-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

موقف جمعية العلماء من اندلاع الثورة من خلال جريدة البصائر

موقف جمعية العلماء من اندلاع الثورة من خلال جريدة البصائر

لا يزال موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954م يثير بعض الجدل أحيانا، فهناك من أنكر إسهامها في إعداد الشعب للثورة، ويتهمها بالتلكؤ في مساندة الفكر التحرّري، وبالاكتفاء بتقديم مطالب لم تتجاوز سقف المواطنة الفرنسية.
في حين يرى آخرون أنها قامت بدور تربوي فعّال بصفتها جمعية دينية اجتماعية، لتحرير العقول من الانحطاط ولاستنهاض النفوس بواسطة جهودها الفكرية الرامية إلى إحياء الشخصية الجزائرية المسلمة، لإنقاذ الجزائر من الاندماج في ثقافة المستعمِر الفرنسيّ، عن طريق مدارسها الحرّة ومنابرها الصِّحافية ونواديها وجوامعها التي أحيت الإسلام الصحيح وبعثت اللغة العربية وحصّنت النشء بالوعي التاريخي.
وكانت هذه الجهود تشكل نضالا فكريا متكاملا مع النضال السياسي الذي قادته الحركة الوطنية الجزائرية. وفي هذا السياق أكد المؤرخان الفرنسيان شارل أندري جوليان وشارل روبير أجيرون أن جهود جمعية العلماء الإصلاحية كانت رافدا قويا للحركة الوطنية الجزائرية، بدليل أن إدارة الاستعمار الفرنسيّ نظرت إليها بعين السخط، فعملت على عرقلة نشاطها التعليمي والإعلامي والديني بطرائق تعسفية. أمّا المؤرخ محفوظ قداش فقد أشار إلى أن نشاط جمعية العلماء، قد رسم معالم الطريق نحو الوطنية.

تفاعل جريدة “البصائر” مع اندلاع الثورة
خصّصت جريدة “البصائر” ثلاث مقالات في شهر نوفمبر 1954م لحوادث اندلاع الثورة، في الأعداد: 292 و293 و294، نُشرت على التوالي في الأيّام التالية: الجمعة 5 نوفمبر 1954م، والجمعة 19 نوفمبر 1954م، والجمعة 26 نوفمبر 1954م، ولم تُذكر هويةُ كاتب المقال الأول، في حين اكتفت الجريدة في المقال الثاني بالإشارة إلى كاتبه باسم مستعار (البصائري)، بينما نُشر المقالُ الثالث باسم “البصائر”. ولا شكّ أن هذه المقالات قد عبّرت عن موقف جمعية العلماء المسلمين من اندلاع الثورة.
إن المتصفِّح لهذه المقالات، سيلاحظ أنها تفاعلت مع انفجار الثورة بالإيجاب، وأكّدت أن ما حدث ليلة أول نوفمبر 1954م من عمليات تخريب استهدفت مصالح الاستعمار الفرنسيّ على امتداد أرض الوطن، لم تكن أمرا عاديّا بل كانت أمرا خارجا عن المألوف، يوحي بوجود خلفية سياسية عبّرت عن يأس الجزائريين من فرنسا.

أكد المؤرخان الفرنسيان شارل أندري جوليان وشارل روبير أجيرون أن جهود جمعية العلماء الإصلاحية كانت رافدا قويا للحركة الوطنية الجزائرية، بدليل أن إدارة الاستعمار الفرنسيّ نظرت إليها بعين السخط، فعملت على عرقلة نشاطها التعليمي والإعلامي والديني بطرائق تعسفية. أمّا المؤرخ محفوظ قداش فقد أشار إلى أن نشاط جمعية العلماء، قد رسم معالم الطريق نحو الوطنية.

