موسمٌ قرآنيّ جديد.. هموم ومسؤوليات
مع الإعلان عن فتح أبواب التسجيل في المدارس القرآنية هذا الأحد، لعل من المناسب أن نعود للكتابة والحديث عن علاقتنا المترهّلة بالقرآن! عن الظّلمة التي أطبقت على بيوتنا والخصومات التي استشرت فيها بسبب غياب القرآن عن أركانها، وعن التيه الذي يعيشه أبناؤنا وشبابنا بعد أن استبدلوا القرآن بالغناء والألحان، والمصاحف بالهواتف.
يُروى عن الإمام أحمدَ بنِ حنبل –رحمه الله- أنّه خرج يوما لصلاة العصر، فوقعت عينه على كعب امرأة كشفتها الريح، فوضع العباءة على وجهه وقال: “هذا زمن الفتن”.. بثَّ الإمام “أحمد” هذه الحسرة في أوائلَ القرن الثالث الهجريّ، حين وقعت عينه من غير قصد على كعب امرأة؛ فماذا عساه كان يقول لو أدرك زماننا هذا ورأى ما فيه من فتن هوجاء، من تبرّج وعري امتلأت به الشّوارع ووسائل الإعلام والهواتف؟! ورأى ما فيه من شبهات تشكّك في دين الله الحقّ يحملها بحر الإنترنت متلاطمُ الأمواج؟!
في زمن الإمام أحمد بن حنبل، كانوا يخافون على أبنائهم ويبيت الواحد منهم راكعا ساجدا يدعو لأبنائه أن يحفظهم الله ويهديهم ويثبّتهم على دينهم ويجنّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ فما الذي ينبغي أن نفعله نحن في هذا الزّمان المدلهمّ بالفتن؟!إنّه –والله- لا نجاة لنا ولأبنائنا وأهلينا إلا بالاعتصام بالله وبحبله المتين، بكتاب الله العظيم الذي جعله الله سببا للهداية والثّبات والنّجاح والنّجاة في الدّنيا والآخرة: ((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين)).
نرى الخطر ولكنّنا نتثاقل في المواجهة!
طالما سمعنا أحاديث مطوّلة عن بركة القرآن في الأعمار والبيوت والأبناء، وسمعنا كلاما كثيرا يبيّن كيف أنّ القرآن هو أعظم سبب للثّبات في هذه الحياة أمام فتن الشّبهات والشّهوات، لكنّنا –إلا من رحم الله منّا- نمرّ على تلك الأحاديث وعلى هذا الكلام مرور الكرام.. حالنا كحال من يرى وباءً قاتلا يستشري بين النّاس، ويعلم أنّ هناك حقنة ضرورية تحمي من ذاك الوباء، لكنّه في كلّ مرّة يقول في نفسه: لا بأس، الوباء لم يصل إليّ بعد، سآخذ الحقنة لاحقا. ويظلّ يسوّف ويسوّف حتّى يصاب بالوباء.. وهكذا كثير منّا يرون أنفسهم كيف هي ضعيفة أمام الشبهات والشّهوات، ويرون أبناءهم يسبحون في الفتن أو يسيرون في طرق تتلألأ فيها الفتن ذات اليمين وذات الشّمال، ومع ذلك يتخلّفون عن الفرار إلى القرآن!
أبناؤنا أمام خطر عظيم يتهدّد دينهم. ووالله لئن لم نسارع إلى تحصينهم بالقرآن لنفجعنّ بجيل لا يربطه بالدّين رباط، ولا يحمل في هذه الدّنيا همّا لدينه ولا أمّته، ولن يكون له من همّ إلا إشباع شهواته.. كثير من أبنائنا وشبابنا يقولونها الآن بكلّ صراحة أنّهم لا يشغل بالهم إلا أن تكون هواتفهم مشحونة بالإنترنت ليقضوا أوقاتهم في العبث مع العابثين والعابثات على مواقع التواصل.. كانت الأمّة في قرون مضت تُذلّ وتهان وتحتلّ أراضيها، لكنّ شبابها ما كانت تنحطّ هممهم إلى هذا الدّرك السّحيق الذي انحدرنا إليه في زماننا هذا!
