-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
خوادم تفهم العربية والأمازيغية.. وبيانات وطنية لا تغادر الحدود

نخبة البكالوريا في مواجهة “زر التعطيل”… هل تصنع الجزائر ذكاءها محليا؟

مريم زكري
  • 524
  • 0
نخبة البكالوريا في مواجهة “زر التعطيل”… هل تصنع الجزائر ذكاءها محليا؟

_ خبراء: السيادة الرقمية تبدأ من امتلاك البدائل
_ 27.5 مليون هوية رقمية.. ثروة بيانات تبحث عن الاستثمار
_ “100 منطقة 5G” لتحويل الجيل الخامس إلى محرك للإنتاج

وضعت الجزائر نخبة من المتفوقين في شهادة البكالوريا داخل أحد أكثر التخصصات ارتباطا بمستقبل الاقتصاد والمجتمع، من خلال انشاء مدارس عليا للذكاء الاصطناعي، في تحد يتجاوز تكوين مهندسين في مجال جديد، إلى محاولة بناء قاعدة بشرية قادرة مستقبلا على إنتاج الحلول التكنولوجية التي تحتاجها البلاد.

هذا التوجه جاء في إطار الأولوية التي منحها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للرقمنة والذكاء الاصطناعي، من خلال دعم التكوين المتخصص وتطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز قدرات الجزائر في الحوسبة ومراكز البيانات والخدمات الرقمية، إلى جانب إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله، التي أصبحت وجهة لنخبة المتفوقين في شهادة البكالوريا والذين يتسابقون مع كل اعلان للنتائج من أجل الظفر بمقعد على مدرجاتها و صقل مواهبهم و قدراتهم من أجل الحصول على تكوينات اكاديمية و شهادات عليا في مجال تخصصهم، و إلى جانب الملاحق والهياكل التكوينية التي تزخر بها المدرسة و غيرها من الملاحق والهياكل التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي على مستوى ولايات الوطن ينتظر أن تساهم في توسيع قاعدة الكفاءات الوطنية في هذا المجال، لكن بالمقابل لا يمثل تكوين مهندسين وباحثين في الذكاء الاصطناعي نهاية الطريق والوصول إلى المهمة، بل يعتبر مجرد بداية فقط ويبقى السؤال المطروح حاليا هو ماذا ستفعل الجزائر بهذه العقول؟ وهل ستتمكن من استثمارها في صناعة ذكاءها المحلي بعيدا عن التبعية الاجنبية؟ هذا ما سيجيب عليه خبراء اقترحوا وضع بيئية مناسبة لذلك، وتوفير البنية التحتية للتمكن الجزائر من حماية بيانات مواطنيها وعدم مغادرتها الحدود…

قبل سنوات قليلة، كان الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى أغلب الطلبة الجزائريين مجالا علميا حديثا يقتصر حضوره على بعض التخصصات الجامعية والمخابر، أما اليوم، فقد أصبح واحدا من أكثر التخصصات استقطابا للمتفوقين في شهادة البكالوريا، بعدما تحولت المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله إلى إحدى الوجهات التي تتنافس عليها نخبة الناجحين.

ولم تأت هذه المكانة من فراغ، فالمدرسة أنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 21-323 المؤرخ في 22 أوت 2021، ضمن توجه رسمي نحو تكوين كفاءات وطنية متخصصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. وقد باشرت مهامها خلال الموسم الجامعي 2021-2022، لتصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز عناوين التكوين في هذا المجال بالجزائر.

من يملك زر التعطيل؟

الذكاء الاصطناعي الجزائري امتداد لمعركة السيادة الرقمية، والمطلوب بحسب العديد من الخبراء الذين تحدث إليهم موقع “الشروق اون لاين” ليس الانغلاق أمام النماذج العالمية، ولكن عبر امتلاك الذكاء البديل والقدرة على التحكم في البيانات الحساسة ومعالجتها وطنيا بطريقة آمنة، خاصة في القطاعات المرتبطة مباشرة بأمن المواطن والدولة، وذلك بتحويل نخبة اليوم من طلبة متفوقين إلى مهندسين وباحثين ورواد أعمال يصنعون حلول ذكية تجعل الجزائر تنتقل من استهلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأجنبية إلى إنتاج خوادم تفهم المواطن الجزائري وتخدم احتياجاته اليومية، بدلت من أن يبقى المواطن عبارة عن مستخدم لمنصات تطور وتدار خارج الحدود.

