-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ما لا يقال

مواطنون وأمراء وحكومة؟!

مواطنون وأمراء وحكومة؟!

أنجبت لنا مرحلة ما يسمى بـ (العشرية الحمراء) أكثر من 500 أمير عبر القطر الجزائري، كانوا منشغلين بالنهب والسلب والتقاتل فيما بينهم، بالرغم من أنهم نجحوا في إنشاء أكثر من تنظيم مسلح، لكن النهاية كانت مؤلمة، ولم يطو حتى الآن ملفها، وهو أحد أسباب ظهور “الفكر البيومتري الغربي “في الجزائر. واستمرار “المتاريس والإسمنت المسلح” أمام المؤسسات الأمنية.

وبمجرد أن طوينا “ملف الإرهاب” كان يفترض أن تنتهي مظاهره المادية وسلوكه المهني في الإدارة الجزائرية، لكن استمرار حالة الطوارئ ومنع إنشاء أحزاب جديدة، وانحصار دور المنتخبين في الدفاع عن مصالحهم، حوّل المواطن إلى “كرة” تتفاذفها الإدارة ما بين 48 أميرا وحكومة تنتظر تغييرا مفترضا. وأحزاب منشغلة بتحضير انتخابات “استشرافية” شبيهة بوزارة جديدة سمّاها البعض بـ (الإحصاء التكهني) والبعض الآخر بوزارة “التقزين والأرقام”.

في ظل هذا الوضع، يجد المواطن نفسه “غير آمن” فالسرقة صارت محمية في الساحات العمومية لمعظم الولايات، والأمن منشغل بـ (أمنه) وأمن أمراء الولايات الـ 48 الذين لا يختلفون في ممارساتهم الميدانية عن “فرحات مهني”، وبالمقابل ما تزال الحكومة وإطاراتها تؤجر مساكنها للأجانب وتقيم في محميات نادي الصنوبر وموريتي وسيدي فرج، بل إن هناك بعض الوزراء حوّلوا الإقامات الرسمية لبعض الولايات إلى إقامات للراحة والاستجمام.

 

مَن يستمع إلى مَن؟

والسؤال هو: ماذا يعني أن يأمر وزير الداخلية ولاته بـ (تجنب الحڤرة) واستحداث مصالح إصغاء للمواطنين؟ هل بدأ الوزراء يستيقظون من غفوتهم بعد أن لحقهم آذاء أمراء الولايات؟ وكيف يمكن لوال أن يستمع إلى مواطن وهو لا يرد على هاتف الوزير ولا يستقبل أعضاء البرلمان؟ وكيف يمكن لوال أن يفكر في المواطن وهو يهين الصحافة ويتابع المراسلين قضائيا؟

هل يستطيع وال واحد أن يمشي في شوارع أية مدينة بولايته دون شرطة وأمن وغلق طرقات وخلق مشاكل للمواطنين؟

هل صدفة أن ينتهي “الإرهاب الإسلاموي” ليعوض بإرهاب “الحڤرة”  على حد تعبير وزير الداخلية؟

أيغفل أن المدينة التي كانت تنام قبل الثامنة مساء، خلال الحقبة الإرهابية، تصير اليوم تنام في الوقت نفسه، ما الفرق بين عصابة سمّت نفسها “إسلامية” وعصابة سمّت نفسها باسم الحي الذي تقيم فيه؟

قد لا يصدق القارئ إذا قلت له إن بعض الولاة كانوا لا يردون على هواتف “الوزراء المنتدبين” وأعضاء مجلس الأمة والشعب لولايتهم لأن حصانتهم تكمن في حاجة أعضاء الحكومة إليهم.

والذين كانوا يتعاملون مباشرة مع وزير الداخلية السابق لم يتوقعوا أن يخلفه وزيره المنتدب، وبالتالي وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، لكن من تعلم “التزلّف للآخر”، بإمكانه الخروج من هذا الموقف.

ولو كان هؤلاء الولاة يحترمون أنفسهم لقدّموا استقالتهم بمجرد مجيء هذ الوزير أو ذاك حقنا لماء الوجه، فهل يصلح أن يطلب وزير الداخلية منهم الاستماع إلى غيره؟

إذا لم يتخذ الوزير قرارات حاسمة إزاء الأمراء الجدد فإنه سيصير أميرا بدون إمارة.

إن أهم قرار يمكن لوزير الداخلية اتخاذه هو تحميل “الأمراء الجدد” مسؤولية أمن المواطن وممتلكاته والأملاك العمومية. وإنشاء وسيط لوزارة الداخلية في كل ولاية مكلف بتقديم تقرير شهري بشكاوى المواطنين.

