موازنة سياسية بلا رصيد لبلد بلا ساسة
نهاية السنة، توجب حتما اعتماد ميزانية سياسية هي فوق ما توليه الدول لاعتماد قانون المالية، مع التعويل على رصيد الموارد المالية المتوقع حصادها من الجباية، وقد جرت العادة أن نلتمس فيها ولها قدرا من التوازن بين الدخل المؤجل والإنفاق العاجل، فكيف كنا سنحسب “الميزانية السياسية” في دولة بلا رصيد سياسي، وبلد يفتقر إلى ساسة، وهو على بعد أيام قليلة من حلول سنة صعبة، ملغمة، تتدافع فيها ملفات لا نعلم ما تخفيه من مفاجآت؟
على خلاف قانون المالية الذي استنسخنا صيغه من العرف الدولي، فإنه ليس للميزانية السياسية نموذج يُستنسخ، ولا نملك لها أداة تمويل مجربة مثل الجباية، حتى نضبط إيقاع آمال المواطنين المؤجلة على قدر ما تسمح به الظروف، كل ما بين أيدينا هو رصيد مضطرب من ممارسات نخبوية بنجاحاتها القليلة، وإخفاقاتها التي صرنا معها مثل “المتعودة” مع أننا نستشرف بالحدس ما يحتاجه البلد من جهد وإبداع في صنع المواءمة، وجمع المقسم بإعادة النظر في القسمة، وجبر الكسور بجبر الخواطر، حتى نسيِّر سنة آمنة سياسيا، أمنيا، واجتماعيا، بلا حروب استباقية طاحنة بين علية القوم، أو مشاغبة شعبية بلا أفق في الشوارع، تهدر، فتهدم، ثم ترد.
يقينا أن السلطة تكون قد وعت أنها لم تعد تمتلك “شريكا” في إدارة اللعبة السياسية، بعد أن “نجحت” في تحويل المشهد السياسي إلى واد بلا زرع، وصحراء قاحلة، موحشة حتى من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، بشهادة آخر الاستحقاقات الانتخابية، وقد بدت فيها شخوص المعارضة أشبه بـ”المعيدي تسمع به خير من أن تراه” فكانت ـ في عين السلطة كما في حساب الناخب ـ أقل حظا من ضَمَرَة بن ضَمَرَة عند النعمان بن المنذر، ولم يكن لها لا لسانه ولا قلبه، حتى تقول لمن استقبحها، ما قاله ضَمَرَة وقد استخف النعمان بدمامته: “إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإن قال، قال ببيان، وإن قاتل، قاتل بجنان” فكان لسانها أعجميا قد غلبت عليه رطانة غلمان الروم، وقلبها دون لعثمة لسانها المغلول.
عند إعداد الميزانية السياسية الافتراضية لسنةٍ قادمة مفصلية، يحسن بنا أن نحتسب هذا التجريف المخيف للمشهد السياسي كمغرم للسلطة ابتداء، حتى وإن احتسبه أربابها مغنما، وهو بلا ريب عجز مخلّ، أخطر من أي عجز في الموازنة المالية، لأننا لا نملك له احتياطيا نغترف منه عند الحاجة، كما يفعل رِؤساء الحكومة لرتق فتوق موازنات السنوات الثلاث الأخيرة، بل صار عجزا هيكليا مستداما، قد يحتاج تداركه إلى القفز على طموحات جيل كامل، أو إلى تيهٍ كتيه بني إسرائيل، إلى أن ينقرض جيل المعارضة المستحلبة من مشتقات تعددية مهداة، وينشأ جيلٌ مؤهل بلسان له بيان، وبقلب يناضل بجنان حتى ينتزع التداول عنوة لا مِنَّة.
رصيدُنا الوحيد الذي نعوِّل عليه كضامن لمرور آمن (مع حُرقة ومرارة) هو الصبر مع الاقتدار الذي ساير به المواطن حوار الطرش الصاخب، بين نخبةٍ مُمسكة بالحكم بقانون القوة، وقد انتحلت من بعضهم شعار: “لها” نحيا و”فيها” نموت، ونخب معارضة بالعَرَض وبلا غرض، وُلدت كسيحة بلا حول ولا قوة، قد قُضيَ لشخوصها منذ النشأة “حرية” الانتظار على الأعراف ومناداة “أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ”.