الدكتور علي كحلان خبير وعالم حاسوب:

البنية التحتية والبدائل لا يقل أهمية عن امتلاك الكفاءات

وفي هذا السياق، يطرح تقرير المؤسسة الفكرية حول الشركات والسياسة الاقتصادية (CARE)، وهي أول مؤسسة تفكير (Think Tank) جزائرية تُعنى بتحسين مناخ الأعمال وتطوير السياسات الاقتصادية والرقمنة في الجزائر. أعدّه الخبير في تكنولوجيات الإعلام والاتصال وعالم الحاسوب الدكتور علي كحلان، سؤال التبعية للذكاء الاصطناعي، خاصة مع تزايد اعتماد المؤسسات على أدوات ونماذج يتم تطويرها وتشغيلها خارج الجزائر.
ويرى كحلان أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية يمكن للمؤسسات والدول اختيار استخدامها أو الاستغناء عنها، بل أصبح قدرة استراتيجية، ما يجعل مسألة الوصول إليه واستمرارية استخدامه مرتبطة أيضًا بالسيادة الرقمية. فالمشكلة، حسبه، لا تكمن في استخدام الحلول الأجنبية بحد ذاته، وإنما في أن تصبح مؤسسة أو قطاعا بأكمله مرتبطا بأداة واحدة، دون وجود بدائل في حال تغيرت شروط استخدامها أو توقف الوصول إليها.

ويشير الخبير إلى أن مواجهة هذه التبعية لا تعني بالضرورة أن تطور الجزائر كل التقنيات التي تحتاج إليها بمفردها، وإنما تبدأ بتحديد التبعيات الرقمية الحرجة، وتنويع الحلول، وضمان إمكانية الانتقال إلى أدوات أخرى عند الحاجة. كما يبرز أهمية استضافة البيانات الحساسة محليا، وتعزيز الأمن السيبراني، وضمان استمرارية الخدمات والأنشطة الأساسية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا.

ويضع هذا الطرح مسألة البيانات في قلب النقاش، فكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى معرفة أين تُعالج البيانات وأين تُخزن، ومن يملك القدرة على الوصول إليها. ولذلك فإن امتلاك البنية التحتية والبدائل لا يقل أهمية عن امتلاك الكفاءات القادرة على تطوير واستخدام هذه التقنيات.

وبالنسبة للجزائر، يفتح تحليل كحلان سؤالا يتجاوز مجرد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة في السوق: هل تستطيع البلاد بناء قدرة تكنولوجية تسمح لها بالاستفادة من هذه الأدوات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحكم في بياناتها وضمان استمرارية خدماتها؟ سؤال يصبح أكثر أهمية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاستخدام المحدود إلى مرحلة دخوله تدريجيا في الاقتصاد والإدارة ومختلف مجالات الحياة.

الدكتور حاتم حركاتي خبير في الإقتصاد:

البيانات.. “النفط الجديد” للجزائر والجيل الخامس أمام اختبار الإنتاج

من جهته يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حاتم حركاتي أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة وحاسمة في مسار التحول الرقمي، مؤكدا أن النقاش الوطني يجب أن يتجاوز فكرة كيفية استخدام التكنولوجيا، إلى التفكير في كيفية حماية المواطن وبناء اقتصاد أقوى يخلق قيمة مضافة داخل التراب الوطني.
ويشير حركاتي في حديثه لموقع “الشروق اون لاين ” إلى وجود نحو 37.8 مليون مستخدم للإنترنت مع نهاية سنة 2025، أي ما يعادل 79.5 بالمائة من السكان، وأكثر من 55.6 مليون اتصال خلوي نشط، إلى جانب 27.5 مليون هوية رقمية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ويؤكد أن هذه الأرقام تعكس حجم الاقتصاد الرقمي الذي يضم عشرات الملايين من الجزائريين، مشيرا إلى أن البيانات التي ينتجها المواطن يوميا من عمليات الشراء والتحويلات المالية والبحث وتحديد المواقع والتفاعلات الرقمية أصبحت ثروة اقتصادية قائمة بذاتها.

