هذا هو طريق التحرير
يصنع شباب فلسطين من دمهم المبارك هذه الأيام معالم طريق التحرير.. فلقد انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الحالية متميزةً بما حملت في داخلها من إجابات واضحة على أسئلة هربت في المراحل السابقة التي استسلمت لمفردات سياسية وخطاب سياسي عمّ في الساحة الفلسطينية وفي كل التوجهات الإيديولوجية.
لقد أظهرت الانتفاضة الحالية بجلاء أنها تمتلك رؤية وبرنامجا وفهما للعلاقة بالآليات والأدوات، الأمر الذي يملأ الروح تفاؤلا، والعقل اقتناعا، والقلب يقينا، بأننا إزاء عمل صائب تمكَّن من اختراق جدار الفوضى والارتباك والتصدع ومناخ التيه الذي أصبح متنفس البيئة العربية والاسلامية، فكانت بحق بداية لثورة بطبعة جديدة.
لقد أدخلت الانتفاضة الكيان الصهيوني في دوامة التساؤلات الوجودية الكبرى إلى الدرجة التي أعلن فيها قائدُ جهاز الاستخبارات الصهيونية أنه لو تسنّى للإسرائليين في 1948 مشاهدة العمليات الفلسطينية التي تتم هذه الأيام لما قامت “دولة إسرائيل”.. أما وكالة المخابرات الأمريكية فعقّبت على مجريات هذه الثورة بأن الأمور تتجه إلى موت فكرة حل الدولتين وأننا الآن بصدد زوال الدولة العِبرية خلال أقل من عشرين عاما، وأن السنوات القادمة ستشهد رحيل أكثر من 3 ملايين يهودي من فلسطين.. وفي الكيان الصهيوني، ترتفع الأصوات من قبل سياسيين كبار حكوميين وغير حكوميين بأن حل الدولتين انتهى، وأن الدولة العنصرية الصهيونية لن تكون حقيقة بعد زمن قريب.
إنها بدايات تحرير.. وجملتها الأولى فلسطين كلها.. وهذا يعني أن الفلسطينيين يطوون سلسلة من المحطات السياسية ويخرجون من تنازع البرامج والانشغال بـ”الانقسام والوحدة”، بل يذهبون مباشرة إلى الهدف: فلسطين.. وجملتها الثانية رحيل الاستعماريين الأوربيين والأمريكان من فلسطين وإنهاء الحالة العنصرية الصهيونية.. وهذا يعني الاقلاع عن الحوار حول”العودة” ونِسبتها وتصوّرها؛ فالعودة هي تحصيل حاصل للتحرير وطرد المستعمرين.. والجملة الثالثة العملُ الشعبي الواسع على كل التراب الفلسطيني الذي يستوعب كل القادرين على تحمّل تبعات الانتفاضة بعيدا عن إبراز أي توجه إيديولوجي أو انتماء فصائلي.. بمعنى أن مرحلة الفصائل والأحزاب أكملت فصولها، واليوم نحن إزاء مرحلة جديدة؛ مرحلة الشعب بأبنائه المؤمنين بأن فلسطين هي إطارهم وهي هدفهم وهي معيارهم في الحكم على الأشخاص والهيئات والدول..والجملة الرابعة ضربُ العدو في مركز أعصابه وصميم استقراره بكل وسيلة ممكنة وتصعيد الكفاح وصولا إلى طرده من فلسطين كلها بعد أن يصبح الهروب من فلسطين أهمّ خيار أمامه.
إنها بدايات التحرير.. تنطلق بشباب جامعيين وتقريبا بلا إمكانات مادية، فكل ما في اليد من سلاح هي أدوات طهي أو سكاكين ليست غالية الثمن.. وهؤلاء الشباب ينطلقون في كل فلسطين ويستهدفون العدو في كل فلسطين.. وبين هذه البدايات ونهايات المواجهات، حيث النصر العزيز، هناك مسافة قاسية من التحديات الصعبة، مسافة من الألغام والأشواك والمواجهات ومؤامرات العدو وبعض الأصدقاء.. ولكنه ممرّ لابد منه.. سبيل تتراكم على جنباته الانجازات والوعي واكتشاف الحقيقة الكبرى بأن التحرير قاب قوسين أو أدنى..
من يصطفّ مع الانتفاضة تحت عناوينها ويلتزم بجملها، يكون اختار لنفسه عقبى الدار، ومن أخذته عزة النفس بالإثم لن يضرّ الله شيئا ولن يستطيع إيقاف عجلة التاريخ الحتمية نحو نصر فلسطين وتدمير الكيان العنصري الصهيوني، ولشباب فلسطين في ثورة الجزائر القدوة والمثل الصالح.. تولانا الله برحمته.