هذه أسرار طالب الإبراهيمي وبن يحيى ومحروق وخوجة في إضراب الطلبة
في الذكرى الستّين للإضراب التاريخي للطلبة الجزائريين غداة التاسع عشر ماي 1956، حيث قرّروا الالتحاق جماعيّا بالجبال للالتحام بالمجاهدين، تاركين مقاعد الدراسة، تلبية لنداء الوطن، تفتح “الشروق” سجلّ الخالدين، لتسليط الضوء على تلك المحطة المضيئة في مسيرة الحركة الطلابية الجزائرية، من خلال محاورة زعيمها الروحي بلعيد عبد السلام، الذي يكشف الكثير من التفاصيل المهمّة في ثنايا ذلك الحدث البارز، لاستخلاص الدروس والعبر، واستلهام القيم الوطنية، حتّى تبقى نبراسًا لامعا، يرسم طريق البناء أمام الأجيال الجديدة، وقنديلاً ساطعًا، ينير دروبها وسط حقولٍ من الألغام ودهاليز الظلام التي تلفّ الحياة من حولهم.
ويقدّم رئيس الحكومة الأسبق في الحلقة الأولى من حواره مع “الشروق”، خلاصة التجربة الشخصية التي عايشها في التفاعل مع الحركة الطلابية بعد الاستقلال، وحصيلة رهانه على بعض العناصر الشبابية ضمن فريقه الوزاري، قبل أن تتصدّع آماله الكبيرة على صخرة الفشل!
هناك تضارب بين الفاعلين التاريخيين حول إعلان 19 ماي 1956، هل كان من حيث الصدور، قرارا طلابيّا أم قياديّا، لأنّ المعلومات المتداولة هي أن جمعية عامة لمناضلي جامعة الجزائر توافقوا على الإضراب المفتوح، ثمّ أمرت قيادة الأفلان بتنفيذ الخيار من دون حتّى المرور على الهيئة التنفيذية للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، ما تعليقكم؟
من حيث الشكل العام، ما تفضلت به صحيح ودقيق تماما، لكن الموقف يحتاج إلى بعض التفاصيل، في ليلة الاجتماع الذي أشرت إليه، اتصل بي الأخ لمين خان، لأني كنت وقتها في باريس، وأطلعني على حيثيات القضية من دون أن نتوصّل إلى قرار فاصل، فأنا بدوري لستُ مسؤولا مباشرا في الموضوع، كما أنّ الخط الهاتفي للاتحاد كان محلّ رقابة من السلطات الفرنسية، ولهذا لم نكن في راحة من أمرنا كي نخوض في القرار بدقة، غير أنّ الانطباع الذي ظلّ راسخا في ذاكرتي هو أنّ الفكرة خرجت من وسط الطلبة، لكن ما أذكره أنّي طلبت منهم التريّث على أن أدخل إلى الجزائر عاجلا للنظر في المسألة، والتأكد من المصدر الحقيقي للقرار.
لكن في حدود علمي أنّ بن يوسف بن خدّة أمر الطلبة (باسم الجبهة) عن طريق عبّان رمضان، بتجسيد الإضراب من دون انتظار أي موافقة من القيادة الطلابية، وفي غياب رئيس فرع الجزائر محمد الصديق بن يحيى؟
هذا صحيح، وهو ما علمته من الأخ لمين خان حين دخولي العاصمة، لقد حاولت من جهتي قدر المستطاع السفر بصفة مستعجلة، حيث قام الإخوة في الهيئة التنفيذية للاتحاد بباريس بتسهيل المهمة، من خلال التوسط لي مع السلطات الفرنسية لاستصدار تصريح بالتوجه إلى الجزائر، لأنهم كانوا يعاملوننا كفرنسيين يتنقلون بين ولايات فرنسية، لكن كان الموقف قد حُسم والإعلان عن الإضراب صدر.
