“نقاط ظل” في وثيقة ترقية مستخدمي التربية !
أثارت وثيقة رسمية حول الترقية إلى رتب أعلى، صادرة مؤخرا عن وزارة التربية الوطنية، جدلا واسعا في أوساط أفراد الجماعة التربوية، وفي حال تم تجسيدها على أرض الواقع، ستتسبب في إسقاط سنوات طويلة من الخبرة المهنية والأقدمية لدى بعض الأسلاك، ما قد يؤدي إلى حرمانهم من المشاركة في الامتحانات المهنية، والتي من المقرر برمجتها يوم 11 جويلية المقبل.
وفي هذا الشأن، طالبت النقابة الوطنية لعمال التربية الوصاية بأهمية استصدار “ملحق تصحيحي” رسمي يعيد الأمور إلى نصابها، شريطة أن يتضمن تعديلا جوهرياً يسمح بـ”الجمع بين الرتبة الأصلية ورتبة الإدماج” في تقدير الأقدمية المطلوبة للترقية خاصة لبعض الأسلاك المتضررة.
وفي التفاصيل، أبرز قويدر يحياوي، الأمين العام الوطني للنقابة الوطنية لعمال التربية بالنيابة، في تصريح لـ”الشروق”، أن جوهر المشكلة يكمن في عدم الاعتراف الصريح بالأقدمية المكتسبة، مما قد يخلق اهتزازا في العلاقة بين الإدارة والقاعدة. وبالتالي، فإن الأساتذة الذين كانوا ينتظرون ترقيات مستحقة بناء على مسارهم المهني، وجدوا أنفسهم خارج حسابات المسابقة.
“مقصلة إدارية” قد تلغي سنوات من الخبرة والأقدمية
ولفت يحياوي في هذا الصدد إلى أنه عقب صدور التعليمة الوزارية المشتركة رقم 01 المؤرخة في 23 أفريل 2026، والتي كان من المفترض أن تكون لبنة في بناء الاستقرار المهني، إلا أنها قد تحولت في نظر موظفين إلى “مقصلة” إدارية قد تلغي سنوات من الخبرة والأقدمية.
وفي هذا الإطار، استحضر المتحدث بعض “الوضعيات الغامضة”، على حد وصفه، والتي برزت عقب صدور التعليمة المتعلقة بامتحانات الترقية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هو الترقية إلى رتبة “مشرف عام للتربية”، لاسيما بعد صدور المرسوم التنفيذي رقم 19-336 المؤرخ في 08 ديسمبر 2019، وما ترتب عنه من عمليات إدماج مست مختلف الأسلاك والرتب. وعليه، فقد تم اعتماد تفسير يقضي بجمع الأقدمية المكتسبة في رتبة الإدماج “مشرف رئيس للتربية” مع الأقدمية المحققة في رتبة “مشرف التربية” بالنسبة لفئة محددة من الموظفين المستفيدين من الإدماج والحائزين على شهادة الليسانس على الأقل.
وفي مقابل ذلك، فقد تم إقصاء فئة أخرى مارست نفس المهام وشغلت نفس الرتبة لسنوات طويلة، فقط لأنها لم تكن معنية بالإدماج الذي جرى سنة 2019، خاصة وأن الصيغة الحالية تكاد تحصر الاستفادة الفعلية من هذه الترقية إلى رتب أعلى في عدد محدود من المدمجين العاملين بمرحلتي التعليم المتوسط والثانوي، بينما وجد عدد معتبر من المشرفين التربويين، خاصة الذين أُدمجوا في الطور الابتدائي، أنفسهم خارج الحسابات رغم سنوات الخدمة الطويلة والخبرة المتراكمة والشهادات الجامعية التي تحصّلوا عليها بمجهود شخصي، يشرح يحياوي.
