-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حلم ثلوج جبل "مقرس" يتحقق في الوقت بدل الضائع من عطلة الربيع

منهم سياح من جنوب البلاد… الزوار يتدفقون على جبال سطيف البيضاء

سمير منصوري
  • 821
  • 0
منهم سياح من جنوب البلاد… الزوار يتدفقون على جبال سطيف البيضاء
ح.م

بدت الطريق المزدوجة المؤدية من سطيف إلى بلدية عين عباسة، المتميزة بجبالها الشاهقة على مسافة حوالي 18 كلم، نهار السبت كما كان الحال يومي الخميس والجمعة عامرة بالحركة، بالمركبات التي تنقل الأفراد والعائلات، وما زاد في سلاسة الحركة هو جودة الطريق وازدواجيتها وتواجد رجال الدرك فيها، حيث كسرت منطقة عين عباسة وبالتحديد جبال مغرس البيضاء بالكامل، الصمت الذي خيم عليها منذ أواخر السنة الماضية وأوال السنة الحالية، عندما تهاطلت ثلوج مهمة على المنطقة.

تلاميذ يتمتعون بالعطلة إلى آخر دقيقة

المميز هذه المرة أن ثلوج أفريل كما سماها المواطنون، جاءت في شهر ربيعي بامتياز، وأيضا في عز العطلة الربيعية التي بدأت بعيد فطر ممطر، لم يتمتع فيه الأطفال باللعب وبلباسهم الفاخر، وانتهت بجو مثلج أخرج فيه الأطفال معاطفهم وقفازاتهم وعادوا للعب، وسط جو أبيض أشبه بالأحلام الطفولية التي لا تنتهي.

تزحلق ومتعة بيضاء في أفريل
ليست المرة الأولى خلال هذا الموسم الذي تتهاطل فيه الثلوج كما قال السيد سراوي، أحد سكان عين عباسة، فجبل مقرس الشاهق مقارنة بجبال الهضاب العليا، تلون بالأبيض مثله مثل جبال البابور شمالا، في نهاية شهر نوفمبر من سنة 2025، كما عاد لونه الأبيض في أواخر ديسمبر، وفي جانفي وفي شهر فيفري، ولكن عودة الثلوج مع بداية شهر أفريل هو الذي جلب فضول المواطنين. الجبل من العادة يستقبل في الربيع السياح الربيعيين الذين يحضرون لقطف بعض النباتات والزهور مثل “التلفاف والبليري” وما شابه ذلك وأيضا التمتع بالخضرة، وحتى سقي المياه الطبيعية وما أكثر منابعها في جبل مقرس، لأجل ذلك شاهدنا هذه الوفود القادمة من كل مكان تحط رحالها في الجبل، ومنهم من تكمل طريقها مشيا على الأقدام وهي في قمة السعادة، لأن الاقدام مغمورة في الثلوج.
الصور والفيديوهات التي تداولها المواطنون عبر المنصات هي التي جرتهم إلى المنطقة، حيث شاهدنا مواطنين قدموا من ولايات بعيدة عن سطيف، مثل عنابة والطارف وبسكرة واولاد جلال، كما قدم العديد من التونسيين الذين يتسوقون في العادة من محلات دبي بولاية سطيف.
يقول السيد عمري القادم من بلدية سيدي عقبة بولاية بسكرة، رفقة زوجته وأبنائه الثلاثة: “يوم الخميس نقل لي ابني الأكبر صورا، عن أطفال، يتمتعون ببياض الثلج في مقرس، وترجاني أن نتنقل إلى المكان للتمتع بالأجواء المثلجة، حاولت أن أفهمه بأنها صور قديمة ومن خيال الذكاء الاصطناعي، ولكنه تواصل مع صاحب الصفحة وهو من عين عباسة، فأخبره بأن الصور جديدة، والبساط الأبيض مازال على حاله، إلى غاية مساء الجمعة، فما كان مني سوى الاعتراف والقيام بالرحلة الشاقة، حيث قطعنا ما لا يقل عن 300 كلم ذهابا وسنكررها في طريق العودة، ولكننا صراحة تمتعنا بالبساط الأبيض الذي هو متعة للعين قبل الخاطر”، ولم يرد الأطفال بأي كلمة عندما سألناهم عن شعورهم، فقد كان كل واحد منهم يمرح ويجري في الثلوج، التي بلغ سمكها في بعض المناطق قرابة العشرين سنتم، واعترف السيد عمري بصعوبة إقناع الأولاد وحتى الزوجة بالعودة السريعة إلى سيدي عقبة، خاصة أنه تزود بأكلات شعبية وقهوة وحلويات تقليدية تكفي إلى غاية المساء وربما الليل.
ووجدنا في المكان الساحر مجموعة من الطلبة والطالبات الجامعيين من قسنطينة، وهم شباب من المشاة الذين قاموا في الخريف الماضي، بإنشاء جمعية أوكسجين، تسير وتجعل من المشي ثقافة عامة، حيث توجهوا يوم الجمعة إلى سطيف وقرروا المشيء في مجموعة في قلب الجبل، والتمتع بهوائه النقي بالرغم من برودة الطقس.