أفهم من كلامكم أن الهيئة التنفيذية للاتحاد لم تتبن القرار إلاّ بعد نفاذه؟
طبعا، لأن الأحداث تسارعت، والاتصالات لم تكن سهلة في وقت ضيق للغاية، لكن اللجنة التوجيهية (الهيئة الاستشارية المخوّلة بالقرارات) اجتمعت لاحقا في باريس بطلب من الهيئة التنفيذية، وأصدرت تصريحًا حرّره الأخ رضا مالك، أعلنت فيه تبنّيها المطلق للإضراب، داعية الطلبة الجزائريين إلى الالتحاق بالثورة، بعدما أطلعتهم شخصيّا على أن القرار منبثق عن قيادة جبهة التحرير الوطني، وبناء على ذلك، ترجّت قيادة الاتحاد الطلبة الجزائريين أن يلتحموا مع المجاهدين، رغم صعوبة الموقف، لأن الدراسة كانت حلم كلّ طالب في ظروف الاستعمار الذي حرم عموم الجزائريين من التعليم العالي وحتّى العادي، وبالتالي الحفاظ على مساره التعليمي أولوية قصوى، لكن أودّ أن أشير إلى أنّ فكرة الانقطاع عن الدراسة بصفة نهائية للانخراط في الثورة كانت مطروحة كخيار قبل تاريخ 19 ماي، ولهذا جاء التأييد سريعا للقرار، كما بعثنا بنسخة من تصريح اللجنة التوجيهية إلى كافة الدوائر الرسمية والمجتمع المدني الفرنسي وهيئات التدريس الجامعي، للتعبير بوضوح عن موقفنا من جهة، ومحاولة كسب الدعم من جهة أخرى، خاصة وسط التيار اليساري الذي سيطر وقتها على اتحاد الطلبة الفرنسيين.
قلتم إنكم أبلغتم المجتمعين من أعضاء اللجنة التوجيهية، بأنّ الإضراب هو “قرار جبهوي”، وبناء على هذه المعلومة حصل التبنّي التلقائي، لكن في الحقيقة أنّ الضوء الأخضر أو بالأحرى الأمر، صدر عن “بن خدّة” مباشرة، ولم يُناقش داخل هياكل الثورة؟
وقتها لم تكن تعنيني هذه المسائل التنظيمية والإجرائية، فأنا كمناضل ملتزم ومنضبط، أنفّذ تعليمات أفراد القيادة من أيّ جهة صدرت، وقد تأكّدت أن الأمر موجّه للطلبة من طرف بن يوسف بن خدّة، فتعاملت معه على أنه قرار جبهة التحرير الوطني، بحكم مسؤولية الرجل في نظام الثورة، ولا تهمّني التفاصيل الأخرى بعد ذلك، لأنني كنت في موضع الجنديّة التي تقتضي الالتزام والتنفيذ.
خلال اجتماع “اللجنة التوجيهية” بشأن الموقف من الإضراب، هل حظي القرار بالإجماع المطلق؟
التبنّي حصل بالأغلبية الساحقة باستثناء عدد قليل لا أستحضر عددهم الآن، ويوجد البعض من خارج أطر الاتحاد لكنهم طلبة جزائريون لم يمتثلوا للقرار، لأنه تطوعي في الأساسي.
هل يوجد من هؤلاء من تقلّد مسؤوليات عليا في الدولة الجزائرية بعد الاستقلال؟
طبعا، وأنا شخصيا استعنت بعدد منهم في الهيئة التنفيذية المؤقتة للحكومة الجزائرية (19 مارس إلى 5 جويلية 1962)، وعينتهم في الديوان لمساعدتي في مهامي، أذكر منهم عبد الله خوجة وإسماعيل محروق، في موقع رئيس ومدير للديوان على التوالي، وكلاهما أصبح وزيرا فيما بعد.
وهل واجهت انتقادات حينها بهذا الخصوص؟
بطبيعة الحال، لكن الظروف كانت معقّدة وصعبة للغاية، نحن لم نكن نملك حينها الإطارات التقنية في ميادين الإدارة والاقتصاد والمالية والهندسة وغيرها، فكان الخيار أن نبقي على الفرنسيين مثلا، أو نستعين بخبرة وكفاءة هؤلاء الجزائريين، ومن دون شكّ الخيار الثاني أقلّ سوءا، بل مع فارق شاسع، لأنهم لم يكونوا أبدا ضدّ الثورة، والأوضاع دفعت بعضهم إلى الانتقال إلى المغرب من أجل العمل بدل تلبية نداء الجهاد، وأنا هنا لا أبرّر سلوكهم، لكن أوضّح السياق التاريخي فقط، لا زلت أعتقد أنني فكّرت بمنطق المصلحة الوطنية عوض الحسابات الضيّقة للإقصاء أو التصفية، لكن أنبه إلى أن الأخ عبد الله خوجة صرّح لي أنه لم يعلم بأنّ القرار نابع عن الأفلان، مع أنه كان رئيس فرع تولوز للاتحاد.
