-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو بحث جديد في الأدب العربي

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي
  • 317
  • 0
نحو بحث جديد في الأدب العربي

كان مصير النقد العربي عند قارئيه كمصير الشعر العربي المعاصر، آل كل منهما إلى جفوة لا تزال مستحكمة بين الأدب ومريديه، وكأنه طلاق بائن، ما عرف رجعة بعد. ولعل الله أن يرسل من يصلح بينهما، فيوفّق إلى ردم الهوة ولمّ الشمل، وما ذاك على أبناء العربية بعزيز.

ولكن الخصومة تبقى قائمة ما دام الأدباء والنقاد ينهلون مما لا يحرِّك في القارئ ساكنا، ولا يرعون من اهتمامات هذا القارئ جانبا. وربما بقيت هذه الغفلة من قبل الأدباء مدة أطول مستقبلا ما بقيت قناعاتهم في اللغة والأدب تتخذ من تلك القوانين العامّة التي درسوها في النقد الألسني الحديث، وأرادوا تطبيقها على الأدب العربي، من دون مراعاة للفروق والخصوصيات بين هذا وذاك.

يرى الدكتور حسام الخطيب في معرض حديثه عن نظرية عربية في النقد والأدب رأيا يبدو أنه استمده من تلك المقولات للفلسفة الجدلية، وأراد توظيفه للقيام بالعربية في نظرية أدبية تقوم على “مثلث تتفاعل أضلاعه الثلاثة في جدلية دائمة تضمن لكل عنصر أن يوازن العنصر الآخر ويتداخل معه ويؤثر فيه؛ فالموقف من التراث مثلا يتحدد بفعل تصادمه وتوازنه مع العنصرين الآخرين: الساحة الأدبية الفعلية والمؤثرات الأجنبية، والموقف من المؤثرات يتحدد بفعل العاملين الآخرين وهكذا دواليك. هناك إذن حركة ديالكتيكية تصادمية توالدية تتداخل عناصرها المثلثة وتتفاعل لتُخرج تركيبا جديدا حيا ديناميا قادرا على توظيف العناصر الثلاثة في نزوع مستمر إلى الخلق والإبداع والتجدد. إنها نقاط في مثلث دائمة التفاعل ودائمة الحركة ودائمة الصيرورة وقادرة على إخراج تركيب كيماوي كاشف”. (حسام الخطيب: “مقترحات مبدئية باتجاه نظرية عربية في الأدب والنقد”، مجلة “الفكر العربي”، معهد الإنماء العربي، س4، ع25، بيروت (كانون الثاني- شباط 1982م)، ص124 و125).

لو اطلعتَ على سير أولئك الأعلام النبلاء لأدركت أن ما عاشوا من أجله طوال حياتهم ثم ماتوا عليه وهب أدبهم الحياة، وأن النص القرآني الذي كان موئل هؤلاء، يستمدون منه اللفظة والعبارة، ويؤوبون إليه دراسة ونقدا، خدمهم بمقدار خدمتهم له. وأن أدباءنا اليوم خدموا أفكار غيرهم ممن لا يجعل للخالق المتكلم من اهتمامه نصيبا، فانتُزعت البركة من أعمالهم وجفاها الناس وزهدوا فيها، فمسها الضمور والأفول، جزاء وفاقا.

ومن المهم ههنا أن نعلم تجربة في عالمنا العربي ذات مغزى لا يُنكر، أعني التجربة السورية في تأليف كتب دراسية للّغة العربية، وُضعت كمقررات بين أيدي الطلاب الجامعيين، تكون لهم عونا على استيعاب المادة في النحو والصرف والبلاغة. ولقد كان المشرف على العملية الدكتور حسام الخطيب نفسه، الذي جاء في مهمته هذه متناسقا مع فكرته تلك؛ فأُلِّفت كتبٌ جامعية في علوم العربية. وعوضا من أن تكون الشواهد اللغوية في هذه المؤلفات الجامعية هي ذاتها شواهد النحو والصرف والبلاغة المعروفة في مظان هذه العلوم، والتي كان القرآن الكريم أساسها، فقد استُبدلت بمقولات مستلة من خطابات الرئيس الراحل حافظ الأسد لتكون دليلا على القواعد العربية!