هكذا يفرّ المرابطون والأعاجم إلى القرآن
العلاج بين أيدينا وأمامنا: علاج لا يكلّفنا أموالا كثيرة، إنّما يحتاج منّا إلى الاهتمام والمتابعة: إنّه كتاب الله الذي جعله الله هدى وشفاء: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين)).. هذه الحقيقة لا تغيب عن أذهان إخواننا في أرض البلاء، في غزّة المرابطة، ولا تغيب عن واقعهم؛ ففي خضمّ الحرب القائمة على القطاع، بدا واضحا أنّ أعظم سبب لثبات الصغار والكبار هو القرآن. قطاع غزّة أصبح من أكثر بقاع الأرض التي يُحفظ ويتلى فيها القرآن. 25 ألف حافظ يتخرجون في عام واحد في مخيمات “تاج الوقار للأقصى انتصار”. ما يقرب من 1500 حافظ يسردون القرآن كاملا في جلسة واحدة. بل وفي أوج الحرب المعلنة على القطاع لم يتوقّف تحفيظ القرآن، فهناك الآن في خيام اللجوء حلقات لتحفيظ كلام الله الواحد الأحد.. شعب كأنّما عجن لحمه بالقرآن، أو كأنّما القرآن يسري في عروق أبنائه.. لذلك فلا عجب أن نسمع أطفالا في غزّة يقدّمون للأمّة دروسا في العقيدة والثبات يعجز عنها الكبار بل ويعجز عنها الشيوخ والدّعاة في كثير من بلاد الإسلام.
وإذا كانت أحوال الكبار والصغار في قطاع غزّة لم تؤثّر في قلوبنا، فهلاّ نظرنا إلى حال إخواننا المسلمين الأعاجم مع كتاب الله.. مسلمون لا يفهمون من اللغة العربية إلا كلمات قليلة، ولا يكاد الواحد منهم ينطق بعض العبارات العربية إلا بصعوبة، لكنّهم يتلون القرآن الكريم بأصوات ندية خاشعة تهتزّ لها الجبال، بل إنّهم يحفظون القرآن كبارا وصغارا شبابا وشيبا.
إنّ القلب ليشعر بالغيرة ومعها بالحسرة، حينما نرى أبناءنا نحن المسلمين العرب بعيدين عن القرآن لاهثين خلف الألعاب والملهيات، في الوقت الذي يتنافس فيه أبناء المسلمين الأعاجم على حفظ كتاب الله.. في إندونيسيا –مثلا- التي لم يصل إليها الإسلام إلا في القرن الحادي عشر الميلادي (أواخر القرن الثالث الهجريّ)؛ يتنافس الأطفال في حفظ كتاب الله عن ظهر قلب، من دون أن يفهم الواحد منهم شيئا من معانيه.. حتى إنّ هناك جزيرة في إندونيسيا تشتهر بـ”جزيرة الحفّاظ”، لكثرة ما فيها من حفظة كتاب الله تعالى، وهي جزيرة “لومبوك” الواقعة في مقاطعة “نوسا تنقارا الغربية” في إندونيسيا. أطفال وفتيات وشباب يتكلّمون العربية بصعوبة بالغة، ومع ذلك يحفظون القرآن، ويتلونه بأصوات عذبة تهتزّ لها الأرواح.. ومن معاهد تحفيظ القرآن المشهورة في هذه الجزيرة: معهد العزيزية للقرآن الكريم، الذي أسسه الشيخ مصطفى عمر عبد العزيز، وبناه وجهّزه من ماله الخاصّ، بعد أن باع كلّ ما يملك من بساتين.. يدرس فيه أكثر من 2000 طالب، ويتخرّج فيه مئات الحفظة.. كلّ ذلك في ميزان هذا الشيخ الذي فهم حقيقة الحياة الدّنيا، وعرف أنّ أربح تجارة هي التجارة مع الله، والتجارة في تعليم وتحفيظ كلام الله.
الأعجب ممّا سبق أنّ هناك بلاد أعجمية علمانية، يُضيّق فيها على التعليم الدينيّ، وتغلق أبواب مدارس القرآن، ومع ذلك يخرج من تلك البلاد أطفال يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب.. في المسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم التي نظمتها مصر في رمضان قبل الماضي، شارك 110 متنافسٍ، بينهم أطفال أعاجم من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا، كان من أبرزهم 3 حفاظ في العاشرة من أعمارهم. هم: سعيدوف نبي الله محـمد خان من دولة طاجيكستان، ورفدة محـمد رشيد من دولة المالديف الواقعة في المحيط الهندي، ومحـمد جميل جيني من دولة السنغال.. وهذه الدول الثلاث علمانية، لا تهتمّ بالمدارس الدينية، ومنها من تحاربه! دولة طاجيكستان –مثلا- التي كلّ سكانها مسلمون، منعت في شهر جوان الماضي ارتداء الحجاب والاحتفال بعيدي الفطر والأضحى على المسلمين! ولكن رغم كلّ هذه القساوة والظّلمة، يخرج من طاجيكستان أطفال يحفظون القرآن ويشاركون في المسابقات العالمية.. فما الذي حال بيننا نحن وبين كتاب الله، ونحن الذين نعيش في بلد مسلم يدعم التعليم القرآني؟! ما الذي حال بين أبنائنا وبين كلام الله؟! إنّهم نحن الذين جعلنا الدّنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم، ضخّمنا الدّنيا في عيونهم، وصرنا نخاف عليهم إن هم اهتمّوا بالقرآن أن تضيع منهم الدّنيا، وأن يتأخروا في دراستهم، مع أنّنا في كلّ عام نرى كيف أنّ كثيرا من المتفوقين في امتحاني البكالوريا والتعليم المتوسّط هم من طلاب المدارس القرآنية. ونحفظ قول الإمام الشافعيّ –رحمه الله-: “من أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معاً فعليه بالقرآن”.
