-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يتخذون من "الوعدة" مصدرا لنهب عشرات الملايين من جيوب المواطنين

نصابون يتقمصون دور “الشعراء والحكماء” ومحتالون في ثوب أطباء متعددي التخصصات

الشروق أونلاين
  • 1781
  • 2
نصابون يتقمصون دور “الشعراء والحكماء” ومحتالون في ثوب أطباء متعددي التخصصات
الأرشيف

تعرف تظاهرة “الوعدة”، كما هو مصطلح على تسميتها في الأوساط الشعبية، بمختلف مناطق الجهة الغربية، استقطابا شعبيا، منقطع النظير، غير أن ذلك الاستقطاب، سرعان ما يتحول إلى مصدر لنهب أموال المواطنين من قبل فئة من المحتالين والنصابين، الذين يتخذون من مثل هذه التظاهرات، مكانا لممارسة كل أشكال الاحتيال، وتصبح معها “صحة” المواطن البسيط في الميزان، كما تغدو أيضا “العاهات”، خاصة البصرية منها، منفذا لهؤلاء المحتالين من أجل تمشيط جيوب المواطنين، وتأخذ بعض القصائد الشعبية المحفوظة عن ظهر قلب من قبل متسولين يتقمصون تارة شخصية “الشعراء”، وتارة أخرى شخصية “الحكيم “…

هؤلاء المحتالين يكشفون عن مواهب خارقة للعادة في كسب استعطاف المواطنين بالقرى والمداشر، وفي حالة ما إذا لم يتمكنوا من اصطياد القدر الكافي من التعاطف والشفقة كخاصية للوصول إلى بعض المال، فإنهم يستعملون أساليب أخرى يكون فيها التعنيف اللفظي وحتى الجسدي أحد الجسور التي غالبا ما تنتهي بالحاضرين لـ”الحلقة” إلى منح أوراق نقدية، إما مكرهين أو مستسلمين لحالة التشفي في أوساط المواطنين، وهم يشاهدون تلك التصرفات والممارسات التي ظاهرها “الإضحاك” وباطنها “الاحتيال”.

 

لا يقبلون بأقل من 500 دينار

في كل ما سبق ذكره فإن “المحتال” أو “النصاب” لا يقبل أقل من ورقة 500 دج للضحية الواحدة، ولكم أن تحسبوا كم يكسب هؤلاء المحتالين من أموال إذا ما اعتبرنا أن مشاهدي “الحلقة”  يتراوحون ما بين 60 إلى 100 شخص، يدفعهم إلى ذلك حب الفرجة والاستمتاع دون علمهم أنهم قد تحولوا إلى شبه مستيقظين وهم نيام، تحت تأثير سحر الإلقاء والخطابة من جهة، ومن جانب آخر الضحك وبعث السرور في نفسيتهم، كل هذا يحدث باسم “الوعدة”، التي كانت من المفترض إلى وقت قريب تعكس روح التضامن والتآزر الإجتماعي فيما بين الجزائريين، إلا أن واقع الحال، يكشف على أن لا مكان للأخلاق والأعراف لدى فئة من المحتالين والنصابين الذين يفسدون بممارساتهم وسلوكياتهم مثل هذه التظاهرات الشعبية، التي لاتزال تستقطب إليها المئات من العائلات، وهو ما وقفت عليه الشروق لدى حضورها إحدى هذه التظاهرات التي أقيمت مؤخرا بإحدى البلديات الشرقية بتلمسان.