في حدود علمي أن فرنسا حاولت، خلال مقابلتك مع أحد المسؤولين الفرنسيين في الجزائر، أن تثنيكم عن قرار الإضراب، هل يمكن أن نفصّل في هذه الجزئية؟
صحيح والمعلومة مضبوطة، حينما جئت إلى الجزائر للتأكد من مصدر القرار مثلما قلت لك سابقا، كان مبرمجًا، بتوجيه من الهيئة التنفيذية للاتحاد، أن أقابل هذا المسؤول الذي نسيت اسمه، لكنه إطار في ديوان “لاكوست” بقصر الشعب حاليا، فلّما التقيت به، قال لي: “لقد عملتم زوبعة في باطل، وإنّ الإضراب اتخذتموه بناءً على إشاعة غير صحيحة، وإذا شئت آخذك فورا عبر الهليكوبتر للاطمئنان على الطالب الذي زعمتم أن الأمن قد اغتاله “.
يقصد هنا الطالب فرحات حجاج الذي فجّر خبرُ اغتياله غضب الطلاب وقتها؟
نعم، ثم قال فيما معناه: “لقد وقع الفأس في الرأس”، فما هو الحلّ لهذه المشكلة، فأجبته على الفور: “الحلّ هو الاستقلال ولا يوجد بديل غير الاستقلال”، فردّ عليّ مازحا: “أنت في النهار ضد الاستعمار، وفي الليل تجتمع به”، فأجبت على كلامه بالمثْل، قائلا له: “وأنت في النهار ضد الخارجين عن القانون، وفي الليل تتفاوض معهم“.
لكن قرار الإضراب المفتوح شكّل مغامرة خطيرة، هل فكرتم في العدول عن الخيار بعدما تحقّقت الرسالة السياسية والشعبية المرجوّة من الموقف؟
بطبيعة الحال، لقد كتبت شخصيا رسالة بهذا الصدد، بمناسبة الدخول الاجتماعي الأول الذي أعقب الإضراب، أي خريف 1956، وبعثت بها إلى الأخ محمد خميستي بواسطة قيادة الجبهة في المغرب، راجيًا منه التدخل لاتخاذ قرار بوقف الإضراب، لأن الطلبة في الداخل التحقوا بالجبال فعلاً، بينما زملاؤهم في فرنسا كانوا تائهين، فهُم مسجّلون بالمعاهد والجامعات لكنهم منقطعون عن الدراسة.
ما الإجابة التي تلقيتها منه بهذا الخصوص؟
لم أتلقّ إجابة محدّدة من خميستي، لكن وصلتني فيما بعد رسالة مكتوبة من بن يوسف بن خدّة، فهمت من خلالها أن القرار مفروض، وأبلغني أنّ بعض القيادات الميدانية في الثورة لن تقبل بأن تكون وحدها على خطّ المواجهة، بينما يبقى الطلبة متفرغين للدراسة ثم يعودون بالشهادات عند الاستقلال للسيطرة على مقاليد الحكم، وبالتالي ما زال الوقت غير مناسب لتوقيف الإضراب، لكن أشدّد على أن هذا التخمين يخصّ بن يوسف بن خدّة، وليس بالضرورة تفكيرا فعليا لدى قيادة الثورة، أو على الأقل في عمومها.
لكن في الدخول الجامعي الموالي سيتوقف الإضراب، كيف توصلتم إلى ذلك؟
ما أعلمه أن القرار صدر عن لجنة التنسيق والتنفيذ، وأيضا خلال اجتماع مجلس الثورة المنعقد بالقاهرة صيف 1957، لأنهم وصلوا إلى قناعة حول التفكير في تكوين إطارات المستقبل، لأنّ أفق الاستقلال أصبح ماثلا أمام الأعين، وعلى ضوء ذلك، تكفّل الأخ عبد الحميد مهري بهذه المهمة، من خلال إدارة الشؤون الاجتماعية على مستوى الحكومة المؤقتة.