كثير من الآباء يحرص الواحد منهم على أن يسجّل أبناءه في الدروس الخاصّة (Les Cours) بدءًا من مرحلة الابتدائيّ، ليرفع مستواهم في الموادّ العلميّة، كلّ هذا حرصا على دنياهم، لكنّه لا يخطر له على بال أن يلحقهم بالمدارس القرآنية أو يشرف على متابعتهم في البيت ليكونوا من حفظة كتاب الله، ويكونوا ذخرا لوالديهم في الدنيا وشفعاء لهم يوم القيامة!
والمصيبة لم تتوقّف عند اهتمام أبنائنا بالدنيا على حساب القرآن، بل إنّ أبناءنا ضيّعوا القرآن وضيّعوا دنياهم وانكبّوا على الهواتف ومواقع التواصل، يراوحون بين المقاطع والمنشورات التافهة، وبين الألعاب المحرقة للأوقات. أصبح الهاتف عند كثير من أبنائنا وشبابنا أسوأ صديق. كنا نتحدّث في عقود مضت عن رفقاء السّوء، وبلينا في هذا الزّمان بتحوّل الهواتف إلى رفقاء سوء يسوقون شبابنا وأبناءنا إلى مستنقعات الشهوات والشبهات والتوافه والملهيات.
دعوة للعودة والمراجعة
واقعنا الصّعب يحتاج إلى مسلمين يُغالبون أنفسهم ويضحّون بشيء من أموالهم وأوقاتهم لخدمة القرآن.. نحن نتنافس في بيع الأراضي، وفي إعلاء السّكنات، وننسى أنّ أبناءنا في أمسّ الحاجة إلى مدارس قرآنية تحتضنهم وتحميهم من سعار الشّهوات والشبهات التي امتلأ بها الواقع والمواقع.
أبناؤنا أمانة في أعناقنا، وقدرهم أن يعيشوا زمانا صعبا مثل هذا الزّمان، ومن واجبنا أن نحميهم ونحصّنهم بالقرآن، ونتنافس في إلحاقهم بالمدارس والأقسام القرآنية: يقول الإمام السيوطي -رحمه الله-: «تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشؤون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها، وسوادها بأكدار المعصية والضلال».
ومن لم يمكنه ضمّ أبنائه إلى المدارس القرآنية، فينبغي أن يربطهم بالقرآن في البيت. ينبغي أن يحبّب القرآن إلى قلوبهم ويشجّعهم على حفظه وتعلّم تلاوته وتفسيره، ويرصد لهم الجوائز لذلك. ويكون قدوة لهم في الاهتمام بتلاوته وسماعه وتدبّره وحفظه.. إذا أردنا صلاح بيوتنا وأبنائنا فلنُعد القرآنَ إلى بيوتنا. زماننا زمان فتن مدلهمّة، لكنّه أيضا زمان كثرةِ وتيسّر الأسباب المعينة على حفظ القرآن وحسن تلاوته وتدبّره؛ البرامج المعينة على الحفظ ما أكثرها على شبكة الإنترنت! ودروس تعليم التلاوة لا حصر لها.. والقراءات الندية العذبة التي تساعد على التدبّر وتعلّم التلاوة امتلأت بها الإنترنت.. والمحروم هو من حرم نفسه من كلّ هذا الخير، وعاش عقودا من عمره، وانتقل عن الدّنيا ولا حظّ له من القرآن؛ يموت يوم يموت لا يحفظ من القرآن إلا شيئا قليلا. يموت وهو لا يحسن ترتيل كلام ربّه، ولا يحسن تفسير قصار السّور، وليس بين أبنائه من يحفظ أو يرتّل القرآن ليشفع فيه بين يدي الله.