 

مداح يعالج جميع الأمراض

عندما وطئت أقدامنا بلدية بني صميل، شعرنا منذ الوهلة الأولى، أن هذه البلدية النائية تحتضن عرسا بأتم معنى الكلمة، قضى على رتابة ورتين يوميات مواطني هذه البلدة، التي عرفت توافد العشرات من المواطنين من مختلف الأماكن، لمشاركة سكانها هذه التظاهرة، التي غالبا ما ينظمها سكان بني صميل مع أواسط شهر سبتمبر من كل سنة، فالحرية والنشاط اللذان توقفنا عندهما، جعلانا من حيث نريد، أن نستكشف، أهم فعاليات هذه “الوعدة”، التي حضرت فيها فرق الخيالة، مستعرضة مشاهد للفنتازيا، غاية في الروعة والفرجة، زاد في رونقها ومتعتها، أطباق الكسكسي، المقدمة للزوار وضيوف الوعدة من قبل سكان القرية، كعربون منهم عن كرمهم، ومن جانب آخر حتى يبارك الله العلي القدير في محاصيلهم الفلاحية، كما علمنا أن لجنة المسجد، انتهزت الفرصة من أجل جمع التبرعات لإتمام بناء المجسد، إلا أن ملامح التضامن والتآزر سرعان ما تختفي، كلما اقتربت من بعض المساحات، التي يتخذها عدد من الأشخاص لممارسة تجارة تختلف عن باقي الممارسات التجارية، في شكل حلقات دائرية تستقطب العشرات من المواطنين، وتعرف حلقة “المداح” أكثر الحلقات توافدا من قبل المواطنين، فيما تأتي بعدها حلقة “الطبيب” المعالج لمختلف الأمراض المستعصية والمزمنة، بدءا بأمراض السكري، مرورا بداء السرطان ووصولا إلى مختلف الآلام العضوية التي قد يتعرض لها المواطن، ما يذكر بالنجم عثمان عريوات في رائعتي “التاكسي المخفي” و”كرنفال في دشرة”.

 

“شعراء وحكماء”.. لكنهم متسولون

حلقة المداح أو ما أصطلح على تسميته بـ”الڤوال”، نموذج حقيقي للإستخفاف بمشاعر الجزائريين، وفضاء يكرس ثقافة احتيالية في أقصى تجلياتها، تكون فيها “لقلوب” والأفئدة بمثابة الوتر الحساس الذي يعزف عليه ابطال الحلقة كل النغمات الحزينة التي تجعل المشاهد أو الضحية ينساق وراء تلك المشاعر النبيلة التي تستخدم لأغراض دنيئة، فجوقة المداح الذي يعد بمثابة المايسترو تتشكل من شخص “كفيف” وعازف يتقن جيدا العزف على آلة الناي أو “الڤصبة”، كما هو متعارف عليه في الأوساط الشعبية، مكبر صوت وميكروفون، وهي أهم الوسائل المعتمدة في نصب “الكمين”، الذي غالبا ما يبدأ بتقديم “بورتري” حول الشخص الكفيف يصف من خلاله “الڤوال” الحياة الضنك التي يحياها ومعاناته اليومية والحاجة الماسة لعائلته لبعض المال.

 

جوق موسيقي أم عصابة أشرار؟

هذا البورتري الذي يستعرضه “المداح” بلغة شعبية غاية في الإتقان والشاعرية على إيقاع موسيقى حزينة تنبعث من ثقوب آلة “الڤصبة”، التي تبدع في إيصالها شفتا العازف، وهو يتلاعب بأنفاسه، قبل أن يقطع “المايسترو” لحظة الشجون تلك، متوجها للحاضرين بكلمات تستجديهم في أن يمنحوا لهذا الكفيف القليل من المال، محددا في الوقت نفسه بأن يتقدم كل واحد من الحضور بـ500 دج، وفي حالة ما إذا لم يصل إلى المبلغ المحدد من قبل “العصابة” والمقدر غالبا بـ10 آلاف دج، كمبلغ مسبق قبل، مواصلة عرض “البورتري”، فإنه يتوجه مرة ثانية للحضور، طالبا من خمسة أشخاص أو ستة بأن يمنح كل واحد منهم القيمة المالية المطلوبة، ويخضع عدد الأشخاص لما منح من مبلغ، فقد يطلب من ثلاثة أشخاص أو إثنين أو شخص واحد، المهم الوصول إلى مبلغ 10 آلاف دج، ليواصل بعد ذلك إتمام “البورترية” في شكل قصيدة من الشعر الملحون، تشرئب لها النفوس إلى أن ينتهي من قراءتها كاملة، ولكن بعد أن يتوقف في أكثر من مرة، تصل إلى 4 مرات كاملة، وهو ما يعني الحصول على 4 ملايين بالتمام والكمال.

