-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نساء فُضليات يوشكن على الرحيل

نساء فُضليات يوشكن على الرحيل

جيل ترعرع معظمه في حضن الطبيعة، فأخذ منها صفاءها وجمالها وخيرها، لم يتسلل إليه ما يكدّر صفوه رغم وقوع البلاد كلها في قبضة المعمرين. لقد كان الجزائريون في تلك المناطق لا يختلطون بالمستعمِرين ولا يتخذون طباعهم مثالا يحتذى، ينتظمون في عروش شديدة الارتباط في ما بينها، تتخذ من الأئمة والحكماء من كبار السن قيادة اجتماعية تكفيها عار التحاكم إلى الإدارة الفرنسية.

ولتركيز فرنسا سياساتها الاستعمارية على طول الساحل، فقد حظي المجتمع في العمق الجزائري بالثقافة الإسلامية الموروثة مشافهة من العهد العثماني كما هي لم تتبدل.

يحرص هذا الجيل من الأمهات على إخفاء زينتهن أيما إخفاء، ويعتبرن إظهار شيء منها خارج غرف الزوجية كبيرة من الكبائر لا يقتربن منها البتة، وإخفاء الزينة الجسدية ليس مقصورا على الأجانب عنها فحسب، فالأجانب لا يرين من المرأة غير عين واحدة أو عينين في أسوء الظروف، بل إنهن -وإن تخففن من الحجاب داخل أسوار بيوتهن المنيعة- فإن حياءهن لا يزال يمنعهن من كشف شعورهن أمام أولادهن وأحفادهن ساعة الوضوء، ويكفيك كرجل أن تسمع صوت المؤذن لتعرف موعد تهيّئهن للصلاة فتترك المكان تلقائيا، إنها أعراف ترسخت في السلوك ولا سبيل لأن تتخلى عنها هذه البيوتات العامرة أبدا.

ولفرط حياء هؤلاء الجدات، يحرصن على عدم الأكل أمام أبنائهن الذكور إذا ما بلغوا الحلم، إذ يعمدن إلى النأي بموائد النسوة عن موائد الرجال حين المطعم، وتبدي أغلبهن احتراما زائدا للرجل الذي لا يتردد على فضائهن وللبنات كذلك في ما يخص أماكن الرجال.

ومن أخلاقهن أنهن يتقصدن نشر أثوابهن المغسولة حيث لا يراها الرجال، ثم إنك لا تراهنّ يدخلن بيوت الخلاء أو الاستحمام إلا عرضا، يتحينّ فرصة خلوّ البيت من الرجال ليفعلن ذلك. ولقد شكت إلي إحداهن منذ أيام، تنزيل بعض الشبان صور أمهاتهم المتوفيات، قائلة: “كيف يظهرون صورهن على “البكبوك” –تقصد “الفايس بوك”- وقد كن مستورات طوال حياتهن حتى بلغن عتيا لم يرهنّ أحد غير أهاليهن، أنا أوصي أولادي بألا يفعلوا ذلك بي بعد مماتي”.

لا تتمشى أغلب نساء هذا الجيل على أقدامهن إذا ما أردن التنقل داخل المدينة، كل ما على الواحدة منهن فعله أن تطلب من كنّتها أن ترنّ بهاتفها البسيط على أحد أبنائها ليتصل بها هو على الفور، طالبة منه أخذها بسيارته ظهرا أو مغربا إلى مكان تريده، وعليه جلب شيء من الهدايا تحمله معها، ولا يردّ أحد من الأبناء للأم طلبا ولو اضطرَّ إلى الاستدانة.

لا يغادر هذا الطراز الرفيع بيت الزوجية إلا بإذن الزوج، ولا تراها تغادره مطلقا إذا ما أقعد زوجها أو كان في مرض الموت ولو طال به المرض سنوات، ويصبح بيتها موئلا لعائلتها الممتدة وللزوار أيضا، لا تكاد الأقدام تعرى عنه يوما واحدا، والعجيب أن تنزل البركة على هذا البيت في هذا الحال وفي كل حال، فيسع البيت الزوار ليلا ونهارا، ولا تنقطع الأرزاق عنه ولا تقلّ، الكل يساهم بما طابت به نفسه قلّ أو كثر.

والظهيرة والغروب وقتان مثاليان لأن تتحرك هؤلاء النسوة، فلا يراهن أحد من الناس، وربما اتصلت هاتفيا بمن تقصد زيارتها لتترك لها قفل الباب مفتوحا حتى تتمكّن من الولوج إلى البيت على الفور فلا تضطر إلى دق الباب والوقوف أمام البيت ريثما يفتح لها، وجلا من أن يتعرض شرفها المصون للهدر، وهي المكسوّة بجلباب العفاف والطهر ظاهرا وباطنا.

