاعفة اقتصادها خلال العقد المقبل وإعادة تنشيط قطاع السياحة أمرا صعب التحقيق.

خسائر السمعة.. أخطر من الأرقام

في ظل كل هذه التطورات، تشير تصريحات الدكتور أنور قرقاش، المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات، إلى التوجه نحو إعادة تقييم شاملة للأولويات الوطنية والتحالفات الدولية، وهنا يرى محللون أن مسار التعافي لن يكون سريعا، بل سيحتاج إلى إصلاحات هيكلية أعمق تتجاوز الحلول المؤقتة، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الإماراتي على قطاعات حساسة مثل السياحة والعقارات.

في ذات السياق، يؤكد ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في مؤسسة ستاندرد آند بورز، أن القطاع الخاص غير النفطي في الإمارات تأثر بشكل واضح نتيجة الحرب، رغم استمرار بعض مؤشرات الصمود مثل استقرار دفاتر الطلبات ونمو الإنتاج في عدد من الشركات. غير أن الصورة لا تقتصر على الأرقام فقط، إذ يبرز بعد آخر أكثر حساسية يتعلق بالسمعة والثقة، حيث تشير تقارير Deutsche Welle إلى أن نشر صور الأضرار والحديث عن الاعتقالات ألحق ضررا بصورة دبي كمدينة آمنة ومنفتحة، وهو ما قد يترك آثارا طويلة الأمد على جاذبيتها الاستثمارية.

ويلفت خبراء إلى أن الأزمة تمس جوهر النموذج الاقتصادي الذي بُنيت عليه دبي، والمتمثل في وعد “الاستقرار في منطقة غير مستقرة”، وهو ما يجعل من مصداقية هذا الوعد عاملا حاسما في تحديد مستقبل “حلم دبي”، بين إمكانية استعادته تدريجيا أو تعرضه لتآكل طويل الأمد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!