 

ثلاث قصائد مؤثرة مقابل 60 مليونا

ينتقل بعد ذلك إلى المشهد الثاني، هو بيت “الحكمة” من خلال سرد أساطير وخرافات تستمد قوتها من الموروث الديني، مثل معجزة “الإنجاب”، وأن الله عز وجل وهو من يهب لمن يشاء ذكورا وإناثا، مستعرضا قصصا شعبية من نسج الخيال، تصور مدى قدرة الله عز وجل، وهي أمور بديهية يعرفها العام والخاص، وتشكل مرجعية عقائدية في المخيال الشعبي للجزائريين، وبعد المشهد الثاني، تأتي معاناة أطفال غزة، كأحد المشاهد المؤثرة، أين يقوم “المايسترو” بإلقاء قصيدة مؤثرة عن غزة على مراحل متقطعة، على أن يحصل على مراده والمبلغ المالي المراد تحقيقه، حيث تصل قصيدة “غزة” إلى ما يزيد عن ستة ملايين في الحلقة الواحدة، ونفس المبلغ أيضا لمشهد “بيت الحكمة”، ليسدل الستار على فصول الحلقة الأولى، مقابل مبلغ مالي يحصده يصل إلى حدود 10 ملايين، قبل أن يعود مجددا إلى تنشيط حلقة ثانية وثالثة بنفس المواضيع ونفس القصائد.

 

السب والشتم بمقابل

أبطال هذه المسرحية الاحتيالية، المتكونة من 4 أشخاص، عندما يشعرون أنهم لم يصلوا إلى هدفهم في إحدى الحلقات، فإنهم لا يتوانون في التلفظ بكلمات سوقية والإساءة للحاضرين بطريقة ساخرة، وتعد هذه الطرق الساخرة بمثابة “المنقذ” لهم من خسارة محتملة، المؤسف أن مثل هذه الإساءات يتجاوب معها الحضور، أين يتم تقديم أوراق نقدية لـ”المداح” الذي يكون قد تفوه بكلمات جارحة في حق شخص من الحاضرين، ناصحا إياه بضرورة “رضا” الوالدين، لكن غالبا ما تكون تلك النصيحة عبارة عن إساءات بألفاظ سوقية تدغدغ مشاعر باقي الحاضرين، هذا وقد يتجاوز عدد الحلقات طلية النهار 6 حلقات، دون الحديث عن الحلقات الليلية التي قد تصل إلى ما بين 4 و5 حلقات، وفقا لعدد الإقبال الذي غالبا ما يكون أكثر من حلقات النهار، ليغادر أبطال الاحتيال والنصب المكان وقد حصدوا مبالغ مالية خيالية في التظاهرة تصل إلى حدود 70 مليونا أو أكثر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطرق والمشاهد المعتمدة من قبل أفراد الجوقة، الذين ينسحبون إلى تظاهرة ثانية، وأخرى ثالثة بمختلف البلديات التي تنظم مثل هذه التظاهرات الشعبية.

