نور الشريف كما عرفته وقرأته
نقديا يكتب عن الممثل الموهوب استنادا لمستوى الأداء في علاقته بالنوع السينمائي أو المسرحي الذي يجسده، والموهبة لا تدرس، لكنها تصقل وتوظف وتستنطق وهنا يدخل المخرج على الخط لتحقيق ذلك.
انطلاقا من هذا المعطى البديهي لا يتجرأ أي ناقد عاقل على التشكيك في موهبة الراحل نور الشريف الذي ترك خلفه عشرات الأدوار الخالدة العاكسة لموهبة متعددة الأوجه، وهي الأدوار الذي مكنته من حفر اسمه بأحرف من نور لن ينطفئ مع مرور الأيام والشهور والأعوام. المشاهد الذي تابع مشوار نور يعرف أنه مثل قيم الأصالة والصدق والتفرد والتنوع على أيدي مخرجين خرجوا من رحم المعيش المصري المشرع على قضايا سياسية وتاريخية واجتماعية مفصلية؛ ولعل تمثيله تحت إدارة عاطف الطيب ويوسف شاهين يكفي وحده لـتأكيد صحة موهبة ممثل عربي فذ، فضاء التركة الفنية لا يتوقف كما يعتقد الملايين من المشاهدين العرب عند موهبته التمثيلية، وهم المشاهدون الذين سيحزنون أكثر على رحيله حينما يدركون أن الرجل كان أكثر من ممثل موهوب ويصب في خانة الشخصيات الفنية والفكرية والسياسية والأخلاقية غير العادية خلافا لممثلين مصريين انفردوا بموهبة تمثيلية كبيرة، لكنهم مثلوا أدوار الإسفاف سينمائيا ومسرحيا وكانوا صغارا أمامه بكل المعايير. كان الراحل مثقفا كبيرا وصاحب توجه قومي بقي مؤمنا به من خلال مثله الأعلى جمال عبد الناصر وقارئا نهما ومولعا بالأدب والتاريخ والسير الذاتية لكبار الشخصيات ومتجذرا في الذاكرة الشعبية وتقمصه للكثير من الأدوار العاكسة لهذه الحقائق خير دليل على صحة على ما نقول ويكفي ذكر أفلام “سواق الأتوبيس” و”حدوتة مصرية” و”ابن رشد” و”هارون الرشيد” و”عمر بن عبد العزيز” و”عمارة يعقوبيان” لتلمس مواقفه وتوجهه، رحل قبل تحقيق حلم تقمص شخصيات أخرى أقرب إلى ولعه بعطر وعبق التاريخ العربي والإسلامي المستنير وبنبض الشارع الخلاق وبإيمانه بقيم العدل والتسامح والتراث وبالفكر والأدب.
لقد عرفت الراحل أول مرة في الجزائر عام 1983 حينما جاء مع النجمة ناديا لطفي متضامنا مع كفاح الشعب الفلسطيني على هامش حضور قادة منظمة التحرير وعلى رأسهم القائد الراحل ياسر عرفات، ويومها سعدت بمحاورته في فندق الأوراسي لجريدة الشعب بحضور الزميلة حضرية، المرأة الرقيقة والمهنية الجادة. اليوم وبعد أكثر من ثلاثين سنة أشهد للتاريخ أنني أكتشفت مثقفا كبيرا يجيد الحديث عن التاريخ والسياسة والاجتماع، وسياسيا ناصريا، متشبعا بالفكر القومي ومؤمنا بوحدة عربية حتمية تضمن موقعا للعرب من منظور هضمه للرهانات الإيديولوجية العالمية. تحدث الراحل يومها عن تجربته الخاصة مع المخرج الراحل الكبير يوسف شاهين بطريقة عكست العلاقة العضوية والحميمية والوظيفية التي ربطت الرجلين، وكان حديثه عن شاهين أقرب إلى التقديس، ومن يعرف التزام صاحب رائعة “حدوتة مصرية” يدرك حقيقة العمق الفكري الذي ميزهما خلافا لمخرجين وممثلين آخرين كثر. قابلت الراحل للمرة الثانية في حي المهندسين بالقاهرة عام 1987 بمناسبة تغطيتي للمهرجان الدولي للمسرح التجريبي، ويومها أصر على استقبالي في بيته، وكعادته حينما يلتقي بالجزائريين لم يتردد في التعبير عن حبه للجزائر باعتبارها البلاد التي تبقى عبرة تاريخية للشعوب التواقة للحرية، وهي البلاد التي دعمها وآمن بها عبد الناصر ملهمه الفكري الأكبر، كان لقائي الثالث مع الراحل في باريس بعد هجرتي في التسعينيات، وإذا كنت قد نسيت التاريخ والمناسبة تحديدا، فإنني مازلت أتذكر أنه طلب مني خدمة شخصية عشية ذهابي إلى الجزائر، وتمثل طلبه في حاجته الملحة لرواية “عابر سرير” لأحلام مستغانمي الذي افتتن بها كما افتتن بنجيب محفوظ من قبل.
في المرة الأخيرة لم أتمكن من مقابلته عام 2006 بمناسبة الأسبوع الثقافي المصري في الجزائر بعد أن حددنا موعدا في فندق “الماركور” بمساعدة الصديق العزيز عبد الحق كرميش، ولم يتمكن يومها من المجيء بسبب البروفة المسرحية التي طالت في المسرح الوطني، للتاريخ، يمكنني القول أن الراحل الذي لم يشتهر شعبيا مثل عادل إمام الموهوب، سيبقى أهم شخصية فنية عرفتها مصر في العقود الثلاثة الأخيرة لتفرده بكوكتيل مواصفات أخلاقية ومبدئية وفكرية وشخصية وأدبية انعكست في أفلام ومسلسلات كان معظمها مرآة لقناعاته وفكره وأصالته، ولم يكن عدم صعوده الخشبة كثيرا أسوة بآخرين أمرا اعتباطيا، وكثيرة هي المسرحيات التي زادت من شهرة ممثلين غرقوا في الإسفاف وأساءوا للمسرح المصري والذي يخرج من معطف المخرج الكبير سعد أردش مثل الراحل نور لا يمكن أن يقبل الابتذال تكريسا لمقولة “الجمهور عايز كده”.
أنا سعيد لأنني عرفت الراحل فنيا وشخصيا، وحزين لأنني لم أحضر جنازته ولم أزره قبل تدهور صحته لأسباب قاهرة فرضتها الغربة الغدارة.
نور الراحل سيبقى يشع في نفوس كل من أحب الحاج متولي الذي أسعد كل الجزائريين.
وداعا نور وتغمدك الله برحمته الواسعة.