-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نظرية التحزب بين المعارضين والمؤيدين الجزء الثاني والأخير

خير الدين هني
  • 289
  • 0
نظرية التحزب بين المعارضين والمؤيدين الجزء الثاني والأخير

إنّ انخراط الإحيائيين المحافظين ضمن أحزاب مختلفة، بسبب اختلاف برامجهم السياسية؛ أي: حول الإجراءات العملية لتنفيذ البرامج الحزبية، لا يعني الخروج عن القواعد الأصولية للتشريع السياسي في النظام الإسلامي؛ إذ إن البرامج التي تحدد سياسة تسيير الدولة، لا تشمل المبادئ الكبرى، التي تتناول المرجعية الفكرية والثقافية والأخلاقية للمجتمع، لأن برامجهم في مجملها تتفق على تلك المبادئ.

وهي بمثابة القواعد الأصولية، التي تقوم عليها ملامح الدولة في النظام الإحيائي؛ وإنما الخلاف يكون في الإجراءات العملية، والتنظيمية والمنهجية التي يتبعها كل تنظيم.

واختلافهم في البرامج السياسية، لا يكاد يخرج عن نطاق اختلاف المدارس الفقهية في المسائل الاجتهادية؛ التي أدت إلى نشوء مدارس فقهية كبرى نُسبت إلى أصحابها، وأصبح لها أتباع ومريدون من الجماهير الإسلامية الغفيرة.

ولا ريب أن ظروف الحياة المعقَّدة، وما يتبعها من المتغيرات والمستحدثات، التي طرأت على حياة المسلمين بعد عصر النبوة؛ هي من فرضت عليهم ظهور هذه المذاهب؛ على نحو ما نراه من مذاهب الأئمة الأربعة، فضلا عن المذهب الشيعي، وهي مازالت موجودة إلى يومنا هذا.

والمسائل الخلافية في الاجتهادات الفقهية، مازالت تبرز بحدة حتى في تاريخنا المعاصر، ولم ير فيها أي عالم أو فقيه أنها خروج عن حدود الشريعة، أو أنها تشكل بأسا يضر بمصالح المسلمين ووحدتهم؛ لأن الخلاف أمرٌ طبيعي بين البشر وقد راعت الشريعة ذلك وأباحته، بل شجَّعت عليه في عصر النبوة والخلفاء الراشدين.

وإذا كان الخلاف والتمذهب، في المسائل الفقهية التي تمس جوهر الشريعة جائزا، وقد يؤدي ذلك -لا محالة- إلى اختلاف كبير في ممارسة شعائر العبادة، كما هو عليه حالنا اليوم، فكيف لا يجوز الاختلاف في العمل السياسي، الذي يتناول تأسيس الدولة وتسييرها وأمنها، والدولة هي الجهاز الإداري الأنسب، الذي يرعى العقيدة والعبادة وشؤون الحكم وأحوال المسلمين؟

وخلاصة القول: إن التحزب بمفهومه السياسي المعاصر، أصبح أمرا لا مناص منه، ضمن الظروف السياسية التي يميزها تاريخنا الحديث، والاختلاف في البرامج السياسية أمرٌ مشروع، مثلما هو عليه حال الاختلاف في الاجتهادات الفقهية سواء بسواء، وبرامج العمل السياسي ضمن المنظور الإحيائي يدخل في هذا النطاق، لاسيما وأن الاختلاف يحدث في المسائل الفرعية، وليس في الأصول والمرجعيات الكبرى التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.

إلا أن المطلوب في التحزب، ضمن ما هو معلوم في القواعد الشرعية، هو وجوب الالتزام بقواعد الانضباط، وهي القواعد التي تتجنب التعصب والتشدد والغلو والتطرف، والتناحر والتنابز والتشاحن والتباغض والتخاصم والعداوة، والتكتّل مع دوائر وتكتلات معادية لمشاريع الأمة والوطن، وألا يكون التحزب وسيلة للوصول إلى الحكم، من أجل نيل المنافع والمكاسب، للذات أو الأفراد أو العصبة أو الجهة أو القرابة… أو الدخول في لعبة الامتيازات التي تطلبها بعض الأحزاب، ممن يراد منها خدمة جهات معيَّنة في دوائر نفعية متكسِّبة داخل الأجهزة.

وأي عمل سياسي لا يراد به خدمة الدولة، يُخرج هذا العمل عن قواعد الشريعة وأهدافها؛ مثلما يفعله الذين يشاركون في لعبة بيع الولاء والذمة، والتواطؤ على مصالح الدولة والشعب، لتمرير قرارات يراد بها قلب الحقائق والنتائج في الاستحقاقات، أو الموافقة على وضع مشاريع قوانين، أو التصديق عليها لخدمة جهات معينة، أو السكوت على أخطاء التسيير أو تحسينه وتلميع صوره، أو تزكية الأعمال الخارجة عن القانون، كتغيير الدساتير والقوانين والتشريعات لصالح هذه الجهة أو تلك. إنّ أعمالا مثل هذه، تجعل العمل الحزبي في نطاق التشريع الإسلامي غير مقبول.

أما إذا كانت هذه الأحزاب تجعل في مشاريعها وبرامجها وأهدافها، خدمة الدولة ومصالح الشعب ووحدة الأمة والوطن، وتدعو إلى التلاحم والتآزر والتآخي، فيصبح العمل بهذا السلوك محمودا ومجزيا عليه، أما إن كان العمل الحزبي يؤدي إلى الشقاق والاختلاف والفتنة والاقتتال، وكل ما يثير في النفوس غرائز الشر والعنف والعدوان والفساد، فيصبح العمل الحزبي بهذا السلوك، مذموما ومحرَّما وغير مقبول في التشريع السياسي في الإسلام.