قبل الشروع في شرح محتوى هذه المقالات، لابد من الإشارة إلى أن “بيان” محمد البشير الإبراهيمي (رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المقيم في مصر) الداعم لقيام الثورة، لم يُنشر في جريدة “البصائر” وهي لسان حال جمعية العلماء! ولا ندري السبب بالضبط، هل يفسَّر ذلك بطبيعة تلك المرحلة الصعبة، أم أنه لم يُنشر من باب الحرص على حماية الجمعية من بطش إدارة الاستعمار الفرنسيّ؟ وهل استوحت جريدة “البصائر” هذه المقالات الثلاث من “بيان” رئيس الجمعية المنشور في مصر -علما أنها مشحونة بالفكر التحرري الوارد فيه- كحلّ وسطيّ مناسب لذلك الظرف العصيب؟.
المقال الأوّل:
هو مقالٌ طويل تحدّث فيه الكاتب عن أحداث اندلاع ثورة أول نوفمبر، نُشر قسمٌ كبير منه على جزءٍ من الصفحة الأولى لجريدة البصائر، ونُشر الباقي على الصفحة الثانية، تحت عنوان: “حوادث الليلة اللّيلاء”، العدد 292، بتاريخ يوم الجمعة 5 نوفمبر 1954م. والملاحَظ أن الكاتب قد وظفت كلمة “الحوادث” التي أطلقها الاستعمار الفرنسيّ على العمليات التي كانت إيذانا باندلاع الثورة. وقد لمّحت كلمة “الليلاء” إلى أن ما وقع لا يمكن إدراجُه ضمن الحوادث العادية. هذا وقد تحفّظ الكاتب من التعليق على هذه “الحوادث”، لعدم إلمامه بحيثياتها: «… إنّنا إلى حدّ هذه الساعة لا نملك التفاصيل المُقنعة عن هذه الحوادث وأسبابها؛ وليس بين أيدينا إلَّا ما تناقلته الصحف وشركات الأخبار، فلا نستطيع أن نعلّق عليها أدنى تعليق، إلى أن تتبيّن لنا طرق الصواب، فليس من شأن ” البصائر” أن تتسرّع في مثل هذه المَواطن.».
رغم ذلك فقد اقتنع الكاتب بوجوب الإشارة في جريدة “البصائر” إلى هذه الحوادث غير العادية التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، فقال في هذا السياق: «لكنّنا من جهة أخرى، رأينا أنه لا يمكن أن يخلو هذا العدد من جريدتنا من ذكر هذه الحوادث التي تناقلت صحف العالم بأسرها تفاصيلها، فقرّرنا الاكتفاء بذكر أهمِّها، تاركين للزمن كشف الحقائق عن أسرارها، ولسوف نتتبّع ذلك بغاية الدقة والاهتمام.».
أشار كاتب المقال إلى الطبيعة الفجائية للأحداث المرتبطة باندلاع ثورة أوّل نوفمبر 1954م، ثم حدّد توقيتها بقوله: «وقعت ما بين الساعة الواحدة ليلا والساعة الخامسة صبيحة غرّة نوفمبر وهو عيدُ الأموات عند المسيحيين.». واكتفى الكاتب بنقل مجمل الأخبار التي تناولتها الصحافة الفرنسية، مرجئا عملية التعليق إلى وقت لاحق حال اتّضاح الأمور، مشيرا أن مجموع “الحوادث” كما سمّاها، قُدِّرت بأكثر من الثلاثين، شملت التراب الوطني من حدوده الشرقية إلى الحدود الغربية، ذاكرا الأماكن وطبيعة العمليات بالتفصيل، وقد استهدفت مصالحَ الاستعمار المختلفة، كالمراكز الإدارية والأمنية والاقتصادية والجسور والطرقات والإذاعة الجزائرية بالعاصمة.

جاء في المقال الثاني للبصائر: «إن السّبب في هذه الحوادث، والداعي لها، والمحرّض عليها، أمرٌ واحد لا ثاني له، لطالما قمنا في البصائر بواجبنا حق القيام في شرحه، وبيانه والتحذير من خطره وشروره، حتى لقد ادّعى قومٌ أننا تجاوزنا الحد في ذلك البيان وفي ذلك التحذير. ذلك السّبب الوحيد، هو الاستياء من الحالة الحاضرة في القطر الجزائري: استياء سياسيّ، واستياء اقتصاديّ، واستياء اجتماعيّ، واستياء دينيّ وثقافيّ. وليس هناك من الفرنسيين الحاكمين والمحكومين من يجهل هذا الاستياء ومن لا يرى رأيا في معالجته.».

