نصحت لهم نصحي بمنعرج اللّوى!!
قبيلة هوازن كانت من أضخم القبائل العربيّة عددا، ولكنّها كانت كثرة بلا رأي. فلما زحف عليهم المسلمون في “غزوة حُنيْن” تبلبلوا واختلفوا وانهزموا وتفرّق شملهم، لا من قلّة عدد، وإنما من سوء تقدير وضعف تدبير وافتقار إلى قيادة رشيدة. وكانوا بسبب كثرة زحوفهم ينتصرون في أغلب معاركهم. فعرّتهم هذه الكثرة العدديّة فأغاروا على قبيلة غطفان في “يوم اللوى” فغلبوهم وشرّدوهم وساقوا مواشيهم وسبُوا نساءهم.. وفي طريق العودة المظفَّرة استعجلوا اقتسام الغنائم!! فنصحهم شاعرهم دريد بن الصمّة بأن يؤجّلوا هذا الرّأي إلى غاية بلوغهم ديارهم. فعصوه وعسكروا قريبا من ديار خصومهم وأخذتهم نشوة النّصر.
ولحظة انشغالهم باقتسام الغنائم فاجأتهم عبسٌ وفزارة وأشجع.. بغارة مرتدّة، وأعملوا فيهم السّيوف والرّماح والنّبال؛ فقتلوا من قتلوا وشرّدوا من شرّدوا.. واسترجعوا الغنائم والأسلاب، وقُتل زعيم هوازن (عبد الله بن الصمّة). وجُرح أخوه.. وفقدوا كل أمل في حماية أنفسهم، فلاذوا بالفرار.. فكتب دريد مرثيّة في أخيه عبد الله، يُعيد التّاريخ التّذكير بها كلما تشابهت الأحداث، جاء فيها:
نصَحْتُ لهم نُصْحي بمُنْعرج اللّوى * فلم يستبينوا الرّشد إلى ضحَى الغد
فلما عصوني كنت منـهم وقد أرى * غوايَتَــهم ، وإنّنـي غيــر مهتـــدي
وهل أنا إلاّ من غُــزيّة إنْ غـوتْ * غويْتُ وإن ترشــدْ غُزيّــةُ أرشــدِ
الشّاهد من هذه القصّة، أنّ القوّة العدديّة للجماهير ظاهرة صحيّة، ومظهر حضاري، وقوّة تغيير، وآليَة من آليات كبح جماح الطغيان، وخضْد شوكة البغي.. لكنّ الرّهان عليها وحدها لأمد طويل، قد يًنهك قوّاها ويبدّد جهودها ويقوّض آمالها في تراكميّة الانتصار، ويذهب بثمرات العمل الجماعي.. لاختلاف الرّؤى وتباين الطموحات وتناقض المشاريع.. فالذّوبان في المجموع يكون لبعض الوقت، إذا احتاج الحراك الشّعبي إلى كتلة ضامنة للضّغط على من صمّوا أذانهم عن سماع أنين المقهورين، وأدار ظهورهم لصراخ الملايين.. فإذا تحقّق المطلب الأساس وصار “رأس الخيط” بيد الكتلة المرجّحة للقرار، وجب أن ينتقل مركز الثّقل من الجماهير إلى ممثّليها من النّخب لتستكمل ـ تحت رقابتها ـ مشروع “البروسترويكا” بما هو متاح من المكاسب المحقّقة. أما إذا استمرّ الضّغط بالكتلة العاطفية على حساب العقل، فانّ النّتيجة معروفة. ـ إما السقوط الحرّ لمؤسسات الدولة كلها، وهو ما يتطلّب سنوات طويلة لجمع ركامها وتنظيف مخلّفاتها لإعادة تأسيس بناء جديد. والشّعوب لا تصبر طويلا على من آل إليهم الحكم وإدارة الشأن العام.
ـ وإما تنبيه الموجود إلى أخطائه، فيسارع إلى إصلاحها بأدواته، في مسمى: “الدولة العميقة”، ويوصد الباب على كل قادم جديد بحجّة الخوف على الاستقرار والوحدة، والتنافس على خدمة فريق من الثّائرين لتشظّي كتلة الغاضبين.
الكتل الغاضبة لا يقنعها المنطق، ولا تعترف بالتّحليل المنطقي ولا تستجيب إلاّ لمن يصعّد ويشحن ويبشّر بأنّ ما تراه الأعين هي “نمور من ورق”. وقد ترفع الجماهير على أكتافها من يحرّضها على رفع سقفها ويدعوها إلى الاستمرار في الضّغط لإسقاط النظام، ومسح الموجود كلّه، وزرع جديد لا صلة له بالقديم. وفتح الطّريق أمام جزائر جديدة، بدستور جديد وآليات جديدة.. تُسلَّم فيها أمانة الوطن لأشخاص لا صلة لهم بالماضي، ولم يتورّطوا يوما في تسيير الشّأن العام، ولم يساهموا ـ من قريب ولا من بعيد ـ في بناء الدولة الوطنيّة خلال الفترة الزّمنيّة الفاصلة بين فجر الاستقلال وانتفاضة الشّعب!! وهو طموح مشروع، لكنه ليس واقعيا لخمسة أسباب على الأقلّ.