إن الذي دعا القائمين على المشروع إلى فعل ذلك معرفتهم بأن إيديولوجيا حزب البعث الحاكم لا تشجع أن يكون القرآن الكريم مصدرا للّغة، لعلمها بأن للقرآن آفاقا أبعد من كونه شاهدا من شواهد اللغة، ولتوهُّم القائمين على هذه الكتب بأن الدليل هو الدليل، سواء أكان مصدره القرآن الكريم أم الشعر أم مقولات الرئيس، فلمَ لا تكون إذن شواهد العربية من مقولات الرئيس، فيؤدي المعنى ويرضى بها الحزب؟

وهذا ما حصل فعلا، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة ما يعلمه كل من يؤمن بأن بين العربية وبين الدين الإسلامي عرى أوكد من يتجاوزها دارس اللغة العربية، وأن بناء العربية عمّد بآيات الوحي الرباني، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تقبل العربية تفلتا من ربقة الإسلام الذي هو دين الله تعالى وهي آية من آياته سبحانه، وهو القائل في محكم تنزيله: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالَمين﴾، وفي رواية أخرى تأخذ بالنواصي والألباب، وتدعو كل عالم في اللغة أن يبذل كل مرة مزيدا من فكره وقلمه لاستجلاء العلاقة بين هذه الآية، آية اللغة، وبين العلم في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للعالِمين﴾، عند من قرأ (العالمين) بكسر اللام.

ومن سخرية الأقدار بهذه الأعمال التي لا تتوخى هذه الخصوصية وهي تدرس العربية، أن زهد الأساتذة والطلاب السوريون والعرب -وكنتُ من بينهم- في هذه المقررات، وما كان الطلاب ليطالعوا تلك المقررات لولا سلطة الامتحانات. ولقد خصَّصنا وقتا ثمينا من حياتنا لمتابعة دروس في اللغة على أيدي علماء في المساجد، كرّسوا حيواتهم لتعليم هذا اللسان بهدي من الوحي الرباني، وما انزاحوا عن كتب الأقدمين وخطاهم قيد أنملة، رغم الضيق والحرج الذي كانوا هم فيه.

اللغة هي اللغة، فما بالها لا تشرق من جديد؟ وماذا دهى أدباءها حتى جفَّت أقلامهم وتحجَّرت فأصبحت كالحديد؟ وما بالنا نحن، سدنة العربية، نتحيَّن الساعات تلو الساعات لمعاقرة كتب الأقدمين، ولا نكاد نبرح صفحاتها حتى نشد العهد على معاودتها ثانية وثالثة ورابعة؟

إن الجواب لا يخفى عمّن تلمَّس الفروق الواضحة بين ما كان يحمله أولئك الأدباء وما بات يحمله هؤلاء. ولو اطلعتَ على سير أولئك الأعلام النبلاء لأدركت أن ما عاشوا من أجله طوال حياتهم ثم ماتوا عليه وهب أدبهم الحياة، وأن النص القرآني الذي كان موئل هؤلاء، يستمدون منه اللفظة والعبارة، ويؤوبون إليه دراسة ونقدا، خدمهم بمقدار خدمتهم له. وأن أدباءنا اليوم خدموا أفكار غيرهم ممن لا يجعل للخالق المتكلم من اهتمامه نصيبا، فانتُزعت البركة من أعمالهم وجفاها الناس وزهدوا فيها، فمسها الضمور والأفول، جزاء وفاقا.

ليس من طريق أراه لهؤلاء غير العودة الجادة إلى دراسة القرآن الكريم دراسة المؤمن المستيقن، تماما كما كان شأن الأجداد، دراسة جديدة تستمد روحها من الفكر الإسلامي الأصيل، الذي لا يعادي موروثا ولا يشيد بوافد يستحسنه فقط لكونه غريبا، وتلك مشكلة الكثيرين.

لو استطاع النقاد اليوم أن يجعلوا من محوري اللغة (Langue) واللفظ (Parole) مجالا يطبِّقون عليه نظرهم النقدي، ويستلهموا من كلام الله نموذجا يحتذى لهذا اللفظ، لو أنهم فعلوا ذلك لوجدوا فيه ثراءً كبيرا، ولمدهم صاحب هذا الكتاب، إن هم آمنوا به وصدقوه، بمعين لا ينضب من القوانين والأنظمة التي يروم اكتشافها دارسو اللغة، ولاستطاعوا مباهاة الألسنيين الغربيين باكتشافات عجز هؤلاء عنها، كما فُعل مع أشياعهم من قبل؛ ويومذاك سيفرح الأدباء بأدبهم والنقاد بنقدهم، وستُبعث الحياة في أدبنا العربي المعاصر كما كان الحال في الماضي التليد؛ يقرؤه بتروٍّ كل منتسب إلى العربية ويتروَّى من فيضه كل مولود جديد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!