وذكر كاتبُ المقال أن الوالي العامّ للجزائر قد عقد ندوة صحافية، أشار فيها إلى أن هذه الحوادث: «أُملِيت إملاءً من الخارج، واستشهد طويلا بأقوال مذياع “صوت العرب” من القاهرة.». وذكر أيضا أن تعاطي الصحافة الفرنسية مع هذه الحوادث قد انقسم إلى قسمين: هناك صحفٌ متطرفة دعت إلى تبنّي الحلّ الأمنيّ المتمثل في الزجر والبطش لاستئصال جذور هذه الحوادث، في حين دعت صحف أخرى وصفها الكتاب بالاعتدال والتقدمية والإنصاف، إلى حلّ سياسيّ مؤداه: «دراسة عادلة للوضعية الجزائرية وتحقيق العدل والإنصاف في سائر الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشاكل الكبرى لا تُحلُّ بالعنف والبطش والإرهاب، إنّما تحل بالدراسة والمفاهمة الصريحة والرجوع إلى الحق.».
المقال الثانيّ:
نشر المقال الثاني (العدد: 293، يوم الجمعة 19 نوفمبر 1954م) في مجموع الصفحة الأولى، تحت عنوان: ” لِنُجابه الحقيقة بالحكمة والعقل”. ويتجلّى من خلال هذا العنوان الجريء أن هذا المقال المفعم بالأفكار الوطنية، قد كُتب بعد دراسة الوضع الأمنيّ دراسة عميقة من طرف جمعية العلماء، تأكّدت من خلالها أن ما يجري على أرض الواقع، هو تباشير تغيير جذري لصالح الأمة الجزائرية، أي ميلاد الثورة.
ذكر الكاتب في مقاله أن عدد العمليات بعد التحقيق، قد بلغ السبعين حسب تصريح وزير الداخلية الفرنسيّ فرانسوا ميتران بدل الثلاثين. وأشار أيضا إلى استمرار نشاط “الحوادث” في بعض المناطق الجبلية، وإلى هدوئها مؤقَّتا في مناطق أخرى. ذاكرا ردَّ الفعل الفرنسيّ المتمثل في سياسة الردع، إذ جرى حلّ حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية MTLD، واعتقال نحو 500 من مناضليه، واستقدام قوّات عسكرية من فرنسا. ولم يحُل ذلك -حسب الكاتب- دون استمرار “العمليات” أي نشاط الثوار.
خلافا للمقال الأول المتميّز بأسلوب الحذر والتلميح، فإن المقال الثاني قد بيّن موقف جمعية العلماء الإيجابيّ من اندلاع الثورة بوضوح، خلاصتُه أن العمليات التخريبية التي طالت مصالح فرنسا الاستعمارية يوم أول نوفمبر 1954م، أساسها سياسيٌّ بامتياز، وكشفت النقاب عن رغبة الجزائريين في تغيير واقع الاستعمار واسترجاع كرامتهم: «إن السّبب في هذه الحوادث، والداعي لها، والمحرّض عليها، أمرٌ واحد لا ثاني له، لطالما قمنا في البصائر بواجبنا حق القيام في شرحه، وبيانه والتحذير من خطره وشروره، حتى لقد ادّعى قومٌ أننا تجاوزنا الحد في ذلك البيان وفي ذلك التحذير. ذلك السّبب الوحيد، هو الاستياء من الحالة الحاضرة في القطر الجزائري: استياء سياسيّ، واستياء اقتصاديّ، واستياء اجتماعيّ، واستياء دينيّ وثقافيّ. وليس هناك من الفرنسيين الحاكمين والمحكومين من يجهل هذا الاستياء ومن لا يرى رأيا في معالجته.». وأضاف كاتب المقال في سياق دعم مقاربته هذه، أن شخصية فرنسية يسارية رأت أن الحل يكمن في تحرّر الجزائر: «وفي أقصى يسارهم (أي الفرنسيين) أمثال مدام ألِيس اسبورتيس، ممثلة وهران التي ترى المعالجة في قيام جمهورية جزائرية، وحكومة جزائرية، ودستور شعبيّ جزائريّ.».
من جهة أخرى استنكر كاتب المقال سياسة البطش والزّجر التي واجه بها الفرنسيون عمليات اندلاع ثورة أول نوفمبر1954م، وندّد بتصريح رئيس الحكومة منديس فرانس الذي أعلن أن الجزائر قطعة فرنسية، وبموقف وزير الداخلية فرانسوا ميتران المستفزّ الذي جاء فيه أن الجزائر بولاياتها الثلاث فرنسية، وستبقى كذلك إلى ما لا نهاية، وأن ما يحدث في الجزائر هو “مجرد شغب اجتماعي” سيُعالَج بطرائق مختلفة.

