-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أقواس

من‭ ‬حزب‭ ‬الأصفهاني‭ ‬صاحب‭ ‬‮”‬الأغاني‮”‬‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬iBooks‮ ‬غوغل

أمين الزاوي
  • 5129
  • 9
من‭ ‬حزب‭ ‬الأصفهاني‭ ‬صاحب‭ ‬‮”‬الأغاني‮”‬‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬iBooks‮ ‬غوغل

في زمن عربي بائد، حيث كان العرب يهتمون بالكتب ويدفعون مقابلها الأموال الطائلة لشرائها أو نسخها أو تخطيطها، في ذلك الزمن الذي يقال إن بعض الكتب كانت تباع بمقدار وزنها ذهبا

  • وكان الواحد يسافر فيقطع الفيافي والصحاري من أجل اقتناء كتاب أو استنساخه في ذاك الزمن السحيق، كان بعض الأمراء العرب، على الأقل بعضهم!!!، غير بعيدين عن الكتاب، بل إن كثيرا منهم، حسب ما نقلتهم بعض الكتب، كان يجالس الأدباء ويتناقش الفقهاء ويتحاجج مع النحويين بمدارسهم المتناقضة وكان بعضهم قد نبغ في الشعر أو الكتابة النثرية، ولانشغال الحكام بالكتاب فقد كانوا يحملون مكتباتهم على ظهور الجمال ينزلون بها أينما نزلوا ويقرأون فيها أينما حلوا. وتروي الكتب المعتّقة أن بعض الأمراء، نظرا لاهتمامه بالكتب جمعا وقراءة، فقد تشكلت له قوافل كثيرة من الجمال همّها الوحيد نقل الكتب أينما نزل الأمير وحاشيته من المثقفين، وذات يوم شعر أحد الأمراء بأن النقل والتنقل المستمر لهذه القوافل المحملة ظهورها بالكتب أصبح متعبا وعسيرا، إذ أن بعض هذه الكتب المخطوطة التي زاد عددها قد بدأ يهددها التلف من الأسفار وأثار التنقال، آنذاك فكر أبو الفرج الأصفهاني (897 – 967م) في حل لهذه المكتبة التي لا يستطيع مفارقتها بعض الأمراء في السلم كما في الحروب، وبعد تفكير وصل أبو الفرج الأصفهاني إلى حل وهو أن يختصر قافلة الكتب كلها في كتاب واحد يكون جامعا وصادقا ومفيدا للرحلة والعقل والتاريخ، مسكونا بفكرة اختصار قافلة من جمال ونوق الكتب اعتزل الأصفهاني نصف قرن (خمسين سنة!!) مع الكتب فقرأها جميعها ولخصها في كتابه الشهير الذي سماه “الأغاني” والذي لايزال مرجعا أساسيا في تاريخ الإبداع التأليفي العربي حتى الآن، يتداوله القراء والباحثون جيلا بعد جيل. ويروى عن الصاحب بن عباد (326 – 385هـ) وهو الوزير والعالم‮ ‬والأديب،‮ ‬أنه‭ ‬استغنى‭ ‬عن‭ ‬مكتبته‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬قافلة‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬جملا‮ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬ترافقه‭ ‬في‭ ‬تنقلاته‮ ‬وأسفاره،‭ ‬استغنى‭ ‬عنها‭ ‬ليعوضها‭ ‬بكتاب‭ ‬‮”‬الأغاني‮”‬‭ ‬لما‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬يديه‭.‬‮ ‬
  • وبكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، خفف المؤلف على الأمير ترحاله، فعوض “الأغاني” قافلة كاملة من الجمال المحملة بالكتب، وأصبح الأغاني كتاب الأمراء والعامة على السواء، وقد أشاد ابن خلدون بأهميته التاريخية والأدبية.
  • اليوم، وسعيا للحفاظ على الوقت وخفة الحمل والاقتصاد في المكان وشمولية المعرفة، لأجل هذا كله وأكثر، تشتغل مؤسسة غوغل وغيرها وبتنافس شديد وساخن على وضع مكتبات كاملة بأرصدتها المتعددة في جهاز صغير تصل قوة استيعابه ملايين الكتب ولا يتعدى وزنه المائتي غرام أو أقل. اليوم ومن خلال مكتبة iBooks غوغل الإلكترونية، تستطيع أن تسافر بمكتبة تكاد يكون حملها أكبر بآلاف المرات من الكتب التي كانت تحملها قوافل الأمير المثقف القارئ والتي اختصرها في “الأغاني”. نركب الطائرة ونحن نحمل معنا مكتبة تفوق المائتي ألف كتاب، وقدرة الاستيعاب‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬الجهاز‭. ‬نطلب‭ ‬كتابا‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬العالم،‭ ‬ندفع‭ ‬ثمنه‭ ‬بطريقة‭ ‬بنكية‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجهاز‭ ‬نفسه،‮ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تغادر‭ ‬مكتبك‭ ‬يصلك‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬جهازك‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬ثوان،‭ ‬أي‭ ‬بمجرد‭ ‬تسديد‭ ‬سعره‭.‬