ويشدد حركاتي على أن “البيانات هي النفط الجديد” موضحا أن الفرق يكمن في أن برميل النفط يستخرج ويباع مرة واحدة، بينما يمكن جمع البيانات وتحليلها واستغلالها آلاف المرات لتوليد القيمة، على حد تعبيره.

و يضيف، أنه لا ينبغي للجزائر أن تكتفي بحماية البيانات من السرقة، و يجب أن تتعامل معها باعتبارها أصلا اقتصاديا وطنيا وسياديا.

وثمن حركاتي تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية في الخامس من جويلية 2026، معتبرا إياه خطوة استراتيجية لاستضافة البيانات وضمان استمرارية الخدمات وربط القطاعات رقميا.
من التخزين إلى المعالجة.. خريطة وطنية لمراكز البيانات

غير أن حركاتي دعا إلى مرافقة هذه الخطوة بخريطة طريق متكاملة للبنية التحتية، تشمل شبكة وطنية من 4 إلى 6 مراكز بيانات موزعة جغرافيا بين الشمال والوسط والهضاب العليا والجنوب، مع مركز احتياطي للتعافي من الكوارث.

ويؤكد أن الهدف من هذه البنية هو توفير قدرة حوسبة وطنية عالية الأداء لتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي جزائرية حقيقية.

وحذر من بناء مراكز بيانات يقتصر دورها على التخزين، بينما تضطر الجزائر إلى إرسال بياناتها إلى الخارج لمعالجتها.

كما اقترح تنظيم البيانات الوطنية وفق ثلاثة مستويات حماية، تتمثل في بيانات سيادية لا تخرج من الجزائر نهائيا، وبيانات حساسة تعالج وفق شروط صارمة داخل مراكز بيانات معتمدة محليا، وبيانات عامة يمكن استخدام الخدمات العالمية فيها بشكل طبيعي.

“100 منطقة 5G إنتاجية” … الجيل الخامس في خدمة الاقتصاد

وبخصوص الجيل الخامس، وبعد منح سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية الرخص للمتعاملين الثلاثة، يرى حركاتي أن الجزائر انتقلت من مرحلة النظرية إلى بناء سوق جديدة.

لكن نجاح 5G، حسبه، يجب ألا يقاس بعدد الهواتف المتصلة أو حجم استهلاك الفيديوهات والألعاب، وإنما بعدد المؤسسات الصناعية التي أصبحت أكثر إنتاجية، وساعات العمل والتكاليف اللوجستية التي تم توفيرها.

ويقترح حركاتي إطلاق مشروع «100 منطقة 5G إنتاجية»، تركز على المناطق الصناعية واللوجستية والفلاحية والصحية والجامعية، لتوظيف الذكاء الاصطناعي والربط عالي السرعة في تركيب الحساسات بخطوط الإنتاج للتنبؤ بالأعطال، وإدارة الحاويات في الموانئ، وربط أجهزة الاستشعار وأنظمة الري في الفلاحة.

ويهدف هذا التصور، حسبه، إلى تحويل 5G إلى بنية تحتية اقتصادية حقيقية، بدل أن يبقى مجرد وسيلة لرفع سرعة الاتصال.

كما شدد على حماية المستهلك وضمان السعر الحقيقي والسرعة الحقيقية والتغطية الحقيقية، مع نشر مؤشر جزائري رسمي لجودة الإنترنت شهريا حسب الولايات والبلديات.

ودعا كذلك إلى إطلاق باقة وطنية اجتماعية للاتصال الرقمي لفائدة الطلبة والأسر محدودة ومتوسطة الدخل، إلى جانب برنامج وطني لاستيعاب نحو 9.74 مليون مواطن لا يزالون خارج شبكة الإنترنت.

وحذر حركاتي من أخطار الاحتيال باستعمال الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، مقترحا إنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي ضد الاحتيال المالي يربط بين البنوك ومؤسسات الدفع ومتعاملي الاتصالات.