كانت خاتمة المقال، قوية جدا لم تترك مجالا للشك في موقف جمعية العلماء من دعمها للثورة: «… فليحذر الوزير متران، فإن المزالق مُهلكة. وإن الاستعمار الكبير قد جهَّز سائر ما لديه من وسائل لكسب هذه المعركة المخجلة. فليتذكّر الوزير متران مبادئ الثورة الكبرى وليتذكّر صفحات الحرية والتحرير، وليقرأ تلك الأناشيد الخالدة التي سجلت العواطف الملتهبة لشعب مزّق القيود ورفع راية التحرير، وليقل بعمله لا بلسانه: “كلاّ! لا يجب أن تنتصر الرجعية!”.

وأمام استمرار الاعتقالات العشوائية في صفوف حزب الانتصار للحريات الديمقراطية، فقد ندّد الكاتب ومن ورائه جمعية العلماء بسياسة القمع التي وصفها بالإرهاب قائلا: «وهنا لا يسعنا إلاّ أن نصرخ بأعلى صوتنا، قياما بواجبنا نحو الله ونحو الأمة، ونحو الحكومة أيضا محذّرين من سياسة البطش والإرهاب، وإلقاء القبض على عدد عظيم من الرجال لمجرد ظنون أو تُهَم لم تثبت به، فالقطر الجزائري يواجه في الظروف الحاضرة أزمة شديدة حادة لا تخفى خطورتها على أحد، فإن لم يعالجها العقلاء بالحكمة والتعقل والحذر الشديد، فإنها توشك أن تتعفن -حسب الاستعمال السياسيّ الجديد- وما معالجتها إلاّ بدرس أسبابها دراسة عملية عميقة، والإقدام على التغييرات الهامة في الأوضاع الجزائرية، مهما بلغ مدى هاتيك التغيّرات.».
ثم أوضح الكاتب أن ربط حوادث غُرّة نوفمبر 1954م بإذاعة القاهرة، من طرف الحكومة الفرنسية، يشبه سياسة النعامة التي تغمض عينيها أمام الخطر، معتقدة أنه لا يراها إذا هي لم تره. وفي الأخير لمّح الكاتب إلى الحل السياسيّ للقضية الجزائرية قائلا: «… فالدواء الناجع، ليس هو حلّ الأحزاب، ولا إلقاء القبض جزافا على الناس، ولا استعمال الوسائل المنكرة الفظيعة مع المتّهمين لحملهم على اعترافات علّمتنا التجارب من قبل ما هي قيمتها الحقيقية، ولا التجريدات العسكرية المتوالية، ولا أعمال القمع والزجر التي يوصي البعض بالإقدام عليها والإمعان فيها. إنّما الدواء الوحيد هو الإقدام بجرأة وصدق وصراحة على معالجة سائر القضايا الجزائرية بكل سرعة، وإيجاد الحلول المُرضية للجميع، بصفة يتحكم فيها العقلُ والمنطق، ولا تهيمن عليها العاطفة والأنانية.».
المقال الثالث:
خصّصت جريدة “البصائر” صفحتها الأولى المقال الثالث الذي نشر يوم الجمعة 26 نوفمبر 1954م بتوقيع “البصائر”. وقد تزامن نشر المقال مع قدوم وزير الداخلية الفرنسيّ آنذاك فرانسوا ميتران إلى الجزائر، لذلك كان بمثابة “رسالة مفتوحة” له، رافعتْ فيها “البصائر” عن القضية الجزائرية مرافعة سياسية بامتياز كما يتّضح في هذه الفقرة المركّزة: «فإذا كان مسيو ميتران يريد حقا أن يجابه الحقائق وأن يبحث عن الأسباب وأن يجد طرق العلاج، فليعتقد الاعتقاد الراسخ أن المشكل الأساسيّ الجزائري هو المشكل السياسيّ، وأن الوضعية السياسية الشاذة التي فُرضت على قطرنا هذا، هي سبب الأزمة المزمنة التي طالما سبّبت في الماضي والحاضر، والتي ستكون في المستقبل سبب موجة الاستياء الصاخبة التي عمّت البلاد والتي يتفاقم أمرها يوما بعد يوم.».