ـ الطبيعة لا تقبل الفراغ، فإذا رحل كل من يشغل موقعا في نسيج مؤسسات الدولة سقطت الدّولة نفسها.
ـ إذا كنا نتحدّث، بعد زهاء ستين سنة من استرجاع السيادة الوطنيّة، عن “حزب فرنسا”، فما بالك بحزب الإدارة؟ وحزب المصالح؟ وحزب “الثّورة المضادّة” وجبهة الدولة العميقة؟؟
ـ الدّولة العميقة (بل قل: السّلطة العميقة) أعمق مما يتصوّره المنادون بالرّحيل الشّامل للنظام. فهناك نظام متخندق متجذّر في كلّ مفاصل الدولة ومؤسساتها.
ـ ليس كل من خدم دولته خلال نصف قرن متورّطا في الفساد والرّشوة واختلاس المال العام..
ـ الترميم أصعب من البناء على أسس جديدة، وتجربة السّابقين أثبتت أنّ البناء على أسس قديمة يستدعي خبرة الذين وضعوا الأسس الأولى المطمورة تحت الأرض..
صحيح أنّ الضّغط يولد الانفجار، وصحيح أيضا أنّ إرادة الشّعوب من إرادة الله تعالى، ولكنّ الفرق كبير بين سهولة الهدم وصعوبة إعادة البناء؛ فالشّعوب تملك أن تهدم السّقف فوق رؤوس الظالمين والفاسدين والمستبدّين.. ولكنها ـ بعد سكون غضبها ـ تكتشف أنّ جثامين الآلاف الذين قضوا تحت الرّدم قد تحوّلت إلى بؤر وبائيّة تتهدّد هادميهم بالخطر، وأنّ ردمها أو استخراجها وإعادة دفنها يحتاج إلى جهد ومال ووقت.. وأنّ سياسة تحييد العدوّ وكسب المحايد أنجع من سياسة الإقصاء والاستئصال والاستغناء عمّن في المكنة تحويلهم من معاول هدم إلى أرفاش بناء، وفي التاريخ الإسلامي ما يصلح منهجا لتغيير ما بالنّفس بدعوتهم إلى الحياة بدل إرسالهم إلى نهاياتهم العاجلة بالموت المعنوي، فالمرء لا ينسى أبدا من قطع رزقه. أو أهانه بعد عزّ.. فقطع الأرزاق من قطع الأعناق.
ما كل ما يتمناه الشّعب يدركه؛ فالهدم بالجملة لا يتيح فرصة البناء إلاّ بالتّقسيط على مدى طويل، والشّجرة التي تقلعها في ساعات لا تستطيع إنبات بديل عنها قبل بضع سنوات، فما بالك بهدم دولة وإقامة أخرى على أنقاضها!! والخلاصة التي تفرض نفسها في مثل هذه الظروف هي: أن الهوّة بين السلطة والشّعب تزداد اتساعا يوما بعد يوم، وكلما طالت مدة الحراك كلما زاد سقف المطالب ارتفاعا، حتى صرنا نسمع عن رحيل النظام، وعن “مجلس رئاسي” ومجلس تأسيسي وجمهورية ثانيّة.. ولكنْ لا أحد من المبادرين قدّم آلية تجسيد هذه الطموحات، مما دفع بقائد الأركان إلى دعوة المؤسسات المخوّلة لتفعيل المادة: 102 من الدستور للخروج من الأزمة وتحقيق شيء من توافق الرّؤى واجتماع كثير من الأطراف على استحسان هذه الخطوة باعتبارها مفتاحا لحلحلة واقع يتّجه إلى التأزّم، إذا لم يتمّ لجْمه بكثير من الحكمة والتبصّر والمرافقة الضامنة لحسن النهايات، بعد أن تآكل منسوب الثّقة بين السلطة والشعب، في غياب شبه كلّي لرأس الدولة لمدّة طال زمنها.
ما لا يُدرك كله لا يُترك جلُّه، والجلّ المتاح اليوم هو الحل المندرج بشكل حصري في منطوق الدستور، لكنْ بآليات مرافقة تضمن للشعب حقّه في استرجاع سيادته على وطنه وثروته ودولته ومن يحكمونه.. باسم القانون، فقد عيل صبره وملّ الانتظار ويئس من الوعود التي يتم القفز عليها بعد أن تهدأ النفوس وتبرد العواطف. لكنّ الشعب هذه المرّة مصمّم على الذّهاب بعيدا، ليفهم صنّاع القرار أنّ الذين استقالوا من الفعل السّياسي عشرين عاما قد قرّروا أن يستخلصوا بحراك سلمي ما ضاع من أعمارهم بشرط واحد هو: إما أن تذهبوا جميعا، وإما أن تبحثوا عن شعب آخر لتحكموه بأدوات تجاوزها الزمن. هذا ما يعتقده الحراك.
الهوّة بين السلطة والشّعب تزداد اتساعا يوما بعد يوم، وكلما طالت مدة الحراك كلما زاد سقف المطالب ارتفاعا، حتى صرنا نسمع عن رحيل النظام، وعن “مجلس رئاسي” ومجلس تأسيسي وجمهورية ثانيّة.. ولكنْ لا أحد من المبادرين قدّم آلية تجسيد هذه الطموحات.