كما اقترح منصة وطنية فورية للتثبت من تراخيص الشركات والمنصات الاستثمارية المعروضة على المواطنين.

الدكتور نزار جلال عدناني خبير في الذكاء الاصطناعي والابتكار:

نحتاج نماذج تفهم اللغات والسياق والثقافة الجزائرية

من جهته، يؤكد الدكتور نزار جلال عدناني أن السيادة على الذكاء الاصطناعي تبدأ من السيادة على البيانات والبنية التحتية، مشددا على حاجة الجزائر إلى تطوير نماذج وحلول محلية، خاصة في المجالات التي تتعامل مع بيانات حساسة وسيادية.

ويرى عدناني أن النموذج الجزائري، في حال تطويره، يجب ألا يكون مجرد نسخة تقنية من نماذج أجنبية، وإنما ينبغي أن يفهم اللغات والسياق والثقافة والواقع الجزائري، مع امتلاك الكفاءات الوطنية القدرة على تطويره وتحديثه ومراقبته.

ويشدد على أن ذلك لا يعني أن كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون محلية، وإنما ينبغي منح الأولوية للقطاعات التي تتعامل مع البيانات السيادية أو الشخصية أو الاستراتيجية، كالبيانات الصحية والأمنية والعسكرية وبيانات المواطنين والإدارة والبيانات الجغرافية والطبوغرافية الحساسة.
ويؤكد عدناني أن حماية هذه البيانات تتطلب مراكز بيانات وطنية مؤمنة وموزعة جغرافيا، ومعايير قوية للأمن السيبراني، وضبط صلاحيات الوصول، ومراقبة كيفية استخدام البيانات.

الدكتور هشام مطروح مختص في التحول الرقمي:

السيادة الرقمية تحتاج إلى قانون وأمن سيبراني ورقابة

أما الدكتور هشام مطروح، فيرى أن أكبر مخاطر استخدام الجزائريين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الأجنبية لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالسيادة والقانون.

ويحذر من أن انتقال بيانات المواطنين إلى خوادم شركات أجنبية يجعلها خاضعة لولاية قضائية خارج الجزائر، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام قدرة الدولة على فرض قوانينها وحماية المعطيات الشخصية.

ويشير مطروح إلى أن الإطار القانوني الجزائري تطور، لا سيما مع القانون رقم 18-07 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، غير أن الإشكال يبقى في القدرة على تطبيق هذه القواعد على شركات أجنبية لا تملك مقرا أو تمثيلا قانونيا فعليا داخل الجزائر.

ويحذر كذلك من أن جمع البيانات القادمة من تطبيقات ومنصات مختلفة يمكن أن يؤدي إلى بناء ملفات رقمية شديدة الدقة عن المستخدمين، تشمل أنماط التصفح والموقع الجغرافي وطريقة الكتابة والسلوك الرقمي والقدرة الشرائية وغيرها من المعطيات.

ويرى مطروح أن الاستضافة المحلية شرط ضروري، لكنها لا توفر وحدها السيادة الرقمية، لأن حماية البيانات تحتاج إلى بنية تحتية مؤمنة، وتشريعات، وآليات رقابة، وأمن سيبراني، وموارد بشرية قادرة على التدقيق والمراقبة.

كما يلفت إلى عامل آخر يتعلق بمن يمول النموذج ويديره ويراقبه ويدققه، مؤكدا أن وجود الخوادم داخل الجزائر لا يكفي وحده لاعتبار النموذج سياديا بالكامل إذا كانت قراراته أو تمويله أو مراقبته خاضعة لجهة أجنبية.

ويشدد مطروح على أن الجزائر بحاجة إلى نماذج تفهم لغتها وسياقها وثقافتها، لكن تدريب هذه النماذج على بيانات المواطنين يجب أن يخضع لضوابط صارمة لمنع استرجاع المعلومات الشخصية أو إعادة إنتاج الانحيازات الموجودة في البيانات.

كما يحذر من أن النموذج السيادي نفسه قد يتحول إلى أداة مراقبة إذا غابت الحوكمة والمساءلة والرقابة المستقلة على كيفية استخدامه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!