هذا وقد وردت في هذا المقال بصفة خاصة جملة من مصطلحات سياسية تحرّرية أكّدت دعم جمعية العلماء لثورة نوفمبر دون تحفظ، منها على سبيل المثال: قطرنا -المشكل السياسي -الدستور الجزائري -قطر الجزائر -اللغة العربية -الحكم العسكري –انتخابات حرّة –أمّة تطالب بحقها في الحياة –غلاة المستعمرين –البطش –ثورة الأوراس -بحر من الدماء- المعتقلات –الاستعمار الكبير -الحرية- التحرر -الأناشيد.
وكانت خاتمة المقال، قوية جدا لم تترك مجالا للشك في موقف جمعية العلماء من دعمها للثورة: «… فليحذر الوزير متران، فإن المزالق مُهلكة. وإن الاستعمار الكبير قد جهَّز سائر ما لديه من وسائل لكسب هذه المعركة المخجلة. فليتذكّر الوزير متران مبادئ الثورة الكبرى وليتذكّر صفحات الحرية والتحرير، وليقرأ تلك الأناشيد الخالدة التي سجلت العواطف الملتهبة لشعب مزّق القيود ورفع راية التحرير، وليقل بعمله لا بلسانه: “كلاّ! لا يجب أن تنتصر الرجعية!”. وعندئذ يمكننا أن نرجو للجزائر المحرَّرة من قيود الاستعمار والرجعية مستقبلا سعيدا.».
الخاتمة
إنّ نشاط جمعية العلماء المتميّز بطابعه التربوي والديني والاجتماعي، قد جعلها تدافع عن الأمة الجزائرية من زاوية فكرية، وهي لا تقلُّ أهمية عن النضال السياسيّ للحركة الوطنية. وأكّد شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله أن ثورة التحرير لا تُختزل في جهد معيّن بل هي نتاجُ جهود الشعب من مواقع مختلفة: «إن الذين يعرفون الظروف التي وُلدت فيها الثورة، لاسيما منذ سنة 1954، يدركون أن هناك رجالا كانوا يُعِدّون لها بطرق مختلفة، وليس بطريق واحد، فمنهم من كان يُعِدّ لها بتوفير الأسلحة والتدريب العسكري، ومنهم من كان يحضّر لها بتدبير المال، والوسائل المادية، ومنهم من كان يخطط لها بالتكوين المعنوي وترقية النفوس على حبّ الوطن والجهاد في سبيله، ولكنهم كانوا جميعا يعتقدون أن “دروسهم” لإعداد الثورة يكمل بعضُها بعضا.».(أبحاث وراء في تاريخ الجزائر.ج 5. ص 275 ط 2005م).
وعليه، فقد شاركت جمعية العلماء في بناء مشروع الثورة فكريًّا، من خلال بعث الشخصية الوطنية وتحصين الشباب بالوعي الإسلامي وبالتربية الوطنية. ولما تحقَّق مشروع التحرير ميدانيًّا على يد الحركة الوطنية في غرة نوفمبر 1954م، سارعت إلى احتضانه كما تبيّن لنا في هذه المقالات. والتحق أبناؤها بصفوف الثورة زرافات ووحدانا.
أدرك الاستعمارُ الفرنسيّ دور الجمعية في استنهاض الشعب الجزائري، لذلك لم يفرّق في القمع والبطش بين مناضلي جبهة التحرير الوطنيّ وأعضاء جمعية العلماء، فنال العديدُ منهم الشهادة عبر ربوع الوطن، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ العربي التبسي (نائب رئيس جمعية العلماء)، رضا حوحو (أديب وكاتب)، عبد المالك فضلاء (مدير مدرسة تازمالت الحرة)، ربيع بوشامة (شاعر ومدير مدرسة الحراش الحرة).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!