وفي هذه المرحلة شرعتم في توجيه الطلبة إلى الدراسة في الجامعات الغربية، عن طريق تقديم المنح الدراسية، ولعبتم شخصيّا دورا تنسيقيّا أساسيا في هذا المجال بين الحكومة والطلبة؟
حاولت ما في وسعي مساعدة الأخ مهري على إنجاز هذه المهمة، من خلال الوساطة ومعرفتي بالطلبة المناضلين، لأن اجتماع القاهرة شكّل محطة مفصلية في علاقة الطلبة بالثورة، حيث تحوّل اهتمام القيادة من إقحامهم في العمل المسلح إلى إعادة توجيههم نحو الجامعات العصرية للتكوين، وفي هذا الإطار طلب الأخ مهري من عبد الحفيظ بوصوف أن يحوّلني من المغرب إلى العمل معه في متابعة المسائل الطلابية.
سوف أفتح قوسا فيما يخصّ علاقة الثورة بهياكل الاتحاد، حيث نلاحظ تعاملها مع الزعامات الروحية من أمثالكم أكثر من اتصالها المباشر بمسؤولي التنظيم، وهذا يدفعني إلى أن أسألكم عن دوافع تنصيب الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي على رأس الهيئة التنفيذية في أول مؤتمر، مع أنه لم يكن ناشطًا ولا معروفًا بمساره النضالي، وهنا أعيد لكم رواية الدكتور لمين خان في حوار سابق مع “الشروق”، حيث أكّد أن اللجوء إلى الإبراهيمي كان بخلفية التمويه على الإدارة الفرنسية بشأن أهداف الاتحاد الثورية، على أساس أنّ الرجل هو نجل الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء، وهي تمثّل التيّار الإصلاحي الذي لا يثير كثيرا حساسية السلطات الاستعمارية، لكنكم بعد 8 أشهر فقط أزحتُم أحمد طالب الإبراهيمي، ونصّبتم صديقكم المنحدر من حزب الشعب مولود بلهوان، ما تعليقكم؟
أعتقد أن هذه الرؤية تعكس تفكير الأخ لمين خان، وعلى كلّ حال قد تحملُ جانبًا من الحقيقة لدى البعض على الأقلّ، لكن الدافع الأساسي في اختيار الأخ أحمد طالب الإبراهيمي لرئاسة الأمانة التنفيذية هو كونه يحقّق الإجماع بين الطلبة الجزائريين، أما باقي المناضلين فقد كانوا مثار تخوّف لديهم، لأنهم ثوريون، باعتبارهم من مدرسة حزب الشعب التي تضايقها فرنسا، ما من شأنه أن يسبب لهم وللاتحاد متاعب، ومن هذه الزاوية فالموقف يحسب إيجابا لصالحه وليس نقيصة في حقّه، ولكن قضية تمكّن أبناء حزب الشعب من الاتحاد كانت فعلا موجودة، وبهذا الصدد، لا أزال أتذكر أنّ المرحوم محمد الصديق بن يحي قال لي ذات يوم: “إنّنا (يقصد حزب الشعب) غير ممثلين في تشكيلة الهيئة التنفيذية (الأولى)”، فأجبته: “أنّ ما يهمّ أكثر هو أن تكون أفكارنا الثورية والاستقلالية هي السائدة، وهذا ما نجحنا فيه“.
مع ما تفضلتم به في هذا السياق، فإنّ حصيلة رئاسة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي كانت إيجابية في التعبير بقوة عن مواقف الاتحاد السياسية والثورية، مثلما نجح في المهام الإدارية ، هل تؤيدون هذا التقييم؟
أنا متفق معك تماما من هذه الناحية، فقد تحمّل جميع مسؤوليات التنظيم في سياق تاريخي وجغرافي خطير وصعب للغاية، حيث كان شجاعا في المواقف الوطنية، وعبّر عن توجهات الاتحاد بوضوح، وسيّر المنظمة بروح تشاركيّة، ملتزمًا بقرارات وتوجيهات المجموعة، لكن بعض الإخوة انتقدوه في الاهتمام بالظهور الشخصي.
إن صحّ ذلك، فقد يكون مفهوما، بل ضروريا أحيانا، في بداية انتقالية، لأنّ الرجل وافد على المشهد الطلابي والنضالي؟
ربّما، هذه مسألة جزئية على كلّ حال، والأهمّ أنه قاد الاتحاد بنجاح.