والتحزب الإيجابي في فلسفته ومقاصده وأهدافه وإجراءات عمله، عملٌ تدعو إليه المقاصد الشرعية حسب تقديرنا، وذلك أضعف الإيمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع  فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.

وانخراط الإحيائيين والمحافظين في العمل السياسي، ضمن التنظيمات الحزبية هو أهمُّ وسيلة تمكِّنهم من المشاركة في الحكم؛ وتقديم برامجهم السياسية التي تتضمن برامج هادفة وإستراتيجية، ترتبط بطرق تسيير شؤون الحكم؛ هو أنجع سبيل لمحاربة مظاهر الفساد والانحراف والرذيلة؛ كالرشوة والبيروقراطية والمحسوبية واستغلال المنصب والنفوذ، والوصولية والجهوية والنزعة الفردية والاستبدادية في الحكم؛ لأن الإسلام يعتبر هذه المظاهر المقيتة، مدعاة للفساد والعدوان على الدولة ومصالح الأمة.

أما بقاؤهم خارج الممارسة السياسية، وعدم قبولهم الاندماج في العمل السياسي بوسائل العصر، بحجة أن التحزب غير جائز، فإن ذلك يضعهم في دوائر ضعيفة ومغلقة ومشبوهة؛ تجعلهم سلبيين في بناء الحياة، وعمارة الأرض بما يحقق معنى الاستخلاف الذي دعا إليه القرآن الكريم، ولو بالقدر اليسير الذي تتيحه الظروف، وفي الوقت ذاته يصبحون عرضة لانتقادات التيارات المعادية لهم.

وقواعد التشريع الإسلامي، في المجال السياسي التي ظلت تدعو الأمة إلى الاستخلاف في الأرض، وإعداد القوة المعنوية والمادية لمواجهة الظروف الصعبة، توجب على الحركيين الإحيائيين، إعادة النظر في استعمال العقل والفكر في تأويل النصوص، وفهم أسرار الحياة وظواهرها الطبيعية والاجتماعية والسياسية، كما يقودوا المسلمين إلى دوائر القوة والتأثير في الحياة، ولا يكون ذلك إلا بأدوات عصورهم، التي تتماشى مع أذواق الناس ورغباتهم.

والتأثير الحقيقي والفعال، لا يكون إلا بالمساهمة الفعلية في بناء الدولة وتسييرها، بكل الوسائل التي تتيحها ظروف العصر؛ لأن وسائل الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها، هي الجهاز الأنسب الذي يُحدث التغيير، والتغيير لا يكون -بحسب السنن القرآنية- إلا بتغيير النفوس والأحوال، لقوله تعالى: في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم”، وإعداد القوة التي أمر بها الحق سبحانه، في الآية الستين من سورة الأنفال “وأعدُّوا لهُمْ ما استطَعتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللهِ وعَدوَّكُم” لا تكون من دون وجود دولة وشرعية ومشروعية، تضطلع بمهام الإعداد لإخافة الأعداء والمتربصين.

ونُخب المجتمع الإسلامي، ممن يملكون القدرة على التغيير، لا يستطيعون تغيير الواقع الفاسد، وإعداد القوة المادية والمعنوية المطلوبة، إلا بقوة القانون التي تمتلكها وسائل الدولة.

التحزب بمفهومه السياسي المعاصر، أصبح أمرا لا مناص منه، ضمن الظروف السياسية التي يميزها تاريخنا الحديث، والاختلاف في البرامج السياسية أمر مشروع، مثلما هو عليه حال الاختلاف في الاجتهادات الفقهية سواء بسواء، وبرامج العمل السياسي ضمن المنظور الإحيائي يدخل في هذا النطاق، لاسيما وأن الاختلاف يحدث في المسائل الفرعية، وليس في الأصول والمرجعيات الكبرى التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.

والحديث الشريف سالف الذكر؛ يدعو المسلمين إلى وجوب الالتزام بثقافة التغيير، حتى ولو كان ذلك بأماني القلب فقط، ولا ريب أن المساهمة في الحكم، تتيح للمحافظين التغيير ولو بقدر يسير؛ أي: بقدر ما يستطيعون حتى ولو كانوا غير قادرين، ويعملون في ظروف صعبة، لقوله تعالى:”لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”، (البقرة:286)، وقوله جل ذكره: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”، (البقرة:185).

وهذه المعاني القرآنية، الواردة في هذه النصوص، لا تعني توقيف القدرة على العبادة فحسب؛ وقد جاء اللفظ عامًّا مطلقا، وإن كان في سياق خاص بالعبادات؛ ولذلك يُؤخذ المعنى على عمومه وإطلاقه كما يؤخذ على خاصّه، ويمكن تعميمه بالقياس على أمور السياسة والحكم وغيرها من أمور الحياة.

هذا هو الفهم الصحيح والمتوازن، لأنه مستمد من روح التشريع الإسلامي ومقاصده. ومطلوب الأخذ به في حالة الضعف، بسبب القلة العددية أو المحاصرة أو التضييق، مثلما هو عليه الحال اليوم، لأن الانكفاء على الذات والتقوقع على هامش الحياة والاكتفاء بالاجترار والنحيب، والبكاء على أمجاد الماضي والتمني برجوعه والعيش في أوهامه النظرية، هو عملٌ غير شرعي وغير متوازن في تقديرنا، لأنه يُفقِد المسلمين المحافظين القدرة على التأثير في الحياة؛ لذلك كان التقوقع والانزواء في زوايا الحياة، كما يدعو النصيون الحرفيون المقلدون، يتنافى مع المقاصد الكبرى للشريعة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!