كنت يوما في زيارة للمرحومة الأميرة بديعة، حفيدة الأمير عبد القادر الجزائري ببيتها في دمشق الفيحاء قبل سنوات، وكان بيتها مفتوحا للجالية الجزائرية ولكل محب للعائلة الكريمة التي تنتمي إليها السيدة الفاضلة. وفي أثناء تلك الجلسة حضرت امرأة برفقة ابنتها، عرفت منها بعد أن قدّمت نفسها للحاضرين بأنها كانت تعمل صِحافية في التلفزيون السوري تقدّم نشرة الأخبار باللغة الفرنسية، فسألتها: لم تركت العمل في القناة؟ فقالت بصدق المرأة الشريفة: “إنها أحست بأنها كسيدة بيت وأمّ لا يليق بها أن تظهر أمام العالم متبرّجة بزينة”. فقلت لها: “خيرا فعلتِ، وإن شعور  المرأة بحاجتها إلى الستر يغالب رغبتها في التكشّف”. وأخبرتها بأن هنالك مناطق في الجزائر العميقة لا تزال المرأة فيها تتحلى بحياء يدفع السائقين إلى إطفاء أضواء سياراتهم كلما رأوا امرأة تمشي أمامهم في الطريق. فقالت لي تلك الصّحافية متعجبة وكأنها ارتابت في ما أقول: “قل لي أين يحدث هذا؟ إنه خيالٌ لا يصدق”!

لا تمتلك أغلب هؤلاء النسوة سيولة نقدية بأيديهن، جلّ ما يملكنه حاجات خاصة تحويها خزانة أو حقيبة تقليدية، يحتفظن فيها بما يذكّرهن بحياتهن الخاصة وبعطور طبيعية كالعنبر والعطرشة والجاوي والحناء والبخور، بيد أن إحساسهن بقوامة أزواجهنّ الوارفة يشعرنهن بالأمان الاقتصادي المستمر، فلا تبالي إحداهن باكتناز المال، فتراها تنثره نثرا على البنين والحفدة إذا ما وقع بيدها منه شيء، أو أنه سيكون عرضة لأن تتخاطفه فلذات الأكباد من بين يديها فلا يمرّ إلا وهو منطلق، اللهم إلا ما تريد الاحتفاظ به لزيارة تقوم بها أو لزائرة ستأتي إليها. وما كانت قد جمعته من نقود في حياتها فقد اشترت به حليّا ذهبية أيام كانت أنوثتها مقبلة، تتزين بها في مناسبات احتفالية خالصة ببنات جنسها لا تتعداها، أما وقد أدبرت الحياة من خلفها، فقد دفعت معظمه إلى بناتها ليؤدّين بها التبعّل الموروثة ثقافته سرّا، أو أنها باعت بعضا منه لتدفع به عنها شدائد مرت بها أو بأسرتها في خضم الحياة.

لا يغادر هذا الطراز الرفيع من بنات حواء بيت الزوجية إلا بإذن الزوج، ولا تراها تغادره مطلقا إذا ما أقعد زوجها أو كان في مرض الموت ولو طال به المرض سنوات، ويصبح بيتها موئلا لعائلتها الممتدة وللزوار أيضا، لا تكاد الأقدام تعرى عنه يوما واحدا، والعجيب أن تنزل البركة على هذا البيت في هذا الحال وفي كل حال، فيسع البيت الزوار ليلا ونهارا، ولا تنقطع الأرزاق عنه ولا تقلّ، الكل يساهم بما طابت به نفسه قلّ أو كثر. وإذا ما ترمّلت العجوز، فلا تكاد تمكث في بيتها أياما معدودات، عقب زيارة بعلها في قبره كأول ما تباشره المرأة بعد نفاد عدّتها، لتبدأ فروع دوحتها الممتدة تتخاطفها، دعوة من هنا وأخرى من هناك وثالثة من هناك… في تدافع على استضافها لا يكاد ينتهي ليشرع فيه من جديد، فلا تجد هذه المحظية حجّة للتخلص من هذا البر إلا أن تقول لمن يدعوها إنها اشتاقت للعودة إلى بيتها أو أنها تستحي من رد الأباعد الذين يودون زيارتها في بيتها.

لا يكاد هذا الجيل الفريد من نوعه يدخل مرحلة سن اليأس في منصف الأربعينيات حتى تكون إحداهن قد أنجبت عشرة أطفال في المعدل الوسط، قد تزوّج معظمهم فأصبحت بذلك جدة، بل أمّا لجد أو لجدة، وما كان ذلك ليحصل لولا الزواج المبكّر، الذي كان يحصل غداة البلوغ الشرعي، والخطبة تكون قد جرت قبله بعفوية، أو أن الفتاة كانت وصية امرأة محبّة للعائلة تودّ الظفر بالمصاهرة والبنت لا تزال ملفوفة بقماطها.

وإنك لتجد في أحاديثهن متعة لا تجد مثيلا لها في ما تسمع أو ترى اليوم، ورغم محدودية المواضيع التي يتداولنها عن الحاضر والماضي، إلا أنها أحاديث لا تخلق من كثرة الرد، وكلما حلت إحداهن ببيتك فكأنما هي ملاك من السماء قد نزل، تعمد بحذق إن شئت إلى استثارة فطرتهن في حب الكلام ليروين لك ما قد روينه لك تكرارا، وفي كل مرة تجد من اللذة في ما تسمع ما كنت واجدا أول مرة؛ فسبحان من خلق الأجيال وفرّق!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!