مُركّب سياحي مع وقف التنفيذ!
لا يعتبر جبل مقرس مكانا ساحرا ببياضه فقط، بل هو منطقة بيئية تجلب السياح في فصل الربيع، حيث الخضرة تبلغ مداها وخاصة في الصيف، إذ يقال بأن درجة الحرارة فيه مهما كانت في ارتفاع في مدينة سطيف، فإنها لا تصل أبدا إلى العشرين وتصل إلى 10 درجات ليلا في عز شهر أوت.
المكان الساحر جعل السلطات منذ عقود تفكر في إنجاز مركب سياحي ورياضي ينقل الفرق الكروية الجزائرية لتحضير موسمها الكروي هناك، بدلا من السفر إلى بلاد أخرى.
المشروع انطلق فعلا منذ عقدين أو أكثر، ثم تعطل وتكررت أسطوانة نقص السيولة، ثم تم التوقف عن إنجازه، وبسبب بُعد المكان، تم إهماله نهائيا وهو حاليا مثل الأطلال لا يزوره إلا المتأسفون المتحسرون عن مشروع لم يغادر الرسم والتسويف، وفي كل اجتماع للمجلس الشعبي الولائي تتحدث لجان الرياضة والسياحة والبيئة عن المشروع، وتنتهي الحكاية مع كل قطرة لعاب.
في المقابل، يجتهد بعض الخواص من الذين يستفيدون من الوضع الحالي، حيث تشاهد الخيول في المكان، ورحلة طفل أو شاب عبر فرس في قلب الثلج تستحق دفع مبلغ 500 دج من دون تفكير.
يقول صابر، وهو صاحب فرس أنيق: “يدرك الزبائن بأن وصول أعلى قمم جبل مقرس بفرسي هو مخاطرة وتعب كبير، لأجل ذلك أرى مبلغ الفسحة على الفرس في يوم مثلج وبساط أبيض تستحق مبلغ 500 دج، ويبتسم أحدهم من زبائنه ويقول: “هي مرة في العمر”، ويقول آخر: “مجرد تبادل الصور والفيديوهات مع أصدقائي وتهاطل الإعجابات وتعليقات بصحتك أغلى من أي ثمن يمكن أن يدفعه مواطن في أي فسحة أخرى”.
بينما يفضل الصغار التزحلق كل بطريقته، ويقول أحد مالكي أجهزة التزحل البدائية: “تمنينا من زمان أن يكون هناك مكان للتزحلق كما في تكجدة والشريعة، ولكن لا حياة لمن تنادي”.
أما الجالب للانتباه هذه المرة، هو غياب باعة الساندويتشات والشاي عن المكان، ولحسن الحظ فإن القادمين إلى جبل مقرس أخذوا احتياطاتهم ومنهم من أهل المنطقة من زوّد سياراته بالسلاسل، فكانت رحلته مريحة جدا من دون خوف من التعطلات.

وبعد البياض… اخضرار
يسير غالبية السياح ما لا يقل عن 500 متر مشيا على الاقدام، وهناك من يصر على بلوغ قمة الجبل الذي يرتفع مسافة 1760 مترا بين سفوح وأدغال، المواصلات شبه معدومة، والسائح الذي لا يمتلك مركبة عليه التفاهم مع “فرودير” والرحلة بين الذهاب والإياب لن تقل عن 3000 دج من سطيف، ولا تزيد عن 1000 دج من مدينة عين عباسة التي بها وسائل نقل مِن وإلى مدينة سطيف.
يخطئ من يظن أن وجهة جبل “مقرس” تنتهي مع ذوبان الثلوج واختفاء اللون الأبيض، بل إنها تبدأ من النهاية، بأحلى الصور.
فذوبان الثلوج من قمة الجبل تحول المكان إلى جداول وأحيانا شبه شلالات وفي منتصف أفريل على أبعد تقدير ستزداد خضورة المكان، ويمتلئ الجبل بالجداول وتعطي الأرض من نباتاتها ما لذ وطاب، وسرّ الناظرين.
العودة من رحلة جبل “مقرس” في عز الثلوج، هي عودة بطاقة إيجابية تشهّيك في الحياة وفي العمل، بعض الأطفال يملأون الأكياس بالثلج ويأخذونه إلى أحيائهم وبيوتهم، وسط فرحة غامرة، بينما تتحدث جوانب الطريق الفاصل بين عين عباسة وسطيف بلون أخضر، كان استثنائيا هذا الموسم الماطر، الذي رسم أحلى “الطابلوهات” في الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!