 

المعجون السحري وقارورات الشفاء

هذا وتشكل “الأمراض” مصدر رزق لدى العديد من النصابين ممن يفضلون المشاركة في مثل هذه التظاهرات، جالبين معهم الوصفات السرية من منطلق أن لكل داء دواء، إلا أن هذه الأدوية ليست أعشابا أو خلطات، وإنما عبارة عن قارورات بلاستيكية من الحجم الصغير تحتوي على مادة مطاطية في أغلب الأحيان قابلة للذوبان، وحسب المعلومات التي بحوزتنا هي مجرد “شحم الجمل” لا اكثر ولا أقل، يتم حشوها في هذه القارورات الصغيرة وتقديمها للمرضى والمهووسين بالمرض في مثل هذه التظاهرات على انها وصفات سحرية يمكنها أن تقضي على العديد من الأمراض المستعصية والمزمنة، حيث يتوسط “المحتال” حلقة يتوافد عليها العشرات من المواطنين، أين يقوم بعرض هذه القارورات، مقدما شروحا تجعلك تعتقد أنك أمام طبيب متعدد الاختصاصات “يفهم” في كل شيء بطريقة تتميز بالقدرة على الإقناع، مستهدفا العواطف والأحاسيس قبل أن يتم الإعلان عن مبلغ القارورة الواحدة الذي يصل إلى 200 دج، مع إخضاع بعض المرضى إلى عمليات “تدليك بالمعجون السحري للمصابين” فقط “بآلام الظهر” دون باقي الأمراض الأخرى، ليبدأ تهافت الحاضرين على اقتناء قارورات “الشفاء”، وكل حسب ما يعانيه من أمراض سواء تعلق الأمر بشخص أو أفراد عائلته، فهنالك من يأخذ عبوة واحدة، فيما يقتني آخرون أكثر من 5 عبوات، إلى أن تنتهي الكمية التي “لا يعلمها” سوى الطبيب المتعدد الاختصاصات العلاجية.

 

معلم يتحول إلى محتال في موسم الوعدة

وقد توقفنا لدى حضورنا عن نفاد كيسين متوسطي الحجم مملوءين عن آخرهما بعبوات صغيرة الحجم، ولكم أن تتصوروا القيمة المالية التي يجنيها هذا الطيب “المزيف”، الذي علمنا أنه يشتغل “أستاذا” بإحدى المدارس الابتدائية، بعد ما تقمص شخصية الطبيب للاستيلاء على أموال المواطنين، وينصرف بعد ذلك على متن سيارة آخر صيحة إلى “وعدة” ثانية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يصل إلى حلقات أخرى منها حلقة رقصة “العلاوي”، التي تبقى أقل ضررا من باقي الحلقات لكونها تضمن لمشاهديها فرجة ومتعة وأداءت راقصة يشترك فيها الحاضرون بعد ما يدفعون مقابل الرقصة الواحدة مبلغا ماليا معينا، قبل أن يسدل الستار على فعاليات التظاهرة، التي تكون فيها “تطوعات” المواطنين لبناء مسجد لا تتعدى بضعة ملايين، وهو ما كشف عنه أحد الشباب قبل مغادرتنا للمكان قائلا “لو قارنت ما جمعه المحتالون من أموال بما جمعه أعضاء لجنة بناء المسجد، لأصبت بإحباط كبير..”، فمن ينقذ هذه التظاهرات الشعبية من أطماع المحتالين والنصابين، ويرجعون لـ”الوعدة” هيبتها ومميزاتها وأعرافها التي تصب في خدمة القيم النبيلة التي وجدت من شأنها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • ramdani

    لماذا لا يتدخل شيوخ الجهل والفتن لإصدار فتاويهم وتحريم هذه الظواهر التى تعبر ببساطة على أقصى درجات التخلف والجهل في القرن 21 بدلا من فتاويهم حول الإحتفالات ب 1 جانفي او قتل الصحفي كمال داود ... أو من وراء الشعوذة مصالح وأموال يجنيها هؤلاء المهرجون لدى شعب متخلف وأعمى لا يفقه في الحياة شيئا

  • بومدين

    هناك كذلك رجال اعمال يستغلون اموال تشغيل الشباب الانساج و ما اكثرهم