لقد ارتاح المواطنون لقرار الوزير بتقليص أوراق البيومتري، ولكن القرار غير كاف، إذ يفترض أن نفسر للمواطن سبب استيراد “35 مليون شريحة” إلكترونية بالعملة الصعبة، والجهة الفرنسية التي تمت الاتفاقية معها.

والمطلوب هو الفصل بين أوراق البطاقة الوطنية وأوراق جواز السفر حتى يدرك المواطن أن هناك جهة أجنبية وراء هذا “المشروع الإلكتروني”.

.. حتى الوزراء صاروا مواطنين؟!

لا أحد من الإطارات السامية بمن فيها الوزراء يعرفون “تاريخ عطلتهم الصيفية” وهو يدل على أن السلطة في الجزائر تهين نفسها فهي لا تحترم أوقات اجتماعاتها الرسمية، ولا تعطي اعتبارا لمنجزات غيرها. تصوروا معي التنافس بين “الولاة” حول عدد الناجحين في المنظومة التربوية بولايتهم، وليس حول الإنجاز المادي لهؤلاء الناجحين.

ما دامت التحقيقات لم تفتح حول الوزارات التي عرفت عمليات نهب واسعة، ولم يحاكم الوزراء، فمن الطبيعي أن “يتفرعن” أمراء الولايات.

وما دام هناك مصطلح تتعامل به السلطة مع من تقصيهم وهو إحالة المقصي إلى “مهام أخرى”، فمن الطبيعي أن يشكك المواطنون في أي تعديل حكومي، وحين نقرأ في الصحف بأن هناك وزراء لا يتعاملون مع الوزير الأول، وهناك ولاة لا يردون على الوزراء، فماذا يكون انطباعنا؟

إن مقولة “وزراء الرئيس” و”وزراء الأحزاب” خاطئة لأنها من تسويق أصحابها، والدليل على ذلك هو التعديل الأخير.

لكن الحقيقة التي لا يريد البعض التصريح بها هي أن هناك “وزراء شيتة” وهؤلاء، مع الأسف الشديد، هم الذين شوّهوا سمعة الرئيس، وهناك “وزراء نفاق” وهي مدرسة تمجد الجهوية والمحسوبية، وهناك “وزراء صحافة”، والقليل القليل وزراء الميدان.

وهناك حرب خفية بين العديد من الوزراء، وإذا أراد أحد أن يتأكد مما أدّعيه فعليه بمتابعة أية وزارة خلال فترتي وزيرين سابقين ليدرك حجم الأضرار التي تلحق بمؤسسات الدولة في عهد هذا الوزير أو ذاك.

كل وزير يستلم وزارته يبدأ من الصفر، بحيث صار عدد الوزارات بعدد الوزراء في وزارة واحدة.

تطور مفهوم “قفة رمضان” ولم تتطور الوزارة المعنية بها، وتطورت طرق تسديد ديون المؤسسات العمومية المفلسة ولم يتطور إنتاجها أو يتغير من أوصلوها إلى الإفلاس.

تطورت طرق وأساليب الغش في الجامعات ولم يتطور الأداء الجامعي أو تكنولوجيا محاربة الغش.

ما تحقق للبلاد من تطور تكنولوجي كان في فائدة “النهب والغش والسرقة” وكأن السلطة لا تريد للبلاد أن ترفع رأسها عاليا مثلما رفع العلم الجزائري في كأس العالم، إنها تريد امتصاص الغضب من الشارع لرميه في الملاعب الرياضية، دون أن تعوضه بالحراك السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، وهو ما أدّى إلى ظهور “إمارة ومواطنة وسلطة” في غياب الوطن والشعب، والانقسام ما بين المواطنين والسلطة وحكومة الظل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • عبد الرزاق

    براك الله فيك على هاذا المقال ان الوطن يبنيه الرجال وليس اصحاب الكواليس والمصالحة

  • انىس ابو اللىل

    شكرا لكم على مقالاثكم الرائعه الثي ما ثنفكون ثنورون بها القارئ المثعطش الى ادراك الحقائق
    الوطنيه دونما رثوش او ثنميق لنقل اخي الفاضل ان البلا د ستظل على هذا الوضع ان لم تنزلق امورها الى الاسوا ان هي لم تسارع الى اصلاحات سياسية حقيقية قوامها الديمقراطيه الحقة باعتبارها الضامن الاول و الاخير لثحقيق الاقلاع نحو تشييد وطن قوي في جميع الميادين