نجحت الثورة فكيف تنجح الدولة!!
فجأة فتح الناس أعينهم في كل بلاد العرب، ليبدي الكثير منهم اعتراضات جوهرية على الدولة ويرون فيها أنها سبب لحرمانهم وتخلّفهم وقهرهم، ولا ينظرون إلى أي خلل أخر إلا ذلك الذي يرونه في النظام القائم ومؤسسات الدولة.. وهم يقارنون في ذلك بالدولة الغربية وحياة الغربيين.
يلاحظ المسافر العربي لأي من دول الغرب الفوارق الرهيبة بين الحياة في بلده وبلاد الأجانب، ويتناول حديثه عن النظام في الطرقات والإدارات والحافلات والحياة بشكل عام في محلات التجارة والجامعات وسوى ذلك.. ويكاد المسافر العربي أن يقع في المحظور فيفقد الثقة بأن بلاده يمكن أن تمنح مواطنيها يوما من الأيام شيئا من ذلك.. ويمعن المتحدثون وهم على حق بنسبة كبيرة في الحديث عن حقوق الأفراد الاجتماعية والصحية والسياسية والترفيهية التي توفر لهم حياة كريمة، ويتواصل الحديث المأخوذ بحياة الغربيين إلى أنك تشعر -كما قال لي أحد العرب العاملين في تنظيفات مطار شارلي ديغول – أنه يعيش في حياة شبيهة بخلافة عمر بن الخطاب.
لا يستطيع المختلف مع الغرب ولنظام الحياة الاقتصادي الاجتماعي فيه، أن ينكر كثيرا مما يذهب إليه المعجبون والمأخوذون بحياة الغرب.. ولكن يذهب البعض من هؤلاء إلى التذكير بجرائم الغرب وظلمه الذي أوقع بنا خسائر فادحة ولا زالت آثار عدوانه علينا شاهدة، ولن تزول من الواقع إلا بعد سنين طويلة ولن تزول من أنفسنا إلا بعد قرون من الزمن.. وهكذا نصبح في دائرة من الحديث غير المنطقي وغير الموضوعي، فإما أننا نلاحظ ما يسير في المشهد باندهاش وإعجاب، وإما أن نتجاوز الواقع ونذهب إلى التذكير بما فعل الغرب بنا ونزيد على ذلك أن هذه الحضارة المدنية المتقدمة في الغرب، إنما قامت على حساب ثرواتنا وإمكانات الجنوب.
في كلتا الحالتين من وصف الحالة نكون قد ابتعدنا عن التشخيص المنطقي والصحيح والمفيد، ونظل بأي منهما من دون مستوى الاستفادة والتطور وهذا ما انعكس في ثقافتنا وآدابنا وأحزابنا، ولم يسلم من هذا التحليل المنهار أمام الغرب أو الرافض جملة وتفصيلا له إلا القليل من النابهين في الأمّة، من دون أن يكون لهم أي أثر فاعل في حياة الناس.
كان ينبغي أن ندرك قيمة الضريبة والجمارك في الدولة الغربية على اعتبار أنها أحد كفتي الميزان، فكما أن الدول في الغرب تقدّم خدمات جليلة للأفراد والجماعات والمجتمع، فإن الناس كذلك يقدّمون للدولة ضريبة فائقة من أصغر موظف وأصغر بيت إلى أكبر موظف وأكبر شركة وحسب الدخل المالي، وهنا لابد من ملاحظة أن المسألة لا تظل أخلاقية في ركنها الثاني إنما يحميها قانون وأجهزة تلاحق بقسوة وحزم أي مخالفة أو تهرّب ضريبي.
في باب حقوق الناس على الدولة كما في باب حقوق الدولة على الأفراد، نرى في الغرب انتظاما وشفافية وحزما لا تفريط معه، أما في بلداننا فإننا نعيش تهتكا في أنظمة حياتنا وتبادل العلاقة بيننا والدولة.. وهذا ما سيجعل الفشل نتيجة كل ثوراتنا العربية مالم نؤمن بأن علينا واجبات كما أن علينا حقوقا.. وهنا نتساءل عن حجم المبالغ الطائلة المهدورة والمنهوبة من قبل التجار والمؤسسات نتيجة التهرّب الضريبي.. فهل بعد هذا نطالب بحقوق!!؟ نحن بحاجة إلى الفهم بعيدا عن المواقف المستلَبة.