  • لقد تطورت أجهزة المكتبة الرقمية ونحن لانزال في البداية، فالكتاب الإلكتروني الذي نقرأه على الشاشة ليس غريبا في شكله ونظام تصفيفه فهو شبيه تماما بالكتاب الورقي، ويقرئ الكتاب مع تقليب الأوراق على الشاشة كما هي مع الكتاب الورقي، وكما مع الكتاب الورقي يمكن للقارئ أيضا أن يسجل ملاحظاته بقلم إلكتروني متوفر في الجهاز، يمكنه أن يخطط على الورقة الافتراضية أو يسطر تحت كلمة أو يكتب ملاحظات أو تعليقا في الهامش أو أسفل الصفحة، كما أنه بالإمكان البحث مباشرة عن معنى كلمة أو مفهوم أو إشكال، بمجرد استدعاء أو طلب خدمة المعجم.
  • لكن حين ستدخل، ذات يوم، المكتبات برفوفها التي يصل طولها الكيلومترات وبناياتها الضخمة ومكتبييها وأرشيفييها في قمقم هذا الجهاز المعرفي العجيب iBooks الذي لا يتجاوز حجمه حجم لوحة تلميذ السنة الأولى ابتدائي، حين يحصل هذا الزلزال العلمي المبهر، وزمن حدوثه ليس ببعيد وقد ابتدأ، على الأقل في جزء كبير من شمال الكرة الأرضية، نتساءل ما مصير المكتبات الكلاسيكية يا ترى؟ ما مصير دور النشر؟ وما مصير مصانع الورق؟ وما مصير أجهزة الطباعة الراقية؟ وما مصير الكاتب المبدع؟ ما مصير أطراف هذه الشبكة التي ظلت لقرون تصنع الكتاب وترعاه‮ ‬ليوصل‭ ‬المتعة‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬بدأ‭ ‬يتحول‭ ‬قليلا‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬قارئ‭ ‬ورق‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬للشاشة‭ ‬العجيبة؟‭ ‬من‭ ‬قارئ‭ ‬كلاسيكي‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬جديد‭ ‬‮”‬قارئ‭ ‬شاشوي‮”‬؟
  • أمام‭ ‬هذا‭ ‬الزلزال‭ ‬المكتبي‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الرقمي‭ ‬المنظم،‭ ‬سنفتح‭ ‬أعيننا‭ ‬ذات‭ ‬صباح‭ ‬قريب،‭ ‬لنجد‭ ‬عالم‭ ‬الكتاب‭ ‬قد‭ ‬تغير،‭ ‬انقلاب‭ ‬كلي‮ ‬وشامل‭:‬
  • أولا: سنجد المكتبات الورقية وقد تحولت بكتبها الحالية إلى متاحف، متاحف للكتب؟ سيجيء جيل من القراء الرقميين الافتراضيين ليستغربوا علاقتنا التقليدية مع الكتاب ويصبح طعم تلك العلاقة من بقايا نوسطالجيا الزمن المكتبي الجميل. ربما؟؟؟
  • ثانيا: ستتحول دور النشر بمطابعها التي كانت قبل سنوات تطبع آلاف النسخ من الكتب الورقية، إلى دور نشر إنتاج كتب بنسخ قليلة جدا وبتقانة جديدة عالية وبحس فني متجدد، وبموجب ذلك تتحول هذه الكتب الورقية الجديدة إلى ما يشبه القطع الفنية، بقيمة تعادل ربما قيمة اللوحات الفنية، وبذلك تدخل الكتب الورقية التي لن ينقطع بيعها ولا صناعتها خانة الفن التشكيلي وخانة التحف الفنية. وستشهد الطباعة الورقية الفنية للكتب تنافسا كبيرا وسيتحول سوقها من سوق العامة إلى سوق يشبه سوق “المخطوطات” في زمن ازدهار سوق الخطاطين والوراقين في “تومبوكتو‮”‬‭. ‬
  • ثالثا: وحده، الكاتب المبدع سينجو من هذا الزلزال، من هذا الطوفان، سيستمر في الكتابة والإبداع ولكن بحس آخر تجاه القارئ والقراءة وتجاه الوقت وتجاه الآلة، وحده المبدع الكاتب سيكون مثل سفينة نوح ناجيا من أمواج الطوفان، لأن لا مكتبات ورقية ولا مكتبات افتراضية إلكترونية‭ ‬تستطيع‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬المبدع‭. ‬لا‭ ‬حزب‭ ‬الأصفهاني‮ ‬ولا‭ ‬حزب‭ ‬غوغل‭ ‬يستطيع‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬المبدع،‭ ‬هو‭ ‬المحرك‭ ‬التاريخي‭ ‬الدائم‭.‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • personne

