هدنة كاذبة لتحريك حرب الشام الثانية
الاتفاق الروسي الأمريكي بوقف القتال في سورية الذي من المفترض أنه دخل حيّز التطبيق في منتصف الليلة الماضية، مسنودا بقرار من مجلس الأمن، يفترض ظاهريا أن يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية لكثير من المدن السورية المنكوبة، ويمهّد الطريق لاستئناف المفاوضات في “جنيف 3” بين النظام والمعارضة.
الاتفاق كان قد أعلن عنه في الـ22 من الشهر الجاري بين العملاقين الأمريكي والروسي، وسبقه توافقٌ بينهما حول الأطراف المعنية بالاتفاق، حيث أقصى مسبقا أهمّ فصيلين مقاتلين في سورية: تنظيم “الدولة” و”جبهة النصرة”، فيما تصر روسية على اعتبار جميع الفصائل المقاتِلة تنظيماتٍ إرهابية غير معنية بالاتفاق.
ومع أن أي مبادرة لوقف نزيف الدم هي في الغالب محمودة أيا كان الطرفُ المبادر، إلا أن الاتفاق الروسي الأمريكي قد يكون أيّ شيء سوى أن يكون مساراً لوقف الاقتتال، ما دام قد استثنى الفصائل الماسكة بالأرض: “داعش” و”النصرة”، ولم يُشِر لا من قريب ولا من بعيد إلى وقف الحملة الجوية الروسية على فصائل المعارضة، ولا لوقف الحملة الأمريكية على تنظيم “الدولة”، وقد يُراد منه فقط منحُ شرعيةٍ دولية لعمل عسكري مشترك أمريكي روسي قادم في سورية، والتمهيد لبداية حربٍ أخرى بأهداف غير تلك التي شبه بها على السوريين وعلى المقاتلين من الطرفين.
على المستوى العسكري الصرف، لن يفضي الاتفاق إلى وقف الاقتتال في ثلاثة أرباع الجغرافية السورية الأكثر سخونة: في الشرق الممسوك بيد “داعش” من البوكمال جنوبا وحتى شمال حلب، ولا في مدن وقرى الشمال والشمال الغربي والغوطتين بما في ذلك أحياء كثيرة من ضاحية دمشق وريف حمص؛ حيث تنشط “النُّصرة” وفصائل متحالفة معها، وإذا ما لم يغيِّر الروسُ موقفهم من بقية الفصائل، فإن الاتفاق لن يوقف إطلاق رصاصةٍ واحدة لا اليوم ولا بعد شهر، أو سنة، أو أكثر…
وعلى المستوى السياسي لن يكون للاتفاق أي تأثير إيجابي على إعادة تنشيط مسار جنيف التفاوضي، إلا إذا كان أريد له أن يحفظ ماء الوجه لوفد المعارضة ولحلفائها من الإقليم، وتوفير باب خروجٍ آمن لهم من الأوحال السورية، وإخلاء الساحة بالكامل لتنفيذ اتفاق خفيّ غير معلَن بين روسيا والولايات المتحدة، يريد أن يلحق الهزيمة بتنظيميْ “الدولة” و”النصرة” وأخواتهما.
التحضير للخطة بدأ بترويج وزير الخارجية الأمريكي لما وصفه بانسحاب فعلي لقوات الحرس الثوري الإيراني تمهيدا لتفريغ الساحة من الطابع الطائفي المذهبي بعد أن استنفد وظيفته، والتمهيد للقبول ببقاء النظام السوري كشريكٍ في الحرب حتى الانتهاء من تصفية “داعش” و”النصرة” وبقية الفصائل.
ولأن الحرب في العرف هي نزاعٌ مسلح تبادلي بين كياناتٍ غير منسجمة، الهدف منه إعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوّة، فإن الاتفاق الأمريكي الروسي الغامض هو الوجه الآخر لمعادلة كلاوزفيتز التي تجعل الحربَ وسيلة لمواصلة السياسة بطرقٍ أخرى، حيث يُراد هنا لقرار سياسي دبلوماسي أن يمهِّد لـ”مواصلة الحرب بطرق أخرى” بإعادة تكييف ساحة القتال والمقاتلين والإفراج عن الهدف الأصلي، لأن الحرب عند اللاعبين الأصليين لم تكن منذ البداية تهدف سوى إلى استدراج فائض القوّة في أرخبيل التيار المتشدّد المنفلِت المتنامي، إلى ساحة قتالٍ مثالية يكون فيها أداة قبل أن يتحوَّل إلى هدف.