وإلى ذلك، أكد محدثنا أن التعليمة الأخيرة قد تتسبب في إقصاء أساتذة الأطوار التعليمية الثلاثة “ابتدائي ومتوسط وثانوي”، (دفعة 2016 وما قبلها) من المشاركة في مسابقة رتبة “ناظر مؤسسة تربوية”، بسبب ثغرة قانونية في المادة السابعة من المنشور والملحق التابع له، لعدة أسباب من أبرزها “تناقض شرط الأقدمية”، ذلك لأن الترقية إلى “ناظر تعليم ابتدائي” صنف 14 على سبيل المثال، تشترط الجمع بين رتبة الإدماج (أستاذ قسم أول صنف 13) والرتبة الأصلية (أستاذ رئيسي صنف 12). وهذا يؤدي إلى مفارقة عجيبة؛ حيث يُسمح لأستاذ لديه 5 سنوات أقدمية فقط (مرّ عبر رتبة رئيسي) بالمشاركة، بينما يُقصى أستاذ لديه 10 سنوات أقدمية فعلية (مثل دفعة 2016) ممن تم إدماجهم مباشرة في الصنف 13 من دون المرور برتبة “رئيسي”، رغم أنهم الأقدم والأكثر خبرة ميدانية.
تسجيل “تضارب” في شروط الترقية بين الأطوار
كما تم الوقوف على “تضارب آخر” في شروط الترقية بين الأطوار. فمثلا أستاذ تعليم ابتدائي أو متوسط مدمج في رتبة “أستاذ قسم ثان” منحدر من رتبة “أستاذ رئيسي”. وبالتالي، وبعد الجمع بين الرتبتين يحق له المشاركة في مسابقة الترقية لرتبة “مدير مدرسة” أو “مدير متوسطة”.
في حين أن “أستاذ قسم ثان” في التعليم الثانوي مدمج ومنحدر من رتبة “أستاذ رئيسي”، وبعد الجمع بين الرتبتين لا يحق له المشاركة في مسابقة الترقية لمدير ثانوية.
وعلاوة على ذلك، فقد تمت ملاحظة نقطة أخرى، تتعلق بالترقية إلى رتبة “مفتش التعليم الابتدائي” تخصص تغذية مدرسية، حيث تم اشتراط أقدمية لمستشار رئيس في التغذية المدرسية، برغم أنه لا وجود لمستشار رئيس في التغذية المدرسية على المستوى الوطني.
وبناء على ذلك، لفت الأمين العام الوطني بالنيابة إلى أن هذا التطبيق قد أفرز وضعا غير متوازن، وأنتج تمييزا بين موظفين يجمعهم نفس المسار المهني تقريبا، ونفس الأعباء، ونفس الخبرة الميدانية، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة المهنية وتكافؤ الفرص داخل الوظيفة العمومية، ويتنافى مع الغاية التي كرسها القانون الأساسي خاصة المادة 63، التي أقرت مبدأ الحفاظ على الأقدمية المهنية وعدم تبديدها عند تغيير الوضعية الإدارية أو الرتبة.
المطالبة بـ”ملحق تصحيحي” لتدارك الاختلالات
ومن هذا المنطلق، وجه المسؤول النقابي نداء إلى القائمين على الوزارة للمطالبة باستصدار “ملحق تصحيحي”، يعالج الاختلالات التقنية، شريطة أن يتضمن تعديلا جوهرياً يسمح بـ”الجمع بين الرتبة الأصلية ورتبة الإدماج” في تقدير الأقدمية المطلوبة للترقية، من خلال احتساب كامل للخبرة المهنية المكتسبة من دون تجزئة أو إقصاء، خاصة لبعض الرتب مثلا “رتبة أستاذ مدرسة ابتدائية” ضمن عملية الجمع للترقية لرتبة ناظر.
بالإضافة إلى ذلك، فقد تمت المطالبة باعتماد تفسير موحد يضمن المساواة بين جميع الموظفين الذين شغلوا نفس الرتب والمهام، مع تمكين جميع المعنيين قانونا من المشاركة في مسابقات الترقية من دون قيود لا يستند إليها نص صريح.