    إن الأمر ينطبق على كل المفارقات التي تمخضت عن التكنولولجيا الحديثة فشتان ما بين الجلوس أمام شاشة الأنترنت و بين احتضان كتاب في الوضعية التي تريحك لقراءته و شتان بين ذوق قهوة كدقوقة بمهراس نحاسي و مقطرة بمصفاة قماش على أنغام دندنة الوالدة و تلك امزروبة في براس و شتان ما بين طعم كسكس مفتول بأنامل لم تعرف أظافرها صياغة سوى الحناء وفي قصعة خشبية تزيد من مذاقه الحلو و ما بين كسكس اليوم الذي أصيح يباع معلبا بعد أن خاض دقيقه يهدلة داخل المعامل و شتان ما بين لم شمل الأسرة في البيت حول الكانون و مابين الفراق الأبدي و العلاقة الجليدية التي أفرزتها التكنولوجيا الرقمية و الثائمة طويلة يا أستاذ و ما قولنا إلا الرجوع للأصل فضيلة

  • رياض

    السلام عليكم:

    أبدا لن تزول الكتب مهما تطورنا من الرقميات و البصريات إلى
    علم اللّدني...فللكتاب رائحة أطيب من ريح الفل..و لمس كتاب يثير في نفسي كل شهواتي المكبوتة...عندما أجلس إلى كتاب و كأني أجلس إلى إمرأة في قمة جمالها..و لا أجلس إلى كتاب إلاّ في بيت النوم لأني هناك حتما سأحتضنه بعد مطالعته..و كأني أحتضن إمرأة في قمة جمالها..إن للكتب شهوة و جمال أشدّ من شهوة و جمال إمرأة في قمة جمالها.....!!!

  • حميد

    شكرا دكتور امرن لكني لاظن ان الكتاب سيندثر

  • آمال

    سلام دكتور أمين الزاوي :

    أقواس رائعة تركتني أحفظها عن ظهر قلب أشكرك .
    نلتقي في أقواس أخرى أجمل إن شاء الله ................

  • فاتح

    شكرا لك الدراسة المستقبلية التي أحبها كثيرا و هي قريبا تتدخل ضمن العلوم اي فرع من العلوم. أستاذنا

  • Vétérinaire

    الفكرة رائعة يمكن استثمارها لإنتاج فيلم خيالي.آه لو كان عندنا –وهرن وود-Wahranwood-
    هل يمكن ايجاد معنى لiBooks

  • Transitoire

    أيها الأديب المبدع كان بإمكانك القول حنين بدل-نوسطالجيا-
    معذرة على الملاحظة فإنها بكل-اينوسونس-

  • بدون اسم

    عن محمود درويش يقول "لا تثق في الحصان او في الحداثة"

    المشكلة في الكتاب الرقمي رغم ما يوفره انه خطر فلا توجد اي ضمانة لدى الانسان بان الحضارة التي نعيشها سوف تدوم

    تخيلوا لو توقفت الانترنيت لسبب ما الا يعني هذا فقدان ثورة هائلة من التدوين البشري الحديث العهد

    هناك بعض المفكرين يحدرون من الاعتماد على "الرقمنة"

    في اي لحظة لو فقدنا الشيفرة التي تعمل بها فكل معرفنا سوف تزول

    ماذا لو انهارت الحضارة لا سبب كحرب عالمية

    ماذا سيحل بالمعارف ما ستفعل بقرص صلب يمحل مليون كتاب ان لم تمتلك حاسوبا

    يجب على الانسان الحفاض على الكتاب الورقي رغم تكلفته المرتفعة

    لولا النقوش الطينية في حضارة ما بين النهرين او الحجرية في الحظارة الفرعونية لضاع ميراث بشري لا يقدر بثمن

    الكتب الورقي ضمانة شبه امنه لاجيال المستقبل من اعادت بعث الحظارة ان هي انهارت وهذا ليس ببعيد كما بشر انشتين
    او فرويد وغيرهم الكثيرون

  • البروفسار عميراوي

    أخي الدكتور امين الزاوي الأمين.. إني أتابع نشاطك..بل إبداعك، وانتقاءك للأهم قبل المهم..لأنه "لا‭ ‬حزب‭ ‬الأصفهاني‮ ‬ولا‭ ‬حزب‭ ‬غوغل‭ ‬يستطيع‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬المبدع"،‭ ‬مثلما لا تستطيع جيوش العالم كلها -لو اتحدت- أن تمنع سيلان دمعة واحدة من على خدّ مظلوم منسي..